أقلام فكرية

غالب المسعودي: التقارب التأكيدي بين البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة في بنية الاستحواذ

تعد إشكالية التطور الحضاري للإنسان في الفضاءات السياسية المحكومة بالاستبداد من أعقد القضايا التي واجهت الفكر العربي والمعاصر على حد سواء. إن العائق الأساسي أمام هذا التطور لا يكمن فقط في غياب الديمقراطية الإجرائية، بل في حالة من "التقارب التأكيدي" البنيوي بين نزعتين تبدوان متناقضتين في الظاهر، لكنهما تتكاملان في جوهر الممارسة السلطوية: البدائية الشعبوية التي تستدعي أشكال الولاء ما قبل الوطنية، والشكلانية المعاصرة التي تتبنى قشور الحداثة وأدواتها لتعليب تلك البدائية وشرعنتها. هذا التزاوج يخلق نظاماً هجيناً يعطل قدرة الإنسان على الترقي القيمي والمعرفي، ويحوله من مواطن فاعل إلى رعية مستهلكة أو ترس في آلة بيروقراطية صماء.

 تشريح الشكلانية المعاصرة في الفكر السياسي

تمثل الشكلانية المعاصرة، في سياقها النقدي والسياسي، نزوعاً نحو تغليب "القالب" على "المحتوى"، والتركيز على التحليل الداخلي للآليات دون النظر إلى غاياتها الإنسانية أو سياقاتها التاريخية. لقد انتقلت هذه الروح من حقول النقد الأدبي -التي تأثرت بالشكلانية الروسية والأوروبية منذ ثمانينيات القرن العشرين- إلى الممارسة السياسية، حيث جرى عزل المؤسسات عن مضامينها القيمية. في الدراسات النصية، عُنيت الشكلانية بالتحليل الداخلي للنص وآليات السرد والحكائية، منطلقة من أن اللغة هي المعيار العلمي الوحيد. وعند إسقاط هذا المنهج على الواقع السياسي العربي، نجد أن الأنظمة الاستبدادية تعاملت مع "الدولة" كبنية شكلانية محضة. لقد جرى استعارة قوالب جاهزة من الديمقراطية والحداثة الغربية وصب النص السياسي المحلي فيها دون مراعاة لخصوصية التحول التاريخي الداخلي. هذا أدى إلى إنتاج "حداثة شكلية" تفتقر إلى مشروع بنيوي يعبر عن تحول حقيقي في الوعي، مما جعل الخصوصية محدودة للغاية وغارقة في التبعية للقوالب الأجنبية.

البدائية الشعبوية: لاهوت الاستبداد الجديد

إذا كانت الشكلانية هي القالب الخارجي، فإن "البدائية الشعبوية" هي المادة الخام التي تملأ هذا القالب. البدائية هنا لا تعني فقط التخلف الزمني، بل هي نمط من التفكير والممارسة يستدعي الانتماءات الأولية (القبيلة، الطائفة، العرق) ويوظفها في صراع سياسي صفري ضد "الآخر". وتتوسع هذه البدائية لتصبح "شعبوية" فجة تلغي المسافة بين الحاكم والمحكوم عبر خطاب عاطفي يدعي الطهرانية.

تنبثق الشعبوية من هذه البدائية لتقدم خطاباً يدعي تمثيل "الشعب" في مواجهة "نخب فاسدة" وهمية، متجاوزة المؤسسات والوساطات السياسية. تتسم هذه الشعبوية بمميزات تجعلها معوقاً حضارياً بامتياز؛ فهي تتبنى الموقف الانفعالي تجاه المؤسسات، حيث يُعتبر كل ما هو مؤسسي معرقلاً لإرادة "الزعيم الملهم". كما تعتمد التنميط الأخلاقي عبر تقسيم المجتمع إلى "شعب صالح" و"أعداء خونة"، مما يقوض السلم الأهلي ويمنع التعددية. إنها تستغل الخيبات الاقتصادية لتقدم وعوداً خلاصية تداعب الغرائز البدائية وتؤجل استحقاقات الوعي بضرورة الدولة الحديثة.

ثلاثية العقل السياسي العربي ومؤسسة العصبية

يعد تحليل محمد عابد الجابري لمحددات العقل السياسي العربي ركيزة أساسية لفهم جذور البدائية. يرى الجابري أن السلوك السياسي العربي لا يزال محكوماً بلاشعور جمعي يتكون من ثلاثة عناصر: القبيلة (العصبية) كمحرك للفعل، العقيدة (الأيديولوجيا) كأداة تبريرية، والغنيمة (الاقتصاد الريعي) كهدف للممارسة. يكمن "التقارب التأكيدي" هنا في قدرة الأنظمة الاستبدادية على استخدام الأدوات الشكلانية المعاصرة لتعزيز هذه الروابط البدائية. فبدلاً من أن تؤدي الحداثة إلى تذويب القبيلة في الدولة، تقوم "الشكلانية" بمنح القبيلة غطاءً مؤسسياً عبر أحزاب كرتونية أو انتخابات تُدار بمنطق الولاءات العشائرية.

الاستبداد والانسداد الحضاري

يعمل الاستبداد كمحرك رئيسي لهذا التقارب، فهو يحتاج إلى "الشكلانية" لكي يحصل على اعتراف دولي وتدفقات مالية، ويحتاج إلى "البدائية" لكي يضمن قاعدة موالية لا تسأل عن الحقوق. في ظل هذه الأنظمة، تتحول الدولة من "دولة قانون" إلى "دولة بوليسية" تتسم بالسيادة المطلقة غير المقيدة، وصياغة قرارات أحادية، وتزييف الشرعية، واستخدام الإرغام، ومأسسة الفساد كبنية لضمان الولاء. يمتد هذا الأثر لتخريب المناهج التعليمية وتحويل الفكر إلى "سلعة" دعائية، مما يجهض أي محاولة لفهم الواقع خلف ستار من الخطابات الجوفاء.

ضرورة القطيعة الإبستمولوجية

إن الخروج من هذا المأزق يتطلب ما يسميه غاستون باشلار ولويس ألتوسير بـ "القطيعة الإبستمولوجية" (القطيعة المعرفية). لا تعني القطيعة هنا نسيان الماضي، بل تعني الانتقال من "المعرفة العامية" أو "الوعي البدائي" إلى "المعرفة العلمية والنقدية". إنها هدم للمنظومات الفكرية التي يقتات عليها الاستبداد، وتفكيك للروابط التي تجمع بين الشكلانية المستوردة والبدائية المحلية.

تتطلب هذه القطيعة ممارسة نقدية تتبنى إنجازات الحداثة لنقد العقل العربي من الداخل. إن هدف الحداثة ليس شراء المنتجات، بل "تمكين العقل" وتفعيل "الذات الحضارية" القادرة على الإبداع والتدبر. لا بد من قطيعة مع القراءات التقليدية التي تقدس الماضي أو ترفضه جملة وتفصيلًا، والبدء بتأسيس إنتلجنسيا عربية جديدة تكون "عربية" بانتظامها في تراثها لتجديده، و"جديدة" باستيعابها لأدوات العصر والانتظام في الفكر العالمي المعاصر.

الاستنتاجات العامة

إن التقارب التأكيدي بين البدائية الشعبوية والشكلانية المعاصرة هو استراتيجية وجودية للأنظمة الاستبدادية لتعطيل الزمن التاريخي. إن معركة التطور الحضاري تبدأ من تفكيك هذا "التقارب السام". فالدولة الحقيقية لا تُبنى بالكتل الإسمنتية ولا بالشعارات، بل تُبنى عندما يصبح القانون سيداً. إن استعادة الإنسان لفاعليته الحضارية هي الرهان الحقيقي لمواجهة تحالف "البدائية والشكلانية" في ظل أنظمة لا تعيش إلا على حساب تغييب العقل وتعطيل التاريخ.

***

غالب المسعودي

.........................

الهوامش والمراجع

الجابري، محمد عابد، العقل السياسي العربي: محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990.

الكواكبي، عبد الرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، دار النفائس، بيروت، 2006.

باشلار، غاستون، تكوين العقل العلمي: مساهمة في تحليل المعرفة الموضوعية، ترجمة: خليل أحمد خليل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، 1984.

غليون، برهان، اغتيال العقل: محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية، المركز الثقافي العربي، 2005.

مولر، يان-فيرنر، ما هي الشعبوية؟، ترجمة: ملكة أبيض، دار الساقي، بيروت، 2017.

بروب، فلاديمير، مورفولوجيا الحكاية، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة العربية للناشرين، 1986.

في المثقف اليوم