أقلام فكرية

زهير الخويلدي: نظرية الدولة عند نيكولاس بولانتزاس كتكثيف مادي لعلاقات القوى الطبقية

"هل يلعب المرء لعبة السلطة ويندمج في الدولة أم لا؟"1

يُعتبر نيكولاس بولانتزاس (1936-1979) أحد أبرز المنظرين الماركسيين في القرن العشرين، وخاصة في مجال نظرية الدولة الرأسمالية. تأثر بولانتزاس بالمدرسة البنيوية الماركسية، ولا سيما أعمال لويس ألتوسير، وطور نظرية تجاوزت التصورات التقليدية للدولة كأداة طبقية محايدة أو كيان مستقل. بدلاً من ذلك، رأى الدولة كـ"تكثيف مادي" لعلاقات القوى الطبقية، حيث تكون ميداناً للصراعات الاجتماعية والاقتصادية. في كتبه الرئيسية مثل القوة السياسية والطبقات الاجتماعية (1968) والدولة، القوة، الاشتراكية (1978)، يقدم بولانتزاس تحليلاً ديناميكياً للدولة في الرأسمالية المتقدمة، مع التركيز على دورها في دعم الوظائف الاقتصادية، كشف ميزان القوى بين الطبقات، التوسع البيروقراطي اللامحدود، والإمكانيات النضالية للانتقال إلى اشتراكية ديمقراطية. تأتي أهمية بولانتزاس في سياق الأزمات الرأسمالية والتحولات السياسية في السبعينيات، مثل سقوط الدكتاتوريات في أوروبا الجنوبية وصعود اليوروكوميونيزم. يرفض بولانتزاس النظريات الاقتصادوية أو الإرادوية، مؤكداً أن الدولة ليست مجرد أداة للطبقة الحاكمة، بل هي علاقة اجتماعية مشبعة بالتناقضات الطبقية. هذه الدراسة ستستعرض هذه العناصر بشكل موسع ومسترسل، مستندة إلى أعماله الرئيسية وتحليلاته للرأسمالية الاحتكارية.فماهي نظرية الدولة عند نيكولاس بولانتزاس بين دعم الوظائف الاقتصادية والكشف عن ميزان القوى والتوسع البيروقراطي غير محدود والنضال الشعبي من اجل اشتراكية ديمقراطية؟

الأسس العامة لنظرية الدولة عند بولانتزاس

يرى بولانتزاس الدولة ككيان يتجاوز التصورات التقليدية، حيث تكون "تكثيفاً مادياً لعلاقات القوى الطبقية"، متجذرة في علاقات الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل. لا تكون الدولة مستقلة عن الاقتصاد، بل تخترقها علاقات الإنتاج، مع الحفاظ على استقلال نسبي يسمح لها بتنظيم الكتلة القوية (البرجوازية) وتفكيك الطبقات المضطهدة. هذا الاستقلال النسبي ضروري للحفاظ على مصالح البرجوازية طويلة الأمد، خاصة في مراحل الرأسمالية الاحتكارية حيث تتنافس الفصائل البرجوازية (مثل الرأس المال الاحتكاري والغير احتكاري). يعتمد بولانتزاس على ماركس وغرامشي، لكنه ينتقد الرؤى الآلية، مؤكداً أن الدولة ليست "شيئاً" بل علاقة ديناميكية تشكلها الصراعات الطبقية. في سياق الرأسمالية المتقدمة، تتغير الدولة من دولة ليبرالية محدودة إلى دولة احتكارية موسعة، حيث تتدخل مباشرة في الإنتاج والاستهلاك الجماعي. هذا التغيير يعكس تحولات في ميزان القوى، حيث تصبح الدولة ميداناً للتناقضات بين الطبقات، مما يفتح إمكانيات للنضال الشعبي. ومع ذلك، يحذر بولانتزاس من الوهم الإصلاحي أو الثوري البسيط، داعياً إلى استراتيجية تجمع بين الديمقراطية التمثيلية والمباشرة.

