أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الذات المعاصرة بين الاغتراب الرقمي وفقدان المعنى
قراءة فلسفية في إنسان ما بعد الحداثة
في قلب العولمة الرقمية، حيث تتقاطع تقنيات الاتصال الحديثة مع الزمان والمكان، يظهر الإنسان المعاصر في صورة ذهنية مشوشة، مقسّمة بين الانغماس في العالم الافتراضي وبين صعوبة التماس حضور حقيقي في العالم الواقعي. هذا الاغتراب الجديد ليس مجرد انعكاس لفقدان الترابط الاجتماعي التقليدي، بل هو حالة وجودية عميقة تعكس أزمة المعنى في الحياة اليومية. وقد لاحظ فلاسفة ما بعد الحداثة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، أن الإنسان لم يعد يمتلك مركزية ثابتة أو هوية مستقرة، بل أصبح موضوعا متنقلاً بين هويات متفرقة، تتنازعها صور الذات الافتراضية والمجتمعات الرقمية، في حين تفقد اللغة عمقها الرمزي لتصبح أداة للتواصل السطحي والتعابير السريعة، على حساب التأمل والتفكير الجذري.
الذات المعاصرة كما يصفها زيغمونت باومان في مفاهيمه عن "السيولة"، ليست كائنا مستقرا بقدر ما هي فضاء متحرك من العلاقات المتقطعة والمعلومات العابرة. فالانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لم تُغيّر مجرد شكل التواصل البشري، بل أعادت إنتاج العلاقة مع الذات نفسها، بحيث أصبح الأنا مسرحا للعرض والتظاهر، وخاضعا للمعايير الرقمية للقيمة الاجتماعية والاعتراف. إننا أمام ظاهرة الاغتراب الرقمي التي تتخطى الحيز الجسدي إلى الحيز النفسي والوجودي، حيث تتحول الذات إلى مجموعة من الإشارات والبيانات، يتغير معناها بتغير المنصة أو التطبيق أو حتى مزاج المتلقي، وتصبح القدرة على التجربة الوجودية المباشرة محدودة أمام جاذبية الواقع الافتراضي.
في هذا السياق، يظل فقدان المعنى علامة مميزة لعصرنا. فقد تنوعت مراجع القوة والمعرفة بشكل متسارع، وتضاعفت مصادر المعلومات لتصبح أحيانا أكثر تشويشا من كونها إثراءً، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من التشتت الذهني، كما وصفها بيونغ-تشول هان في كتابه مجتمع الإرهاق وبول ريكور في مفهوم الهوية السردية وزيغمونت باومان في الحداثة السائلة وغاي ديبور في كتابه مجتمع الفرجة أو ما يمكن تسميته بـ"تعب الفكر الحديث". وفي مواجهة هذا التدفق الهائل للمعلومات، يفقد الفرد القدرة على بناء سردية شخصية متماسكة لحياته، إذ تتحول الخبرة اليومية إلى سلسلة من المؤثرات العابرة، لا تصل إلى مستوى التكوين الذاتي العميق. هكذا يصبح الإنسان معاصرا في الزمان، لكنه غائب في وجوده، متلقّا لا صانعا للمعنى.
تتقاطع هذه الأزمة مع التغيرات التي عرفتها مفاهيم الهوية والانتماء. ففي عالم ما بعد الحداثة، كما يلاحظ جان-فرانسوا ليونيل، لم تعد الهوية مفهوما ثابتا، بل عملية دينامية تتشكل داخل شبكة من التفاعلات الاجتماعية والثقافية. هذا الواقع يضاعف من شعور الفرد بالاغتراب، إذ إن ذاته الحقيقية تتراجع أمام النسخ الرقمية لها، كل نسخة تحاول فرض حضورها المستمر، على نحو يخلق التنافر بين الذات الداخلية والذات المعروضة للعالم الخارجي. فالفرد يصبح أسير صورته الافتراضية، ويعيش قلقا وجوديا مستمرا بين ما يعيشه وما يقدمه من تمثيل لنفسه.
