عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

الإنسان بين الطبيعة البيولوجية والثقافة المكتسبة

(عدواني بالطبيعة وأناني بالتطبع) ق. م

من أكثر الأخطاء شيوعًا في تاريخ الفكر الاجتماعي والسياسي تلك الفكرة التي اعتدنا ترديدها حتى صارت تبدو كأنها حقيقة بديهية: أن الإنسان كائن اجتماعي وسياسي بالطبيعة، وأنه يميل بفطرته إلى الاجتماع بالآخرين والعيش معهم في جماعة منظمة. وقد ارتبطت هذه الفكرة، في تاريخ الفلسفة، بأرسطو الذي وصف الإنسان بأنه كائن مدني أو سياسي بالطبع، ثم أعاد ابن خلدون صياغتها في عبارته الشهيرة: «الإنسان كائن اجتماع بالطبع» والسؤال الخلدوني هو: هل الإنسان اجتماعي فعلًا بالطبيعة، أم أنه يصبح اجتماعيًا بالضرورة والحاجة والثقافة والتربية والقانون؟.

أميل إلى النظر إلى المسألة من زاوية مختلفة: الإنسان، في مستواه الحيواني الأول، كائن نزوعي، دفاعي، تنافسي، يسعى إلى البقاء والاستحواذ وحماية ذاته ومصالحه. وهو، في مستواه الإنساني، كائن قادر على أن يتجاوز هذه النزوعات بواسطة العقل والأخلاق والثقافة والقانون. ولذلك فإن الحضارة، في أحد معانيها العميقة، ليست انتصار الطبيعة البشرية كما هي، بل هي محاولة تاريخية مستمرة لكبح بعض عناصرها الأكثر عدوانية وأنانية، وتحويل القوة الغريزية إلى سلوك منظم يمكن أن يحتمل وجود الآخرين.

وهنا تكتسب أعمال الفيلسوف الفرنسي تزفيتان تودوروف أهمية خاصة، ولا سيما كتابه الحياة المشتركة: بحث أنثروبولوجي الصادر عام 1995. فقد نقل تودوروف السؤال من مستوى يبدو مألوفًا إلى مستوى أكثر إثارة للقلق الفلسفي. فهو لا يسأل فقط: كيف يعيش الإنسان داخل المجتمع؟ وإنما يقلب السؤال رأسًا على عقب ويسأل عن «مكانة المجتمع في الإنسان». وهذا التحول ليس لغويًا فحسب، بل هو تحول في زاوية النظر إلى الإنسان نفسه.

فإذا كان الإنسان كائنًا اجتماعيًا بالطبيعة، فما الذي يجعلنا بحاجة إلى القانون؟ ولماذا نحتاج إلى الأخلاق؟ ولماذا نحتاج إلى الدولة والمؤسسات والعقود والقواعد والمحاكم وأجهزة الرقابة والمحاسبة؟ ولماذا احتاج تاريخ البشرية الطويل إلى كل هذا الجهد الهائل من أجل تنظيم العلاقة بين الإنسان والإنسان؟ إذ إن مجرد وجود القانون يدل على أن الإنسان لا يكتفي دائمًا بما تمليه عليه فطرته أو رغباته الخاصة. ومجرد وجود الأخلاق يدل على أن هناك مسافة بين ما أستطيع فعله وما ينبغي لي أن أفعله. وبين القدرة والرغبة من جهة، والواجب والمسؤولية من جهة أخرى، تبدأ قصة الحضارة.

فالإنسان لا يصبح إنسانًا مدنيًا لمجرد أنه وُلد بين الناس؛ وإنما يتعلم كيف يكون كذلك. يتعلم أن للآخر حدودًا لا يجوز له تجاوزها، وأن حريته ليست رخصة لإلغاء حرية غيره، وأن مصلحته الخاصة لا تمنحه الحق في ابتلاع المصلحة العامة، وأن القوة التي يمتلكها لا تمنحه حق استعمالها كيفما شاء.

وبهذا المعنى نفهم أنانية الإنسان لا باعتبارها حكمًا أخلاقيًا نهائيًا عليه، وإنما باعتبارها معطى ينبغي للمجتمع أن يتعامل معه بواقعية. فالإنسان يريد، ويرغب، ويشتهي، ويتنافس، ويبحث عن الاعتراف والمكانة والسلطة والمصلحة. وهذه النزوعات ليست كلها شرًا في ذاتها، لكنها تصبح خطرة حين تتحرر من كل قيد، وحين يتحول الحق في تحقيق الذات إلى حق مزعوم في السيطرة على الآخرين.