دعم الوظائف الاقتصادية للرأسمالية

يؤكد بولانتزاس أن الدولة الرأسمالية تلعب دوراً حاسماً في دعم الوظائف الاقتصادية الأساسية للرأسمالية، مثل تراكم الرأس المال، استخراج الفائض القيمي، وإعادة إنتاج قوة العمل، لكن هذا الدعم ليس محايداً بل موجهاً سياسياً نحو هيمنة الرأس المال الاحتكاري. في الرأسمالية الاحتكارية، تتدخل الدولة مباشرة في الإنتاج من خلال الإعانات، الاستثمارات العامة، والتخطيط الاقتصادي، مما يساعد في مواجهة انخفاض معدلات الربح وإدارة التراكم الزائد. على سبيل المثال، تقوم الدولة بإدارة الاستهلاك الجماعي مثل النقل، الإسكان، والرعاية الاجتماعية، مما يعزز الإنتاج النسبي للفائض القيمي عبر تكثيف الاستغلال، ويخفي هذا الاستغلال تحت غطاء "المصلحة العامة"، لكنه يوفر أساساً مادياً للتوافق مع الطبقات المضطهدة. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح بولانتزاس أن "الدولة لا تكتفي بإعادة إنتاج الشروط الخارجية العامة للإنتاج... بل تدخل في تشكيل علاقات الإنتاج نفسها"، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية حيث تندمج مجالات هامشية سابقاً مثل تدريب قوة العمل، التخطيط الحضري، والنقل في عملية تدوير الرأس المال.  هذا الدعم الاقتصادي يخترق المجالات الاجتماعية، مما ينشر علاقات الدولة ويخفي العنف خلف القانون والإيديولوجيا، لكنه يولد تناقضات مثل صلابة السياسات الاقتصادية التي تحول دون الاستجابة السريعة للصراعات الطبقية، مما يفتح ثغرات للنضال الشعبي. كما يؤدي إلى صلابة في السياسات، مما يحد من بناء الهيمنة ويفرض تضحيات على العمال، وفي النيوليبرالية، يظهر كتراجع استراتيجي عن بعض الوظائف الاقتصادية مع الخضوع لمؤسسات دولية غير ديمقراطية، مما يزيد من تفكيك الحياة الاجتماعية ويجعل الدولة أكثر عرضة للأزمات.

كشف ميزان القوى الطبقية

تكشف الدولة، وفقاً لبولانتزاس، ميزان القوى بين الطبقات من خلال كونها "التكثيف لعلاقة قوى بين الطبقات... التناقضات الطبقية هي جوهر الدولة: إنها موجودة في إطارها المادي وتشكل تنظيمها"، حيث تنشأ السلطة من المواقع الموضوعية في تقسيم العمل وتظهر في الممارسات الطبقية داخل العلاقات بين الطبقات. كما تنظم الدولة الهيمنة عبر أجهزة إيديولوجية مثل التعليم والإعلام، وأجهزة رادعة مثل الشرطة، مركزة السلطة في الأشكال الاقتصادية حيث تسود الفصائل الهيمنة. في الرأسمالية الاحتكارية، يتحول الميزان نحو الرأس المال الاحتكاري، مع نقل السلطة من البرلمان إلى الإدارة التنفيذية، مما يعكس تغييرات في الكتلة القوية ويؤدي إلى صلابة في السياسات. يعكس القانون الرأسمالي، بمعاييره المجردة، هذا الميزان، حيث ينظم الوصول إلى الأجهزة ويخفف من الاضطرابات دون إحداث اضطرابات كبيرة، لكنه يتوقع الانتهاكات للحفاظ على التوازن. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يؤكد بولانتزاس أن "الدولة هي موقع ومركز لممارسة السلطة، لكنها لا تمتلك سلطة خاصة بها"، مما يجعلها عرضة للكشف عن التناقضات في الأزمات، حيث تضعف الوحدة الطبقية الحاكمة والتماسك الإيديولوجي، مما يجعل الدولة "بظهرها إلى الجدار ووجهها أمام خندق".  هذا الكشف يحدث من خلال الشقوق الأفقية والعمودية في الأجهزة، مما يجعل الدولة غير مستقرة ويفتح إمكانيات للتغيير عبر الصراعات الطبقية، خاصة في سياق الاستبداد السلطوي الذي يعكس تحولات في السلطة نحو التنفيذي مع زيادة القمع والسيطرة البيروقراطية.