أما من منظور فلسفة الوجود، فإن هذه الحالة تشبه ما وصفه هيغل في تحليله للصراع بين الوعي والآخر، أو كما يراه سارتر في مفهوم "النظرة"، حيث يصبح الوجود تحت مراقبة الآخرين محورا للأداء الاجتماعي المستمر، وهو أداء متجدد في كل منصة رقمية. لكن الفرق الآن هو أن "الآخر" ليس بالضرورة شخصا حيا، بل هو جمهور متغير غير محدد، يمكن أن يتفاعل أو يغيب، ويتحدد وجود الذات وتقديرها بناءً على هذه التجربة العابرة. بالتالي تتأرجح الذات بين الشعور بالقوة عند النجاح الرقمي والاعتراف، وبين الإحباط عند الفشل أو التجاهل، في دورة مستمرة من التقدير والرفض، الأمر الذي يولّد شعورا دائما بعدم الاستقرار النفسي والمعنوي.
إن هذه الديناميكية الجديدة للذات الرقمية تفضي إلى قطيعة مع التجربة الزمنية التقليدية للوجود. فالإنسان المعاصر يعيش في "الآن الرقمي"، حيث تصبح اللحظة الحاضرة متقطعة ومجزأة بفعل التنقل بين الشاشات والمنصات، فتتلاشى الخطابات الطويلة والمعمقة، وتنتفي القدرة على التجربة المتواصلة والتأمل العميق. كما لاحظ ميشيل فوكو في تحليله للخطابات والسلطة، أن المعرفة ليست مجرد تراكم للمعلومات، بل هي شكل من أشكال السلطة التي تحدد ما هو مسموح معرفته وما هو ممنوع، وهنا نرى أن الفضاء الرقمي لا ينقل الإنسان إلى الحرية المعرفية المطلقة، بل يضعه تحت ضغط مستمر لقواعد خفية، تحدد ما يجب أن يعرفه وما يهم الآخرون أن يراه.
وفي خضم هذا الواقع، يظهر البُعد النفسي للاغتراب الرقمي بشكل جلي. فالفرد على الرغم من ارتباطه المستمر بشبكة من العلاقات، يعيش شعورا بالوحدة العميقة، إذ تصبح العلاقات سطحية، تفتقد إلى العمق العاطفي والمشاركة الحقيقية. وقد لاحظ إريك فروم أن الإنسان المعاصر يبحث عن الانتماء والاعتراف في فضاء يتجاوز العائلة التقليدية والمجتمع المحلي، لكنه غالبا ما يجد نفسه عالقا في شبكة علاقات افتراضية تفتقر إلى الحميمية والأصالة، ما يعزز شعور الغربة النفسية والاغتراب عن الذات.
ومن زاوية فلسفة اللغة، يشير جاك دريدا إلى أن تفكك المعنى في الفضاء الرقمي يعكس انهيار القدرة على الاستدلال العميق والمفهومي، إذ تتحول الكلمات إلى رموز متقلبة تفقد سياقها، وتصبح أدوات للتفاعل اللحظي أكثر من كونها وسيلة للتفكير والتحليل. فالأنا الرقمية تتكون من رسائل قصيرة ومنشورات وتعليقات و"إيموجي"، كل منها يختصر المعنى ويجعله قابلاً للتفسير المتعدد والمتغير، ما يولّد حالة من عدم اليقين المستمر تجاه الذات والآخرين.
وفي قراءة تربط بين ما بعد الحداثة والوجود الرقمي، يمكن القول إن الإنسان المعاصر يعيش تجربة "الفراغ المعنوي"، أي فراغا ليس فقط من المرجعية الثقافية أو الدينية، بل من القدرة على صياغة فهم متكامل للوجود. ففي مجتمع المعلومات حيث تغلب الكثرة على العمق، يصبح البحث عن المعنى مهمة شبه مستحيلة، وهو ما أكده رولان بارت في تحليل النصوص والرموز، حين لاحظ أن العصر الحديث يميل إلى تحويل كل تجربة إلى نص قابل للتكرار والتفسير المتعدد، فتتلاشى القدرة على التمكين الشخصي من المعنى.