لقد أدرك الفكر الحديث، بطرائق مختلفة، هذه المعضلة. ففي التحليل النفسي عند فرويد نجد صراعًا بين قوى الرغبة ومقتضيات الواقع، وبين الدوافع الغريزية ومتطلبات الحياة المشتركة. وفي الفلسفة الحديثة يصبح العقل أداة لإدارة هذه الرغبات داخل عالم لا يستطيع فيه الفرد أن يعيش وحده. وهنا يظهر العقد الاجتماعي بوصفه إحدى أعظم الأفكار التي حاول بها الإنسان أن ينتقل من عالم القوة المنفلتة إلى عالم القواعد المشتركة.

فالعيش المشترك ليس، بالضرورة، حالة طبيعية قائمة على المحبة الدائمة والعواطف النبيلة. إنه، في جانب كبير منه، ضرورة مدنية. أنا لا أحتاج إلى أن أحب جاري حتى أحترم حقه في السكن والأمان والخصوصية؛ ولا يحتاج جاري إلى أن يحبني حتى يحترم حقي في الحياة والحرية. يكفي أن ندرك أن وجودنا المشترك يفرض علينا قواعد لا يجوز لأحد أن يستثني نفسه منها.

ما أضعف الإنسان بدون مؤسسات عامة فاعلة ودولة سيدة وعادلة ومستقرة وما أخطر الإنسان بدون قانون ونظام عام فعّال. ويعّلم التاريخ أن البشر بدون مؤسسات عامة ومعايير قانونية حازمة وصارمة وعيونهم إلى الأرض، قد أثبتوا مراراً وتكراراً-وفي كل حقبة من حقب التاريخ حدث فيها إنهيار مؤسساتهم الرسمية -أنهم يمكن أن يكونوا أحط من الوحوش، لا أخلاق لهم يحيون حياة غابية كل يوم بيومه لا معنى لها ولا هدف غير عيش اللحظة واشباع شهواتها الفورية المباشرة بلا خوف من الله ولا خجل من الناس ولا تأنيب من ضمير ولا خشية من عقاب.

والقانون ليس عدو الحرية، بل شرط إمكانها؛ فحين يغيب القانون لا تختفي السلطة، وإنما تنتقل إلى الأقوى، وتتحول الحقوق إلى امتيازات تمنحها القوة وتسحبها القوة. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل نريد القانون؟ بل: أي قانون؟ ومن يضعه؟ وعلى من ينطبق؟ ومن يراقب تطبيقه ويحـاسب من ينتهكه؟

والدولة، في معناها المدني، كما عرفها الفيلسوف الهولندي باروخ إسبينوزا قائلا: " ليست الغاية القصوى للدولة أن تهيمن على الناس، ولا أن تكبح جماحهم بالرهبة، بل أن تحرر الإنسان من الخوف، حتى يعيش ويعمل آمناً مطمئناً كل الاطمئنان، دون أن يلحق به أو بجاره أي أذى. وليست غاية الدولة أن تجعل من الكائنات العقلانية حيوانات ضارية وآلات (كما هو الحال في الحرب) بل تمكين أجسامهم وأذهانهم من أداء وظيفتها في أمان، أن غايتهم أن توجد الناس ليعيشوا على العقل السليم الصادق ويمارسوه.... أن غاية الدولة حقاً هي الحرية"

وقيمة السلطة لا تقاس بشعاراتها ولا بطول بقائها، وإنما بقدرتها على حماية الناس، وصيانة حقوقهم، وإدارة شؤونهم بعدالة، وتحمل تبعات الخطأ والتقصير والفشل. وأخطر ما يصيب الدولة أن يغيب السؤال: من المسؤول؟ فعندما يغيب المسؤول تغيب المحاسبة، وعندما تغيب المحاسبة تنفلت القوة، ويتحول القانون إلى نص جميل بلا قدرة على حماية أحد. لذلك تبقى القاعدة الحاسمة: لا سلطة بلا مسؤولية، ولا مسؤولية بلا قانون، والقانون سيد الجميع.