التوسع البيروقراطي غير المحدود

يصف بولانتزاس التوسع البيروقراطي كـ"مولوخ الدولة"، حيث تتوسع الإدارة بشكل لا حدود له، مدفوعة بدورها في الهيمنة الطبقية والتقسيم الاجتماعي للعمل، خاصة في الرأسمالية الاحتكارية والاستبداد السلطوي. تخترق البيروقراطية جميع المجالات مثل الاستهلاك الجماعي والحقوق الفردية، عبر هياكل هرمية مركزية، معايير عامة، وتقنيات التطبيع، مما يؤدي إلى تآكل المؤسسات التمثيلية مثل البرلمان وزيادة السيطرة التنفيذية، مع ظهور الشبكات الموازية والكوربوراتية. في "الدولة، القوة، الاشتراكية"، يوضح أن "الارتفاع اللا مقاوم للإدارة الدولية... حدود مولوش الدولة"، حيث يرتبط هذا التوسع بالاستبداد السلطوي والارتفاع المهيمن للحزب الجماهيري، مما يغزو الحياة الاجتماعية لإدارة الأزمات والحفاظ على السلطة.  يؤدي ذلك إلى فصل الدولة عن الإنتاج مع سرية كاستراتيجية تنظيمية، وانتهاكات قانونية عبر عقل دولة ، مما يعزز عدم التماسك والتغييرات المفاجئة، مع تبعية للاقتصاد. في الرأسمالية الاحتكارية، ينخفض دور البرلمان ويرتفع دور الإدارة السياسية، مما يؤدي إلى تآكل الحريات الديمقراطية ومخاطر الاستبداد، مع مركزية الخبراء وأيديولوجيا الكفاءة التي تؤدي إلى عدم اتساق وتردد بين التدخل الزائد واللامتدخل. يجسد التوسع البيروقراطي عبر الخطاب والأجهزة، حيث يبلور الفصل بين العمل الفكري واليدوي في هياكل مركزية هرمية، ويتراكم في الكتابة والخطاب، مما ينفذ في كل الواقع الاجتماعي دون أصل سابق على الطبقات، لكنه يمثل ميدان الصراعات من البداية. في الرأسمالية، يركز عبر استبعاد الجماهير، مما يحتكر المعرفة-السلطة، ويصبح التوسع تشكيلياً محدوداً بالصراعات والديمقراطية التمثيلية، مما يولد مقاومات داخلية بسبب التناقضات الطبقية.

النضال الشعبي من أجل اشتراكية ديمقراطية

يدعو بولانتزاس إلى نضال شعبي يجمع بين الداخل والخارج، رافضاً الإصلاحية النقية أو تدمير الدولة، ومؤكداً على تحويل الدولة عبر دمج الديمقراطية المباشرة مثل مجالس العمال والإدارة الذاتية مع التمثيلية، مع التركيز على تغيير علاقات القوى. ينتقد النماذج الستالينية والديمقراطية الاجتماعية، داعياً إلى "الطريق الديمقراطي" الذي يشمل الانتخابات، الإصلاحات، والابتكارات المؤسسية، حيث "ليس الأمر مجرد دخول مؤسسات الدولة لاستخدام رافعاتها لغرض جيد... بل يجب أن يعبر النضال دائماً عن نفسه في تطور الحركات الشعبية، انتشار الأعضاء الديمقراطية في القاعدة، وصعود مراكز الإدارة الذاتية". في مقالته "نحو اشتراكية ديمقراطية"، ينتقد بولانتزاس الستاتيزم في الديمقراطية الاجتماعية والستالينية، مشدداً على إعادة تقييم الطريق الديمقراطي مع دمج نقد روزا لوكسمبورغ للينين، حيث تؤكد على الانتخابات العامة، حرية الصحافة والتجمع، والنضال الحر للرأي لمنع هيمنة البيروقراطية وتعزيز الديمقراطية البروليتارية الحقيقية.  يؤكد أن الانتقال طويل الأمد، يعتمد على انتشار مراكز المقاومة وتغيير التوازنات، مع الحفاظ على الدولة القومية كميدان نضال حتى قلب أنماط الإنتاج، ويجمع بين تحول الأجهزة وتطور الديمقراطية المباشرة، مع مراحل تتدخل فيها الجماهير الشعبية في تناقضات الدولة. المخاطر تشمل رد الفعل البرجوازي، الاجتماع الديمقراطي، والاستبداد إذا فشلت التحالفات أو توازنت العمليات، كما في تشيلي، لذا يرفض السلطة المزدوجة لتجنب التوازي والمعارضة، مفضلاً التنسيق العضوي بين الأشكال البرلمانية والمباشرة.

خاتمة

" ما الحل المتاح؟ وما الجواب الذي يجب ان يعطى؟"

تكشف نظرية بولانتزاس عن الدولة كميدان تناقضي، حيث تدعم الرأسمالية اقتصادياً وتكشف ميزان القوى، لكنها تتوسع بيروقراطياً مما يفتح أبواب النضال لاشتراكية ديمقراطية. هذه النظرية تبقى حية في سياق الأزمات المعاصرة، داعية إلى استراتيجية ثورية إصلاحية تجمع بين النظرية والممارسة، مع التركيز على "الاشتراكية ستكون ديمقراطية أو لن تكون على الإطلاق". فكيف تؤدي سيطرة الحزب الجماهيري على الاجهزة الى بروز النزعات الاستبدادية والشمولية وتغول البيروقراطية واضعاف الدولة؟

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

1- نيكولاس بولانتزاس، نظرية الدولة، ترجمة ميشيل كيلو، دار التنوير، بيروت، 2010، ص153،

في المثقف اليوم