الذات إذن، في عصر ما بعد الحداثة الرقمية، ليست مجرد كيان بيولوجي أو اجتماعي، بل هي مجال للتفاعل الرمزي والمعرفي المستمر، تتبدل باستمرار وفق قوة المعلومات وقوة الانطباعات وتغيرات العلاقات الافتراضية. وهنا يظهر التحدي الفلسفي الأساسي: كيف يمكن للذات أن تحافظ على تماسكها وهويتها في ظل هذه السيولة الرقمية؟ وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد بعده الوجودي ويعيد بناء معنى حياته في عالم يفضل السرعة والسطحية على العمق والتأمل؟
تظل هذه الأسئلة مركزية لأي تفكير فلسفي في الإنسان المعاصر. فالفلسفة منذ سقراط وحتى فلاسفة ما بعد الحداثة، لم تتوقف عن مساءلة الذات، واستكشاف حدودها، وطرح شروط وجودها الحر والمعقول. وفي زمن الرقمنة والعولمة، يبدو أن هذه المساءلة أصبحت أكثر إلحاحا، إذ إن التحديات لم تعد تتعلق بالاختلاف الاجتماعي أو الثقافي فقط، بل بتغير طبيعة الوجود نفسه، حيث يتحول الإنسان إلى كائن متفرّق، يعيش في فضاء افتراضي غير محدود، ويخضع لقوانين خفية لتفاعل الرموز، أكثر من خضوعه لقوانين الطبيعة أو المجتمع التقليدي.
إن الذات المعاصرة تتعرض لتجربة مزدوجة من الاغتراب وفقدان المعنى، اغتراب عن الواقع المادي والاجتماعي، واغتراب عن العمق النفسي والمعرفي لذاتها، بينما يُترك الإنسان في مواجهة مستمرة مع صورته الرقمية، متاهة بين الانفتاح على العالم الرقمي وفقدان القدرة على التأمل والتجربة الوجودية. هذه الأزمة ليست عابرة أو سطحية، بل هي علامة على مرحلة تاريخية جديدة في تطور الوعي البشري، حيث تصبح معرفة الذات ومعنى الوجود مرتبطين بالقدرة على مقاومة الانصهار في السيولة الرقمية واستعادة حيوية التجربة الوجودية العميقة.
في مواجهة هذه السيولة الرقمية وفقدان المعنى، يبدو أن السؤال الفلسفي المركزي ليس فقط في تحليل الأزمة، بل في البحث عن إمكانيات مقاومة هذا الاغتراب، وإعادة بناء الذات على أساس متين قادر على تجاوز ضغوط العولمة الرقمية. فالإنسان المعاصر على الرغم من ضياعه في تيار المعلومات والتمثيلات الافتراضية، يمتلك قدرات معرفية ونفسية يمكن استثمارها لإعادة تأسيس معنى الحياة وتجربة وجودية متكاملة، شرط أن يعيد التفكير في علاقته بالزمن والمكان وبالآخر. إن ما يواجهنا ليس مجرد تحدٍ تكنولوجي، بل صيرورة وجودية تتطلب إعادة تأمل في شروط الإنسانية نفسها.
من هذا المنطلق، يمكن استلهام مفاهيم الفلاسفة الوجوديين مثل مارتن هايدغر، الذي دعا إلى استعادة تجربة "الوجود في العالم" بوصفها وجودا أصيلا، لا مجرد متابعة الأحداث والانشغال بالصور الرقمية العابرة. إن هايدغر يذكرنا بأن الإنسان لكي يعيش بشكل أصيل، لا بد أن يعي موتيته ووجوده في العالم بشكل متماسك، وليس من خلال تمثلات متفرقة أو مؤثرات افتراضية. فالوعي بالموتية لا يهدف إلى خلق رعب وجودي، بل لإيقاظ القدرة على التجربة العميقة، وإعادة ترتيب الأولويات بما يجعل اللحظة الحاضرة غنية بالمعنى. في عصر الرقمنة، يصبح هذا التذكير أكثر أهمية، إذ يغري الفضاء الرقمي الإنسان بالانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعلات السطحية، تاركا بعده الوجودي في حالة من الشلل الرمزي والمعنوي.
إضافة إلى ذلك، يمكن للذات أن تجد متنفسا في ما أسماه ميشيل فوكو "الفكر النقدي للذات"، أي القدرة على ممارسة الرقابة الذاتية على تجاربها ومعارفها، وإعادة تأسيس مساحات للتأمل والتفاعل الواقعي بعيدا عن ضغوط الشبكات الرقمية. ففوكو لم يقترح الخلاص المطلق من السلطة، بل القدرة على معرفة وتشكيل الذات ضمن حدود الحرية الممكنة. ومن هنا، فإن إعادة صياغة تجربة الذات الرقمية لا تعني رفض التكنولوجيا أو الانعزال عنها، بل استخدامها بوعي واستراتيجية تمكن الإنسان من السيطرة على إدراكه، بدل أن يصبح مجرد متلقٍ عشوائي للمؤثرات الرقمية.
وهنا يتضح دور الثقافة والمعرفة العميقة في مواجهة الفراغ المعنوي. فالإنسان الذي ينغمس في قراءة الفلسفة بحيث إن التأمل في الأدب أو فهم العلوم الإنسانية، يمتلك أدوات لخلق نسق داخلي متماسك، قادر على مقاومة التشتت الذي يولده الفضاء الرقمي. كما أشار رولان بارت في دراساته عن النص.
إن القراءة العميقة تمنح الإنسان القدرة على التماهي مع المعنى، وتطوير إدراك يمكنه من التفاعل الواعي مع العالم، بدل الاستجابة التلقائية للإشارات العابرة. في سياق الرقمنة، تصبح القراءة والتأمل والتفاعل النقدي مع المعرفة وسائل لإعادة بناء الذات، واستعادة إحساسها بالتماسك والهُوية.
إلى جانب ذلك، يمكن للذات المعاصرة أن تستثمر مفهوم "الوعي بالآخر" كما طرحه سارتر في فلسفة "النظرة". فالاعتراف بالآخر لا يقتصر على العالم الواقعي، بل يمكن أن يمتد إلى مساحات حقيقية للتفاعل الإنساني العميق، سواء في الحوار الثقافي والنشاط الاجتماعي، أو المبادرات الجماعية. إن العلاقة مع الآخر الأصيل تتيح للذات أن تتجاوز مجرد التمثيل الرقمي، وأن تعيد تأسيس وجودها في فضاء حقيقي مليء بالمسؤولية والتأثير المتبادل. وفي هذا الإطار، يصبح الوعي الاجتماعي والفكري عنصرا أساسيا لمقاومة الاغتراب، إذ يمكن للإنسان أن يستعيد قيمة أفعاله، ويعيد بناء معنى وجوده عبر التأثير الإيجابي على محيطه.
ولا يمكن أيضا إغفال بعد الاستبطان الذاتي في إعادة بناء المعنى. فالذات الرقمية في خضم ضغوط المعلومات والانطباعات العابرة، تحتاج إلى ممارسة منتظمة للانعزال الذهني، والتأمل في الخبرة الشخصية بعيدا عن وسائل التواصل. هذه الممارسة تشبه ما دعا إليه ديكارت في "تأملاته"، إذ إن الشك المنهجي والتمحيص الداخلي يشكلان طريقا لإعادة تأسيس اليقين في الذات والمعرفة. وبعيدا عن الانغماس في الفضاء الرقمي، يصبح بإمكان الفرد أن يميز بين ما هو جوهري وما هو عابر، ويعيد ترتيب تجربته الحياتية بما يخدم تكامله الوجودي، ويجنب نفسه التشتت المعنوي الناتج عن سيطرة المنصات الرقمية.
إن مقاربة الذات المعاصرة من منظور فلسفة ما بعد الحداثة لا تعني العودة إلى تقليد ثابت أو مثالية ميتافيزيقية، بل تعني إدراك التنوع والاختلاف كفرص لبناء معنى شخصي متماسك. فالفضاء الرقمي رغم ما يحمله من تشتيت، يوفر أدوات لتجربة الحرية والاختيار، شرط أن يستخدم الإنسان هذه الأدوات بوعي. كما يرى ريتشارد روف، أن الإنسان المعاصر يحتاج إلى "تكوين الذات الأخلاقية"، أي القدرة على ممارسة الحرية في سياق متغير، مع الالتزام بمبادئ أساسية تعيد توجيه التجربة نحو عمق وجداني ومعرفي، بدل الانغماس في الترفيه اللحظي والتفاعل السطحي.
من جهة أخرى، يمكن النظر إلى الفن والإبداع كوسائل لإعادة بناء الذات. فالتجربة الجمالية سواء في الموسيقى، الأدب، أو الفنون البصرية، تمنح الإنسان قدرة على التحليق خارج قيود الفضاء الرقمي، وتفتح مساحات للمعنى والوعي الذاتي. وقد لاحظ إريك فروم أن الفن يمثل نوعا من المقاومة، حيث يسمح للفرد بالتعبير عن ذاته الداخلية، واستعادة إحساسه بالقيمة والكرامة، بعيدا عن معايير القبول الرقمي والمظاهر الاجتماعية الزائفة. من هنا، يصبح الاستثمار في التجربة الجمالية فعلا فلسفيا وجوديا، يعيد التوازن بين الداخل والخارج، ويستعيد للذات بعدا إنسانيا أصيلا.
أما من زاوية فلسفة التقنية، يمكن القول إن إعادة تأسيس الذات في العالم الرقمي يتطلب ممارسة "الرقابة التقنية الواعية"، أي القدرة على اختيار المحتوى وتنظيم الوقت، وتحديد مساحات التفاعل الرقمية بما يخدم عمق التجربة الإنسانية. فالتكنولوجيا ليست عدوا بل أداة، ويمكن أن تكون وسيطا لتعزيز المعرفة والتواصل الحقيقي، والتجربة العميقة، إذا ما تم التعامل معها بوعي فلسفي، كما يرى مارشال ماكلوهان حين تحدث عن "أثر الوسائط" على الإدراك والوعي. فالوعي بالتأثيرات الرقمية يسمح للذات بأن تتحكم في أدواتها، بدل أن تصبح رهينة لتقنيات تتحكم في سلوكها ومزاجها.
كما يمكن استلهام مفهوم "الوقت النوعي" كما ناقشه هنري برجسون، إذ يشير إلى أهمية التجربة المتواصلة والعميقة للوعي، مقابل الزمن الرقمي المتقطع والمجزأ. فإعادة ترتيب العلاقة بالزمن تمثل وسيلة لمقاومة التشتت الرقمي، وإعادة إدراك الحياة بشكل متكامل. فاللحظة الحاضرة إذا ما تم استثمارها في التفكير والتأمل والتجربة الحقيقية، تصبح نواة للمعنى، وتمكن الإنسان من تجاوز العروض الرقمية العابرة، واستعادة إحساسه بالوجود العميق.
يظهر أن إعادة بناء الذات والمعنى في زمن الرقمنة يتطلب انسجاما بين الفكر والعاطفة والتجربة العملية. فالتحولات الرقمية لا تلغي القدرة على ممارسة الحرية، بل تفرض شروطا جديدة لها عبر وعي النقد والانضباط الذاتي واستثمار الفضاءات الواقعية والجمالية للعيش الكامل.
تصبح الذات المعاصرة ليست مجرد ضحية للسيولة الرقمية وفقدان المعنى، بل فاعلا قادرا على إعادة تشكيل تجربته، واستعادة تماسكه الوجودي وصياغة حياة متكاملة، تجمع بين الحاضر الرقمي والماضي الواقعي والمستقبل المحتمل، في فعل مستمر من الوعي والإبداع والمقاومة.
إن هذه القراءة الفلسفية المتواضعة للذات المعاصرة، إذ تجمع بين تحليل الأزمة الرقمية وفقدان المعنى، وبين اقتراح أدوات لإعادة البناء الوجودي، تمثل محاولة لتجاوز السطحية والانغماس اللحظي، وتعيد الفلسفة إلى مهمتها الأساسية، مساءلة الإنسان في كيانه العميق، ومساعدته على إعادة صياغة حياته بطريقة تعيد له معنى وجوده، وتعيد للزمن والوعي قيمتهما الأصيلة. فالذات الرقمية على الرغم من تشتيتها، يمكن أن تصبح فضاء للحرية وللمعنى وللتجربة الإنسانية العميقة، إذا ما تم إدارتها ووعيها بحكمة، بما يجعل الإنسان المعاصر فاعلا، متماسكا، وقادرا على مواجهة تحديات عصره بروح فلسفية نقدية، لا مجرد متلقٍ للصور الرقمية العابرة.
***
د. حمزة مولخنيف