لقد عاش الإنسان طويلًا داخل جماعات مغلقة، ترى نفسها مركز العالم، وتمنح ثقافتها ومعتقداتها وهوياتها صفة الحقيقة المطلقة وكان لكل عصر من العصور التاريخية القدرة المعرفية والايديولوجية التي تعبر عن شروطها الممكنة ولكل مرحلة من مراحل التاريخ ممكناتها المعرفية لكن العالم اتسع؛ اكتشف الإنسان ما وراء الجبال والصحاري والبحار، والتقى بالآخر المختلف، ثم نظر إلى الأرض من خارجها، فاكتشف أننا جميعًا سكان كوكب واحد، وأن لا جماعة تمتلك وحدها الحقيقة الكاملة، ولا يحق لها فرض نمط حياتها على الآخرين بالقوة. إن تعدد الثقافات والمعتقدات لا ينبغي أن يتحول إلى تعدد في الحقوق والكرامة. ومن هنا أفهم العلمانية باعتبارها مبدأً لتنظيم المجال العام، بحيث لا تتحول الأديان والمذاهب والطوائف والأيديولوجيات والقبائل والهويات إلى أدوات للتمييز السياسي بين المواطنين. فالدين علاقة الإنسان بربه، أما الدولة فهي شأن المواطنين جميعًا. وفي الدولة المدنية لا مواطن أول ولا مواطن ثانٍ؛ الجميع متساوون في الكرامة والحقوق والواجبات، مهما اختلفت معتقداتهم وانتماءاتهم. المعيار هو المواطنة، والحَكَم هو القانون، والقانون سيد الجميع.

جعلت العولمة العالم فضاءً واحدًا، وجعلت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المسافات أقل من أي وقت مضى. أصبح ما يحدث في مدينة بعيدة قادرًا على التأثير في حياة إنسان في أقصى الأرض، وأصبح الإنسان يواجه، للمرة الأولى، قدرة هائلة على التواصل والمعرفة والتأثير تتجاوز الحدود والجغرافيا والثقافات. ولهذا لم يعد التعايش بين الشعوب والثقافات والأديان ترفًا أخلاقيًا، بل أصبح ضرورة لبقاء الإنسان نفسه.

فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر المسافات، ويترجم اللغات، وينقل المعرفة، ويفتح أبوابًا جديدة للتعاون؛ لكنه يستطيع أيضًا، إذا وقع في أيدي التعصب والكراهية والقوة المنفلتة، أن يضاعف الانقسام وينشر الوهم والتحريض والتمييز على نطاق غير مسبوق. والتكنولوجيا لا تحمل أخلاقها في ذاتها؛ نحن الذين نحدد الغاية التي نستخدمها من أجلها.

ومن هنا تصبح الحاجة إلى الأخلاق والقانون أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فكلما ازدادت قدرتنا التقنية، ازدادت حاجتنا إلى الحكمة والمسؤولية. وكلما أصبح العالم أكثر اتصالًا، أصبح الاعتراف بالآخر المختلف شرطًا للسلام.

لسنا بحاجة إلى أن نتشابه لكي نعيش معًا، ولا إلى أن نتفق في الدين أو الثقافة أو الرأي لكي نحترم بعضنا بعضًا. يكفي أن ندرك أن اختلافنا جزء من إنسانيتنا المشتركة، وأن كرامة الإنسان لا تتجزأ بحسب لونه أو دينه أو لغته أو قوميته أو ثقافته.

إن الانتقال الحقيقي الذي تحتاجه البشرية هو الانتقال من منطق «أنا أولًا» إلى أفق «نحن جميعًا». فالحضارة لا تقاس بقدرتها على امتلاك القوة والتكنولوجيا وحدهما، وإنما بقدرتها على ترويض القوة بالقانون، وتوجيه المعرفة بالأخلاق، وتحويل الاختلاف من سبب للصراع إلى فرصة للتعارف والتلاقح والتعاون.

وفي عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، لم يعد السلام شأنًا محليًا، ولا التسامح فضيلة فردية فحسب؛ إنهما شرطا وجود إنساني مشترك. وما تحتاجه البشرية اليوم ليس عالمًا بلا اختلاف، وإنما عالمًا يعرف كيف يعيش اختلافاته دون أن يحولها إلى حروب.

فليست مهمتنا أن نصنع إنسانًا متشابهًا، بل أن نبني عالمًا يتسع للإنسان المختلف؛ عالمًا يكون فيه القانون سيد الجميع، والكرامة حقًا للجميع، والسلام لغةً مشتركة بين الجميع.

***

د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم