دراسات وبحوث

منير محقق: الدلالة التأويلية والخطاب السردي

سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة الخامسة ضمن المشروع البحثي الشامل مفهوم التأويل كأداة فلسفية وسيميائية مركزية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. وتعتمد الدراسة على ما تم التوصل إليه في الدراسات السابقة ضمن المشروع، من تحليل الخطاب السردي وفق المنهج الشكلاني إلى التحليل البنيوي، مرورًا بسيمياء البنية وصولًا إلى سيمياء الأهواء، لتقدم رؤية متكاملة تُظهر التجاور بين التحليل الغربي للمفكرين البارزين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر، ومن ثم المقاربات العربية التي صاغها محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

وتؤكد الدراسة على تعددية المعاني والمرجعية الثقافية والبعد الرمزي والفلسفي للتأويل، كما تُبرز العلاقة الحية بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي، ما يجعل التأويل أداة محورية في التحليل المتقدم للخطاب السردي والأدب العجائبي، ويُثري فهم البنية الدلالية للنصوص ضمن الإطار الثقافي والفلسفي.

الكلمات المفتاحية: التأويل، الخطاب السردي، السرد، الحكاية، الأدب العجائبي، التحليل السيميائي، الدراسات العربية والغربية

Academic Abstract

The fifth study within this comprehensive research project examines interpretation (hermeneutics) as a central philosophical and semiotic tool for understanding narrative discourse, storytelling, and fantastic literature. The study builds upon the findings of previous research within the project, ranging from formalistic approaches to structuralist analysis, passing through the semiotics of structure and culminating in the semiotics of passions, offering an integrated perspective that juxtaposes the Western analyses of prominent thinkers such as Umberto Eco, Roland Barthes, Michel Foucault, Julia Kristeva, and Wolfgang Iser, with Arabic interpretations by Mohamed Meftah, Nasr Hamid Abu Zayd, and Taha Abderrahman.

The study emphasizes the multiplicity of meanings, cultural reference, and the symbolic and philosophical dimensions of interpretation, highlighting the dynamic relationship between the text, the reader, and the socio-cultural context. Hence, interpretation is positioned as a pivotal tool in the advanced academic analysis of narrative discourse and fantastic literature, enriching the understanding of the semantic structure of texts within their cultural and philosophical framework.

Keywords: interpretation, narrative discourse, storytelling, tale, fantastic literature, semiotic analysis, Arabic and Western studies

على سبيل التقديم

تعتبر هذه الدراسة امتدادًا طبيعيًا لمشروع بحثي شامل تناول تطور تحليل الخطاب السردي من مختلف المقاربات النظرية، حيث بدأت الرحلة بالدراسة الأولى المعنونة ب- "الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب السردي – فلاديمير بروب نموذجًا"، والتي ركزت على الأسس الشكلانية للخطاب والحكاية السردية، مستعرضة بنيتها الداخلية وعناصرها الثابتة والمتكررة.

تلتها الدراسة الثانية بعنوان "الاتجاه البنيوي في تحليل السرد - من القواعد التحويلية عند تودوروف إلى المفارقات السردية والزمنية عند جيرار جنيت"، والتي وسعت الأفق التحليلي إلى دراسة الزمن السردي والمفارقات والبنى التحويلية، مع التركيز على التفاعلات الداخلية للنصوص.

أما الدراسة الثالثة، الموسومة "من البنية إلى المعنى: الدلالة البنيوية وآفاق التحليل السيميائي - مشروع غريماس ومدرسة باريس نموذجًا"، فقدمت خطوة متقدمة في فهم المعنى من خلال تحليل الدلالة البنيوية وتوظيف السيمياء في كشف الرموز والبنيات الثقافية للنصوص.

ثم جاءت الدراسة الرابعة "سيمياء الأهواء: من الاستهواء إلى الجسد السردي - قراءة لمشروع غريماس وفونتني"، والتي سلطت الضوء على أبعاد التأويل الجسدي والنفسي في السرد، وكيفية تحليل الأهواء والرغبات الإنسانية كجزء من البنية السيميائية للنص، مما أتاح فهمًا أعمق للعلاقات بين القارئ والنص والثقافة.

وتأتي هذه الدراسة الحالية، بعنوان " الدلالة التأويلية والخطاب السردي: سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي"، استكمالًا لهذا المشروع البحثي المتسلسل، لترسخ فكرة أن تحليل الخطاب السردي لا يقتصر على البنية وحدها، بل يمتد إلى التأويل والفهم الرمزي، مستفيدًا من تجارب كبار المفكرين الغربيين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير، ومن المفكرين العرب مثل محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

ويهدف هذا المشروع البحثي، من خلال هذه الدراسة الحالية والخامسة ضمن سلسلة الدراسات السابقة إلى استكشاف التأويل كأداة فلسفية وسيميائية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، وربطه بالذاكرة الثقافية الجماعية وإمكانات القارئ في استكشاف الرموز والمعاني العميقة.

تعريف الخطاب

تنتمي العبارات المشتقة من جذر (خ ط ب) إلى حقول دلالية مختلفة، بحيث يمكن اعتبار الخطاب نظام القول أو الفعل العقلي، أي القائم على الحجة والدليل، وفي قوله تعالى:﴿لا يملكون منه خطابا﴾ (1)، وهذا يقتضي أن الخطاب نظام القول المؤثر والمقنع لكل الأطراف.

ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس'' الكلام المتبادل بين اثنين، يقال: خاطبه يخاطبه خطابا، والخطبة من جنس الخطاب ولا فرق، وفي النكاح: الطلب أن يزوج وقال تعالى "لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النكاح " والخطبة: الكلام المخطوب به، والخطب، الأمر يقع ، وإنما سمي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة''(2).وفي أساس البلاغة للزمخشري: نجد "خطب فلان، أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، وأختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحبتهم وتقول له: أنت الأخطب، البين الخطبة'' (3).

وفي العين للخليل: "الخطاب هو مراجعة الكلام، والخطبة مصدر الخطيب، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد الخطبة قام في النادي فقال: خطب، ومن أراده قال: نكح، والخطب: المرأة وهو الزوج والخطبة إن شئت في النكاح وإن شئت في الموعظة''(4). وفي الكشاف ''نجد أن الخطاب ''في أصل اللغة توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وقد يعبر عنه بما يقع به التخاطب''(5).

جاء في أساس البلاغة للزمخشري ''خطب فلان: أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، واختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحباتهم. وتقول له: أنت

الأخطب: البين الخطبة''(6).

وعموما الخطاب اسم مصدر مشتق من خاطب، وهو يدل على ما ينجزه المخاطب المتمثل في

توجيه الكلام إلى الغير، وقد يتقاطع الخطاب في معناه مع مصطلحين آخرين هما: الكلام باعتباره مرادفا للمخاطبة، وقد سبق لابن منظور أن ميز بينهما من خلال معنى التبادل والمشاركة حين قارن بين المصطلحين إذ يقول 'والخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان (7) وهو تعريف يجعل الخطاب أعم وأشمل من معنى المخاطبة، إذ أن هذه الأخيرة لا تمث-----ل

سوى نوع مخصوص من ذاك.

إن لفظ الخطاب يتردد كثيرا بالاقتران بوصف الآخر مثل: الخطاب الثقافي، الخطاب السياسي، الخطاب التاريخي، الخطاب الاجتماعي، الخطاب الصوفي.

ولذلك ورد الخطاب بتعريفات متنوعة بهذه الميادين العديدة بوصفه فعلا، يجمع بين القول والعمل، فهذا من سماته الأصلية، وليس في هذا تشتت بقدر ما فيه من غنى وسعة في التصنيف، وقد ورد لفظ الخطاب عند العرب قديما، كما ورد عند الغربيين.

الخطاب عند العرب

ورد لفظ الخطاب في الثقافة العربية في عدة مواضع، إذ ورد في القرآن الكريم بصيغ متعددة منها: صيغة الفعل في قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾(8)، وفي قوله تعالى عن داوود عليه السلام ﴿وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾(9).

ولقد عد الرازي صفة فصل الخطاب من الصفات التي أعطاها الله تعالى لداوود معتبرا إياها من علامات حصول قدرة الإدراك والشعور، والتي يمتاز بها الإنسان على أجسام العالم الأخرى من الجمادات والنباتات وجملة الحيوانات.

وقد ورد اسم المفعول (المخاطَب) عند النحاة للدلالة على طرف الخطاب الآخر، أي الذي يوجه المرسل كلامه إليه، وقد وردت كثير من الاشتقاقات في مادة "خ ط ب" ومن بين الأدلة على ذلك إيراد النحاة العرب لاسم الفاعل (مخاطِب) ولاسم المفعول (مخاطَب)، بوصفهما طرفي الخطاب"(10). ويعرفه الآمدي بأنه "اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه " أما الجويني فيرى:

"بأن الكلام والخطاب والتكلم والتخاطب والنطق واحد في حقيقة اللغة وهو ما به يصير الحي متكلما"(11).

الخطاب عند الغربيين

تعددت مصطلحات الخطاب وتنوعت بتنوع الدراسات واختلافها، وعموما يطلق مصطلح الخطاب على أحد هذين المفهومين: الأول أنه ذلك الملفوظ الموجه إلى الغير، بإفهامه قصدا معينا، والثاني الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة.

والخطاب حسب بنفنيست Benveniste هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (12).

ومن ثمة يميز بنفنيست Benveniste بين نظامين للتلفظ هما: الخطاب والحكاية التاريخية، ذلك أن الخطاب لا يقتصر في كونه وحدة لسانية مفرغة، بل يتشابك مع الثقافة والمجتمع، ''فالخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة، وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية شأن المراسلات والمذكرات والأعمال التعليمية، حيث يختلف عن الحكاية التاريخية في مستويين اثنين هما: الزمن وصيغ الضمائر"(13).

أما فوكو فقد أخذ يحدد مفهوم الخطاب على أساس أنه لا يمكن فصل مفهوم الخطاب عن مفهوم اللغة، وعن ذلك التمييز القائم بين لغة جدلية ولغة غير جدلية؛ حيث تمتاز اللغة غير الجدلية أو غير الخطابية في منظور فوكو، بالاختراق والتجاوز والتعدي وبالطابع الوجودي، بينما اللغة الجدلية أو الخطابية أو الخطاب بصورة دقيقة يمتاز بتلك الخصائص التي بها يختلف عن مفهوم اللغة، وإن كانت اللغة تلتقي مع الخطاب في مرجع الطابع الوجودي.

ويقول فوكو نطلق مصطلح الخطاب على مجموع الملفوظات التي تنتمي إلى تشكيلة خطابية واحدة (14)، ويقصد بالتشكيلة الخطابية المنظومة المنطوقية العامة التي تحكم مجموع الإنجازات اللفظية(15).

مفهوم السرد لغة واصطلاحا

السرد لغة: تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به متسقا بعضه إثر بعض متتابعاً، وقيل سرد الحديث ونحوه، يسرده سرد إذا تابعه، وكان جيد السياق له(16). ومن المجاز نجوم سرد أي متتابعة، وتسرَّد الدر: تتابع في النظام، وماش مسرد يتابع خطاه في مشيه (17).

أما اصطلاحا: فالسرد خطاب غير منجز، وله تعريفات شتّى، تتمركز في كونها طريقة تروي بها القصة، وسنعتمد في هذا النطاق على تعريف "جيرار جنيت" للسرد، بحيث عرّفه من خلال تمييزه القصّة، أي مجموع الأحداث المروية "من الحكاية" أي الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يرويها "ومن السرد"، أي الفعل الواقعي أو الخيالي الذي ينتج هذا الخطاب، وقد رأى "الشكلانيون" أن السرد وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ، بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي الذي هو الراوي (18).

مفهوم الحكاية

إن مصطلح الحكاية يتضمن كل الإجراءات السردية القائمة على بنيات حدثية وشخصيات أي عوامل تنجز هذه الأحداث في سياق زمني ومكاني اعتمادا على علاقات متفاعلة ومتناقضة والتي يقوم بها عنصر الحكي، هذا الأخير الذي يؤطِّره وجود سارد يختار التموضع وفق وجهة نظر معينة.

أما إذا انتقلنا إلى مفهوم الحكاية لدى الغرب فنجد نموذجا في هذا السياق، وهو الفيلسوف الألماني "هيجل"، الذي اعتبر الحكاية في الفلسفة أداة منحطة لعرض الفكر مؤكدا أنه حتى عندما يلجأ الفلاسفة إلى سرد الحكايات، فإن الفكرة هي التي تأتيهم في البداية، أمّا الصور فتأتي فيما بعد، وهذا يعني أن الحكاية غير قائمة بذاتها، بل هي بمثابة الحرص الطارئ على الجوهر (19).

مثلت اجتهادات "الشكلانيين الروس" حول النظرية الأدبية وأعمال "فلاديمير بروب" حول الحكاية العجيبة وكذلك السرديات وسيميوطيقا الحكي ونظريات لسانيات النص وتحليل الخطاب ومرورا باجتهادات الأنتروبولوجيين (ستروس) وعلماء الأديان (ميرسيا) الإنسياب في الاشتغال بالسرد الذي حظي بمكانة متميزة سواء تجلى من خلال الخطاب اليومي أو الصحفي أو التاريخي أو الأسطوري أو الأدبي...، وقد ساهمت أهم هذه الإنجازات في ظهور علوم عديدة تعنى بالسرد أي صارت علوم سردية خاصة منذ أواسط هذا القرن لها قضاياها ومناهجها الخاصة سواء بالسرد الحديث المتمثل في الرواية - القصة... أو السرد القديم الذي يمثل الحكايات العجيبة – الأساطير – القصص الديني...

وفي هذا النطاق نجد "جيرار جنيت" يضيق مجال السرديات بحصر موضوعها من خلال صيغة، السرد (الخطاب)، أما المشتغلون بالحكي والبنيات الحكائية فيوسعون مجال اهتمامهم بانطلاقهم من المحتوى(20)، ويحيل مصطلح "السرد" إلى الكيفية التي يتم بها بناء النص الأدبي وهو يختلف عن "القصة" التي تمثل المادة الأولية الخام كما يختلف عن "النص" الذي يمثل الشكل النهائي والواقع المادي الناجم عن امتزاج "القصة" "بالسرد"، فالقصة القصيرة منظومة أدبية يطلعنا فيها الكاتب (المبدع) على ما يتضمنه عالمه التخيلي من وقائع وشخصيات تبدو لنا مألوفة تارة وغريبة تارة أخرى، وعملية نقل هذا العالم الخيالي إلى القارئ إنما يقوم به السارد "الراوي" إذ بفضله يعرض الكاتب مادته العملية القصصية بالكيفية التي يشاء أن يستخدمها وعليه يكون الراوي هو الشخصية التي تمثل "الأنا الثانية للكاتب " غير أن الفرق بين الإثنين يتمحور في أن الأخير منشئ النص ومانعه "فهو الذي اختار الأحداث والشخصيات والبدايات والنهايات كما اختار الراوي، لكنه لا يظهر ظهورا مباشر في النص القصصي" فهو لا يسترسل في سرد حكايته بنفسه، بل يحول هذا النمط إلى الشخصية الخيالية.

فالكاتب مثلما يكون مؤلفا للمادة القصصية فهو "ينسج أيضا صورة مسقطة عن ذاته"، يلجأ بتجسد هذه الرؤية في شخصية الراوي الذي يلزمها بأداء دورها الوظيفي، المتمثل في الكشف عن عالم قصته الإبداعية، فلا تتوقف وظيفة الراوي فقط عند حدود نقل مروي، بما فيه ذلك من أحداث ووقائع فحسب، بل قد يكون فاعلا في تلك الأحداث أو ربما يتدخل في سياقها السردي ببعض التعليقات، ويتخذ الراوي وضعيتين: فإما يكون داخل الحكي، أو أن يكون موجودا خارج الحكي، وعلى هذا النحو فإن العلاقة التي تربط الراوي بأحداث القصة وشخصياتها تتضمنها علاقة أخرى، تربطه والأحداث بركن آخر هو "المروى له" "ذلك أن عملية التلقي يحددها حجم المعلومات التي يقدمها الراوي للقارئ والكيفية التي يقدم بها هذه المعلومات"؛ ومن تم كانت السردية هي "العلوم التي تبحث عن تشكيل نظرية لعلاقات النص السردية (الحكي والقصة)، إنها لم تهتم بالنص السردي مفردا أو بالقصة".

ويدل الخطاب السردي على النص المقرر من حقيقته المادية، ومن حيث هو نص مكتوب بلغة معينة تستغرق قراءته زمنا معلوما كما يخضع إلى ترتيب زمني معين، وإلى فضاء الانتظام والتمظهر، وعليه فإن مجال السرد أضحى يشمل شتى الخطابات الأدبية وغيرها، مروية كانت أم مقروءة، يقول بارت "يمكن أن يؤدى الحكي بواسطة اللغة المستعملة، شفاهية كانت أو مكتوبة...إنه حاضر في الأسطورة والخرافة والملحمة والتاريخ...".

ومنه تتشكل البنية السردية للمؤلف القصصي بتفاعل الأركان الثلاثة الراوي، والمروي له، باعتبار الراوي صلة وصل بين الطرفين الآخرين، فهو المكلف بإدارة أحداث القصة، وتقديم شخصياتها للقارئ إلا أنه قد يتيح الفرصة لشخصية من الشخصيات بممارسة العملية السردية، بل قد يكون هو نفسه إحدى هذه الشخصيات فيؤدي بذلك دورين في الان ذاته، دور الراوي ودور الشخصية القصصية الرئيسية.

لكن يظل السؤال يطرح نفسه: أين يوجد السرد؟

فللإجابة عن هذا السؤال سوف ندرج في هدا الصدد رأيين متناقضين على النحو الآتي:

الأول: يعتبر أن السرد يرتبط بخطابات معينة مثل ما هو الشيء في الكتابات الروائية والقصصية وأنه يدرس اعتمادا على العلوم السردية أو السرديات.

الثاني: يعتبر أن السرد لا يوجد في خطاب بعينه بل إنه يوجد في كل الخطابات، وقد كان "رولان بارت" سباقا لذلك حيث يعتبر أن السرد موجود في الأسطورة والملحمة والحكاية والتاريخ...فهو يتمظهر في أشكال متعددة ومتنوعة لأنه بنية لا يمكن ضبطها أو حصرها، ومعنى ذلك أنه لا يوجد شعب من دون سرد فهو كوني ويرتبط بثقافة معينة.

ويكشف "جيرار جينت" على كون الحكاية خطاب سردي، حيث يعدها جوهر السرد باعتبارها ثابتة وأساسية، فالسرد يقوم على حكاية خيالية أو واقعية أعيد إنتاجها بطابع خيالي أو واقعي في نموذج لفظي يندرج تحت أنواع أدبية، وقد صنّف "جيرار جينيت" دلالة كلمة حكاية في ثلاثة اتجاهات:

أ - إنها الخطاب الشفوي أو المكتوب الذي يضطلع برواية حدث أو سلسلة من الأحداث.

ب - تشير إلى سلسلة الأحداث الحقيقية أو التخيلية، بغض النظر على الوسيط اللساني.

ج - إنها تدل على حدث، إلا أنه ليس حدثا يروى؛ بل هو الحدث الذي يقوم على أن شخصا ما يروي شيئا، إنه فعل السرد متناول بوصفه غاية (21).

فالحكاية بمعناها الأخير تدل على الخطاب المنطوق به من الجهة التركيبية والدلالية، فهي تطلعنا على الأحداث التي ترويها عن طريق السرد الذي أنتجها، من خلال وسيط، هو الخطاب الذي يحمل علامات أو قرائن تدل على أسبقية العمل المروي على العمل السردي (22)، مما يجعل الحكاية لاحقة بالسرد، فالحكاية في تحققها الأول الشفهي أو حتى المكتوب تنتظم لتشكيل الأحداث، ويفرَّق فيها بين مستويين اثنين:

الأول: أنها متوالية من الأحداث المروية بما تتضمنه من استرجاع واستباق وحذف، واصطلح الشكلانيون الروس على هذا المستوى ب-: "المبنى".

أما الثاني: "الاحتمال" المنطقي لنظام الأحداث واصطلحوا عليه ب- "المتن"، فالمبنى يحيل على الانتظام الخطابي للأحداث في سياق البنية السردية. أما المتن فيحيل على المادة الخام التي تنظم جوهر الأحداث في سياقها التاريخي (23).

وفي السياق نفسه نجد " ت--وماشفسكي " يميز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فجعل الأول: مقترن بالحكاية والوقائع والأحداث كما يفترض وقوعها في الواقع، وجعل الثاني: هو التجلي الكتابي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغوياً صرفا ويمكنه ألا يكون لغويا فقط.

نستنتج من خلال رأي "ت--وماشفسكي" إذا أنه قد بيّن عن اختلاف بين المستويين؛ فالمتن الحكائي يخضع لمبدأ السببية والتعلق بينما المبنى الحكائي يتأسس لعالم متخيل حيث زمن الخطاب.

ويشير "تودوروف" إلى أن الحكاية تتكون من مجموعة من الأفعال القابلة للسرد من قبل مجموعة مختلفة ومتعددة من الرّواة، ومن ثم فهي غير ثابتة المعالم من حيث الأداء؛ إذْ إن كل راو يقدمها بحسب رؤيته الخاصة، ويتساءل "رولان بارت" عن وجود بنية الحكاية، وينتهي إلى أنها موجودة في المحكيات، ولكن ليس في كل المحكيات (24).

أمّا فيما يخص مستوى الحكاية فنجد وفق منظور" كلود ليفي شتراوس" أنه يعتمد فيه على تحديد بنية الحكاية، من خلال دراسته للأنساق الثقافية والبنية الاجتماعية، حيث يرى أن الأشكال الثقافية المحكومة بعلاقات التشابه في البُنى تفضي إلى نظام من المفاهيم والدلالات والتي تفسر حقيقة المجتمعات البشرية، أي فكرة ارتباط السرد بالحياة الاجتماعية وتعبيره عن مظاهر الواقع المادي والاجتماعي وارتباطه بأشكال ثقافية أخرى، والاهتداء إلى بناه السطحية والعميقة في إقامة عملية التواصل (25).

مفهوم السردية

يعرف الدكتور رشيد بن مالك السردية بقوله: "يطلق مصطلح السردية على تلك الخاصية التي تخص نموذجا من الخطابات ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية والخطابات غير السردية" وقد لاحظ إميل بنفنيست استخدام هذا الطرح للتمييز بين الحكاية التاريخية والخطاب في معناه الضيق، معتمدا في ذلك على مقياس مقولة المتكلم، حيث يميز استخدام الغائب الحكاية والمتكلم الأنا الخطاب، ومفهوم الخطاب حسب بنفنيست هو كل تلفظ يتصور متكلما ومتلقيا، تكون فيه نية الأول التأثير على الثاني بطريقة ما، أما الحكاية (القصة) فهي ما جرى فعل الطرح الموضوعي التاريخي. فإذا كان الخطاب هو الكيفية التي يقدم بها السارد الأحداث، فإن تحليل الحكاية هو تحليل للمضمون، أما تحليل الخطاب فهو تحليل للشكل أي كيفية الأداء.

وقد أظهرت السرديات في مقاربتها المختلفة وجود تنظيمات مجردة وعميقة تحتوي على معنى ضمني منظم لإنتاج هذا النموذج من الخطابات. وعملت السردية بالتدريج كقاعدة لتنظيم كل خطاب سردي وغير سردي باعتباره يمثل امكانيتين إما أن يكون الخطاب تسلسلا منطقيا بسيطا للجمل وبالتالي فإن المعنى لا يكون إلا نتيجة لاطراد يتجاوز إطار اللسانيات والسيميائيات. وإما أن يكون الخطاب دالا وفعلا لغويا واعيا ومحتويا على تنظيمه الخاص.

ويعني السرد فعل الحكي المنتج للمحكي، او إذا شئنا التعميم، مصوغ الوضع الخيالي الذي يندرج فيه والذي ينتجه السارد.

مفهوم الأدب العجائبي

تعتبر الحكاية العجيبة بمثابة نوع سردي شعبي ، لا يكتمل إلا بتوافر مجموعة من الشروط التكوينية الأساسية ، إذ تهيمن عليها الظواهر الخارقة من سحر وجن وأفعال خارجة عن المنطق والمعقولية، ولا يخضع إلى سلطة المكان والزمان دون التركيز على المغزى الوعظي والأخلاقي المباشر، فهي تقدم عوالمها العجائبية كما لو كانت أمرا طبيعيا، كما يعد الأدب العجائبي فضاء حافلا بالمغامرات الخارقة والعجائب المبهرة التي تحمل القارئ إلى عوالم مثيرة، يمتزج فيها الواقع بالخيال والحلم بالوهم والحقيقة بالسحر، والتي تدفعه اٍلي تصور ما هو أبعد من الواقع وأغرب من الخيال، ليجد نفسه في عالم يلتقي فيه العجيب بالغريب، والملاحظ أن هناك عدة مصطلحات تستخدم كمرادف لمفهوم العجائبي من قبيل العجيب والغرائبي والخارق والخرافي، ولتحديد مصطلح العجائبي وضبطه ، رأينا أنه من الضروري أن نقف عند مفهومي العجيب والغريب، معتمدين في ذلك على تصور تزفيتان تود وروف من خلال كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" الصادر سنة 1970، الذي كان يحاول من خلاله موقعة الأدب العجائبي بين الأجناس الأدبية (26)، والذي يرى على أن مفهوم العجائبي لا يعرف اٍلا من خلال مفهومي العجيب merveilleux والغريب étrange.

مفهوم العجيب في المعاجم العربية

إن مفهوم "العجب معناه اٍنكار ما يرد عليك لقلة اٍعتياده " (27).

والعجيب في هذا الطرح يعكس غموضا يستند على نقيض المألوف الذي تحدثه العادة، فقلة الاٍعتياد تخلق حالا من الالتباس والغموض القائمين على التردد والحيرة المولدين للدهشة. وقريب من هذا المفهوم ما يقوله "الزجاج:" أصل العجب في اللغة أن الاٍنسان اٍذا رأى ما ينكره قال عجبت من كذا...) (28). وتعريف الزجاج يشير اٍلي موقف المتلقي لهذه العجائب والذي يعبر عن اٍنكاره للشيء الخارج عن حدود الحقيقة والاعتيادي والمألوف، وكل ما هو متعارف عليه. ويذهب "اٍبن الأعرابي" في نفس السياق فيعرف العجب بأنه النظر اٍلى شيء غير مألوف ولا معتاد ويستشهد بقوله تعالي: "واٍن تعجب فعجب قولهم" وحسب هذا التعريف فاٍن خروج العجب عن المألوف يضع الاٍنسان وجها لوجه أمام المجهول. ويرى الرماني" أن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه (29) فمصدر العجب يأتي من اٍحساس الاٍنسان أن ما يحدث له الان لم يحدث له من قبل، ولا بد من الاٍشارة الي أن هذا الاٍعتقاد يفترض وجود تصورات عن العالم قد تكون خفية أو غيبية، ولكنها تؤثر في طريقة اٍدراكه لما يحيط به.

وزعم "الخليل" أن بين" العجيب" و"العجاب " فرقا فأما العجيب والعجب متله فالأمر يتعجب منه وأما العجاب فالذي يتجاوز حد العجيب والاٍستعجاب شدة التعجب والتعاجيب، العجائب لا واحد لها من لفظها، ويقال رجل يعجب بالكسر أي ذو أعاجيب وهي جمع أعجوبة (30).

واستكمالا للمعني اللغوي لكلمة العجب لابد من ذكر العلاقة بين هذه الكلمة والاٍستحسان يقال أعجبني هذا الشيء وأعجبت به، وهو شيء معجب اٍذا كان حسنا جدا.

وهكذا نجد أن مفهوم العجيب بالنسبة لأغلبية المعاجم العربية قد حصر في نطاق الاٍنفعالات النفسية للإنسان، فالعجب يتحدد انطلاقا من معرفة السبب، ولهذا قيل اٍذا عرف السبب بطل العجب. وأما بالنسبة للمعاجم غير العربية، فسنتطرق إلى هذا المفهوم من خلال بعض القواميس الأجنبية مكتفين في ذلك بثلاثة نماذج.

مفهوم العجيب في المعاجم الغربية

ورد في قاموس Le petit Larousse، أن " العجيب هو الذي يبعد عن ساحة المألوف والعادي للأشياء، والذي يظهر فوق الطبيعي"؛ أما بالنسبة لقاموس "le petit Robert، "فهو عالم ما فوق طبيعي" (31)؛ في حين نجد في القاموس الموسوعي أن "العجيب هو كل ما يبعد عن ساحة المألوف للأشياء... فالعجيب في هذه القواميس الأجنبية يكمن في الاشياء فوق الطبيعية والتي يصعب اٍيجاد تفسير لها في العالم المألوف اٍذا فهو كل شيء خارق للعادة والطبيعة.

مفهوم الغريب

"الغريب" في اللغة: الغامض من الكلام وأغرب الرجل، جاء بشيء غريب وأغرب له، وأغرب به صنع به قبيحا. وأغرب الرجل اٍن اٍشتد وجعه من مرض أو غيره واٍستغرب في الضحك واٍستغرب منه أكثر منه. (32). والغريب كما أورده القزويني كل أمر عجيب قليل الوقوع مفارق للعادات المعهودة، والمشاهدات المألوفة، وذلك اٍما بتأثير نفوس قوية أو أمور فلكية وكل ذلك بقدرة الله تعالي واٍرادته. (33) والغريب يكشف سيرورات مخالفة لمجريات الحياة المألوفة، وهو يعرض مقابلة بين ما هو غريب ومألوف، والشيء الغريب يأتي من منطقة خارج منطقة الألفة"

ومن هنا يتضح لنا أن كلا المفهومين يعبران عن حالة من التعجب والغرابة اٍزاء موقف أو حادثة يصعب اٍيجاد سبب لها في اٍطار ما هو واقعي ومألوف.

العجائبي عند تود وروف

يعتبر كتاب تود وروف Introduction à la littérature fantastique مدخل إلى الأدب العجائبي, المطبوع سنة 1970 من أبرز الأثار النقدية المنظرة لموضوع العجائبية ,والمحددة لأطره وضوابطه وجميع تفرعاته النظرية والتطبيقية, لكن وقبل تحديد هذا المفهوم ومحاولة ضبطه، لابد من الوقوف عند أصل الكلمة ,حيث نجد في قاموس اللغة الفرنسية أن كلمة العجائبية fantastique تعود الي المفردة اللاتينيةphantations المأخوذة بدورها عن الكلمة الاٍغريقية phantastikos والتي

تخص المخيلة وتعني في القرن السادس عشر كل ما هو شارد الذهن، خارق، ثم خيالي، وكذلك نجد أن العجائبية هي كل ما يقع خارج الواقع، ويتجاوز حدود المألوف، فالعجائبية في مفهومها العام تعني كسر حدود المنطق, وخرق الواقع وتحطيم الحواجز العقلية والمنطقية والاٍنتقال من منطقة الوعي اٍلا منطقة اللاوعي. وبالتالي فهي محاولة للتملص من الواقع ومعانقة كل ما يقع خارج حدوده والاٍبحار في الخيال واللاوعي، وقد نمت بوادر هذا الجنس في القرون الوسطى.

ويحدد تودوروف ثلاثة وضائف أساسية هي:

- الوظيفة التداولية: إذ إن فوق الطبيعي يثير مشاعر الخوف والرعب التي تبت في العقول القلق والتردد.

- الوظيفة الدلالية: حيث يتخذ الفوق الطبيعي تجليه الخاص.- الوظيفة التركيبية: تتجلى في قدرتها على تنظيم الحبكة وتطويرها من خلال عناصر الغرابة.

ومن أهم الأسباب التي تدفع المبدعين اٍلى استثمار العجائبي في نصوصهم التأليفية هو أن الخارق يشكل وسيلة ناجعة في تناول الأشياء الواقعية والتي لا يمكن تناولها بواقعيتها بل بوصفها كأشياء خارجة عن كل ما هو مألوف، لأن الخارق يسمح بتجاوز الحدود المغلقة واٍختراق الرقابة الذاتية وكل الطابوهات المحرمة، فيصبح العجائبي بذلك وسيلة لخوض الصراع ضد الرقابة بمختلف أشكالها سواء أكانت ذاتية أم اٍجتماعية.

مفهوم التأويل

المفهوم اللغوي للتأويل بين الهيرمينوطيقا والفهم

يحتل مفهوم التأويل موقعًا إشكاليًا في الحقل الفلسفي والسيميائي، إذ تتجاور معه مصطلحات أخرى مثل الفهم والشرح والتفكير والترجمة. غير أن هذا التجاور لم يكن دائمًا وديًا؛ بل كثيرًا ما صاحبه نوع من التداخل والالتباس، بل وحتى التناقض. ويرجع ذلك إلى الحمولة الدلالية التي يمنحها كل فيلسوف لهذه المصطلحات، وإلى إشكالات الترجمة التي تؤدي أحيانًا إلى إفقادها وضوحها، خصوصًا عند انتقالها من اليونانية أو الألمانية إلى اللغات الحديثة.

أما مصطلح الهيرمينوطيقا، فقد أثار نقاشًا واسعًا في الفكر العربي المعاصر. فهناك من يعترض على نقله كما هو بدعوى صعوبة نطقه أو غربته عن الذائقة اللغوية العربية، وهناك من يرى أنّ الاحتفاظ بصيغته الأصلية أقرب إلى روحه الدلالية. ويرجع أصل الكلمة إلى الفعل اليوناني hermeneuein (يفسّر)، ومنها اشتقت كلمة hermeneia (التأويل-التفسير). كما ارتبطت بالإله هرمس، وسيط الآلهة والمكلف بترجمة رسائلها إلى البشر. وبذلك حملت الهيرمينوطيقا منذ بداياتها معنى الوساطة بين الغامض والواضح، وبين ما هو خارج الفهم وما يمكن إدراكه.

في العصر الكلاسيكي، ارتبط التأويل بالجهود الرامية إلى شرح الملاحم الهوميرية، بعد أن أصبحت لغتها عصية على الفهم المباشر. وفي القرن الثاني الميلادي، كما يشير أومبرتو إيكو، سادت النزعة الهرمسية في سياق التعدد الثقافي للإمبراطورية الرومانية، مما أضفى على التأويل بعدًا أنطولوجيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد الفهم اللغوي (34).

مع العصر الحديث، تبلور التأويل في إطار النقاشات الدينية حول قراءة النصوص المقدسة. فالإصلاح الديني حرر القراءة من سلطة الكنيسة، وفتح الباب أمام قضايا هيرمينوطيقية كبرى مثل تثبيت النصوص الإنجيلية، وبناء العقائد على خلفية فلسفية إغريقية. وقد سيطر في البداية الاتجاه السيكولوجي الذي ظهر مع شلايرماخر ودلتاي، حيث عُومل النص بوصفه مرآة لمقاصد المؤلف وتجربته الذاتية. غير أن هانز غيورغ غادامير أحدث تحولًا نوعيًا عندما دعا إلى فصل النص عن ذهنية المؤلف وروح عصره، مركّزًا على عملية الفهم ذاتها بوصفها حدثًا تاريخيًا يتجدد باستمرار (35) .

أما بول ريكور فقد أقام جسرا بين الهرمسية ذات النزعة الدينية واللسانيات والفينومينولوجيا من جهة، والسيميائيات الحديثة من جهة أخرى. وقد رأى أنّ التأويل ليس مجرد تفسير لغوي، بل هو اشتغال الفهم على الرموز لفك عتمة الوجود. لذلك ميّز بين التفسير الذي يعيد المعنى الظاهر إلى أصله الباطني، والتأويل الذي يتجاوز ذلك نحو الإمساك بالكائن ذاته عبر وساطة الرموز والعلامات. وهكذا يصبح التأويل وساطة وجودية تمكّن الذات من فهم ذاتها عبر النصوص التي تنتجها.

التأويل كمهوم فلسفي وسيميائي

يمثل التأويل أحد الركائز الأساسية لفهم النصوص الأدبية والسردية، فهو العملية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى، متجاوزًا الحرفية الظاهرية للملفوظات النصية. فالتأويل لا يقتصر على مجرد تفسير النص وفق معناه المباشر، بل يتعداه إلى تأويل رمزي وثقافي وفلسفي يربط بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج النص نفسه. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار التأويل أداة لفهم التجربة الإنسانية بأبعادها الرمزية والفكرية، كما يتيح إدراك الدور الإبداعي للغة في تشكيل العالم الرمزي للإنسان.

وقد تطور مفهوم التأويل عبر الفكر الغربي والعربي، حيث تناول كبار المفكرين الغربيين أمثال أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير وغيرهم هذا المفهوم من زوايا متعددة، مؤكدين على أنه ليس مجرد نشاط معرفي أو لغوي، بل ممارسة فلسفية وثقافية، تجمع بين التحليل السيميائي وقراءة الخطاب، وفهم البنية الرمزية للنصوص. كما تطور التأويل في الدراسات العربية على يد مفكرين عرب مثل محمد مفتاح وطه عبد الرحمن وغيرهم الذين أضفوا بعدًا معرفيًا وقيميا مرتبطًا بالثقافة العربية والذاكرة الجماعية.

فالتأويل إذن يمثل من هذه الزاوية، جسرًا بين النص والقارئ والثقافة والوجود الإنساني، ويعتبر أداة مركزية في تحليل الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، إذ يسمح بفهم المعنى الرمزي والوظائف العميقة للنصوص، ويكشف عن قدرة الإنسان على التعامل مع الرموز واستكشاف المعاني الممكنة في سياقها الثقافي والفلسفي.

أولا- التأويل عند كبار المفكرين الغربيين:

يمكن فهم التأويل عند المفكرين الغربيين كإطار شامل يجمع بين اللغة، النص، الثقافة، والسلطة.

أ- أمبرتو إيكو: تعددية المعنى والنص المنظم

يرى أمبرتو إيكو أن التأويل نشاط يتيح تعددية المعاني، لكنه نشاط مقيد بالقوانين الداخلية للنص، بحيث يحافظ على التماسك السردي والدلالي، ويمنع الانزلاق نحو التأويل الفوضوي. فالتأويل عند إيكو ليس حرية مطلقة للقارئ، بل هو نشاط منظم يسمح بالتحرك ضمن فضاء النص وتوظيف المعجم والموسوعة الثقافية لفهم أبعاد المعنى العميق. ففي تحليل رواية اسم الوردة، استخدم إيكو التأويل المنظم لكشف المعاني المتعددة ضمن النص، مع الالتزام بالقوانين الداخلية للنص. وقد أتاح هذا التحليل للقراء فهم الطبقات الرمزية والدلالية للنص دون الانزلاق نحو عشوائية المعنى، مستفيدًا من الموسوعة الثقافية والسياق التاريخي للرواية(36)

ب - ميشيل فوكو: التأويل والسلطة والمعرفة

أما ميشيل فوكو، فقد ربط التأويل بمفهوم السلطة والمعرفة، حيث أن المعنى النصي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية، أي أن التأويل ليس نشاطًا محايدًا، بل ممارسة معرفية وسياسية تعكس السياقات السوسيو ثقافية. ففي دراسة Madness and Civilization، يوضح فوكو أن المعنى النصي والسردي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية. فالتحليل التأويلي هنا

يكشف كيف يمكن للخطاب الأدبي والطبي والتاريخي أن يعكس علاقات القوة والمعرفة في المجتمع(37)

ج. جوليا كريستيفا: التناص وعلاقات النصوص

من جانبها، ركزت جوليا كريستيفا على مبدأ التناص، معتبرة أن كل نص هو شبكة نصوص، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، مما يوسع أفق القراءة من النص المفرد إلى فضاء النصوص الأخرى، ويكشف عن الإمكانيات السيميائية الضمنية للنص.

وتبين قراءة الحكايات الشعبية الأوروبية أن كل نص هو شبكة من النصوص الأخرى، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، ما يسمح بفهم أبعاد السرد العجائبي وإمكانياته الرمزية والثقافية(38)

رولان بارت وموت المؤلف

بينما أشار رولان بارت إلى أن النص مساحة متعددة الأصوات، وأن التأويل يتيح تفكيك البنية السيميائية للنصوص وكشف تعددية المعنى، مستفيدًا من مفهوم موت المؤلف، الذي ينقل سلطة إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، مما يجعل النص مجالًا ديناميكيًا للتأويل المستمر.

إن رولان بارث عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية ، فذلك لأن الأثر آلمقروء يوحي بقراء ات متعددة (39) كما أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات ، ولا يخضع لسلطة التسلسلات الهرمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات والتأويلات ، لأنه بناء بلا إطار ، يتميز بالحرية والفاعلية المستمرة. ويطوي على تعددية المعنى الذي لا يمكن أن تقتنصه شبكة التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية ، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتهي إلى مجال تناصي ولكنه يطيح في تفس الوقت بخرافة الأصول والمصادر ، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه.

د- فولفغانغ إيزر: التلقي وملء الفراغات

وقدم فولفغانغ إيزر مفهوم نظرية التلقي، معتبرًا التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (Gaps)التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا.

اعتبر إيزر التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (gaps) التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا(40)

هـ - بول ريكور وإرنيست كاسيرير: السرد والرمز

ويكمل بول ريكور هذه الرؤية، حيث يرى أن التأويل عملية لإعادة بناء المعنى الإنساني من خلال السرد والرمز واللغة، ما يسمح بفهم التجربة الثقافية والوجودية للإنسان. بينما يؤكد إرنيست كاسيرير أن الإنسان حيوان رامز وأن التأويل أداة لفهم العالم الرمزي الذي يخلقه الإنسان، سواء في الفن أو الأسطورة أو الدين، وأن هذا العالم الرمزي هو المفتاح لفهم التجربة الإنسانية. (41)

ثانيا- التأويل في الدراسات العربية:

في السياق العربي، تبنى المفكرون نهجًا متوازيًا، لكنه ملتزم بالسياقات الثقافية واللغوية العربية.

أ- محمد مفتاح: التأويل والنص العربي

اعتمد محمد مفتاح على التأويل كآلية لتفجير طاقات النصوص وربطها بالثقافة المحلية والذاكرة الجماعية، مما يسمح بتعدد القراءات واكتشاف البنية العميقة للنصوص الشعبية وتتيح توظيفها في السياق المعرفي والثقافي. (42)

ب- نصر حامد أبو زيد: البعد العقلاني والتاريخي

ركز أبو زيد على التأويل كأداة عقلية وثقافية لفهم النصوص، خصوصًا الدينية، متجاوزًا المقاربة الحرفية، معتبرًا أن التأويل يتيح إعادة إنتاج المعنى ضمن أفق تاريخي ومعرفي متجدد(43)

ج- طه عبد الرحمن: التأويل الفلسفي والقيمي

منح طه عبد الرحمن التأويل بعدًا فلسفيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن التأويل عملية تعكس العلاقة بين الإنسان والقيم الإنسانية، فهو ليس مجرد نشاط معرفي، بل ممارسة قيمية وثقافية لفهم العالم والنصوص(44)

ثالثا- الخصائص المشتركة لمفهوم التأويل

تعددية المعاني: التأويل يتيح استخراج أكثر من معنى من النص الواحد، دون دون الوقوع في القراءات المغرضة والتأويلات الاعتباطية

المرجعية الثقافية: المعنى يتشكل من التفاعل بين النص وسياق القارئ الثقافي والمعرفي.

الوظيفة الرمزية: التأويل يكشف البنية الرمزية للنصوص ويتيح فهم دلالاتها العميقة.

البعد الفلسفي: التأويل يجمع بين اللغة والنص والوجود الإنساني، ما يتيح رؤية النص كفضاء ثقافي وفلسفي متكامل.

استنتاج

يتضح من هذا العرض أن التأويل يشكل ركيزة أساسية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. فهو ليس مجرد نشاط لغوي أو معرفي، بل ممارسة ثقافية وفلسفية وسيميائية، تجمع بين النص والقارئ والثقافة، وتسمح بفهم الرموز وإعادة بناء المعنى واستكشاف العمق الإنساني للنصوص. كما أن التأويل يمثل جسرًا بين التراث الغربي والعربي، إذ يستفيد من التجارب الفكرية لكبار المفكرين الغربيين ويستثمر المعرفة والثقافة العربية لإثراء فهم النصوص وتحليلها سيميائيًا وتأويليا.

يمكن القول إن الحالات التطبيقية التي تناولناها عند كل من إيكو وفوكو وكريستيفا ومفتاح وطه عبد الرحمن تؤكد أن التأويل ليس نشاطًا انفراديًا أو عشوائيًا، بل ممارسة منظمة وثقافية وفلسفية، ترتكز على فهم البنية الرمزية للنصوص وعلاقتها بالثقافة والسياق التاريخي، وتكشف عن قدرة الإنسان على الإبداع في قراءة العالم والنصوص، وهو ما يعزز أهمية التأويل كأداة حيوية في الدراسات السردية والأدب العجائبي والتحليل المتقدم للخطاب.

الدلالة التأويلية والخطاب السردي

الدلالة التأويلية وتحليل الخطاب السردي

الدلالة التأويلية إطار نظري واسع لا يتنكر للاجتهادات السابقة. لأنه عمل على تطويرها اعتمادا على آلية تركيبية تستحضر التأويل الذي غيب في الدراسات الأخرى. لكن كيف تتم عملية تأويل النص السردي دون السقوط في القراءة المغرضة؟

وصفت بعض القراءات السابقة بالقراءات الإسقاطية، وهي تهمة وجهت للمنهجين الاجتماعي والنفسي. لكن نظريات أخرى وصفت بالتفكيكية (التأويل المفرط) لأن أصحابها اعتمدوا تأويلات مفرطة تجعل القارئ موجها للمعنى وفق ما يريد. هكذا في مقابل البنيوية التي تعاملت مع الخطاب السردي باعتباره كيانا مغلقا؛ وجعلت دراسته وصفية؛ وفي مقابل الدلالة البنيوية التي بحثت في شكل المعنى أكثر مما بحثت في المعنى ذاته. نجد الدلالة التأويلية التي ستعتبر الخطاب السردي ملتقى لخطابات متعددة، تتداخل فيها التجربة الذاتية باللغة (المعجم) بالسياقات الثقافية وغير الثقافية (الموسوعة). فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا من حقائق الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة، "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(45)، وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(46).

وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(47)، وبذلك يمكن القول إن السيميائيات في أبعادها الثقافية، يمكن أن ينظر إليها بوصفها عملية التحرر التدريجي للذات الإنسانية، " واللغة والأسطورة والدين والفن والعلم هي اللحظات المختلفة لهذه العملية. وفي كل لحظة من هذه اللحظات يكتشف الإنسان سلطة جديدة ويبرهن عليها، إنها سلطة بناء عالمه الخاص"(48). على حد تعبير إرنيست كاسيرير.

لقد كان أمبرتو إيكو صاحب فكرة مؤداها أن السيميائيات شكل من أشكال التحليل الاجتماعي، إذ تلعب دورا في تغيير المجتمع، وهي فكرة شرحها شرحا ولفيا في كتابه: "النظرية السيميائية". ففي مقدمة الكتاب يبادر بشرح مقصده بقوله: "هدفنا في هذا الكتاب أن نستكشف الإمكانيات النظرية وكذلك الوظيفة الاجتماعية لمقاربة موحدة تتصدى لكل ظاهرة من ظواهر الدلالة و/أو التواصل"(49).

وقريبا من نهاية الكتاب يقول: "إن السيميائيات أيضا تعد شكلا من أشكال النقد الاجتماعي ومن ثم فهي واحدة من أشكال الممارسات الاجتماعية المتعددة"(50). وبعبارة أخرى، تعد السيميائيات ضربا من فهم الثقافة بعد أن أصبحت بفضل إمكانياتها التحليلية، منهجا نقديا كاشفا، وأن الثقافة كلها يجب أن ندرسها بوصفها ظاهرة تواصلية تقوم على أنساق دلالية هدفها إنتاج المعنى.

سيقود السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو والفرنسي راسيي هذا الاتجاه حيث قدموا الشروط الأساسية لإنجاز قراءة دلالية تأويلية للخطابات عموما وللخطاب السردي خصوصا. إذ حددوا شروط التأويل وقيدوه بقوانين ومواضعات تحضر فيها اللغة إلى جانب المكونات الأخرى.

فكيف يتحقق ذلك؟ وما المفاهيم الأساسية التي تسمح بقراءة دلالية تأويلية للنص؟

- المفهوم الأول: المتن الحكائي والمحور النصي: يقول أمبرتو إيكو "إن المتن الحكائي هو خطاطة السرد الأساسية، ومنطلق الأفعال، وتركيب الشخصيات ومسار الأحداث حسب ترتيبها الزمني. ويمكن للمتن الحكائي ألا يكون متتالية من الأفعال الإنسانية وأن يتناول سلسلة من الأحداث المتعلقة بأشياء جامدة أو بأفكار".

لنلاحظ أن مفاهيم البنيوية، ومفاهيم الدلالة البنيوية حاضرة في هذه القولة مما يعني أن الدلالة التأويلية لم تخلق القطيعة المطلقة مع الاتجاهات السابقة لكنها استثمرتها بطريقة أخرى.

- المفهوم الثاني: المبنى الحكائي: "إنه الحكاية كما هي مروية، وكما تظهر على مستوى السطح بتفاوتاتها الزمنية ورتباتها إلى الأمام وإلى الخلف".

لنلاحظ حضور المفاهيم الشكلانية والبنيوية؛ لكن ما الذي أضافته الدلالة التأويلية ولماذا سميت تأويلية؟ وكيف نقلت التأويل من مجال الإسقاط الذاتي إلى التأويل المقنن أو التأويل المحلي كما أسمته؟

لفهم ذلك نبرز الكيفية التي تشتغل بها هذه المدرسة أثناء تعاملها مع الخطاب الحكائي.

- المرحلة الأولى في هذا التعامل تنطلق من التأويل المبني على المعنى الحرفي؛ أي على الملفوظات السردية ذاتها. وهو ما يمكن تسميته البنية السطحية للخطاب الحكائي، وهنا يوظف "المعجم" . بمعنى أن التفسير في هذه الحالة يكون مقترنا بالمعنى المباشر للملفوظ اللغوي. فإذا قلنا (أبو موسى) فإننا سنتحدث عن مقوماته المعجمية "رجل". التي تعني رجلا مع ما لكلمة رجل من مقومات.

- المرحلة الثانية: تأويلية لكن هذا التأويل ينبغي أن يكون موجها بالمحور النصي للحكاية، أي إن الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المؤول ينبغي أن يكون من داخل الحكاية ذاتها. فعندما نقول "جارات أبي موسى" فإننا قد نحدد المحور النصي في الكرامة أي التي تظهر بزوال غمة الجفاف.

هذا المحور النصي الذي يكاد يماثل مفهوم البنية العامة للسرد هو الذي يوجه التأويل؛ معنى ذلك أن القارئ ليس حرا بشكل مطلق في أن يؤول كما يحلو له، لذلك يقيد تأويله بشروط هي:

شرط التقيد بالمحور النصي، أي التقيد بالمعنى العام الذي تقدمه الحكاية.

الاشتغال بالمعجم في مرحلة أولى أي الاشتغال بالدلالات المباشرة أو لنقل الحرفية.

ج- الاشتغال بالموسوعة فما المقصود بها؟

"  الذاكرة الجماعية المتضمنة لمجموع المعطيات الثقافية المنتشرة في سياق سوسيوثقافي، فكلمة البدر مثلا تأخذ في الموسوعة العربية دلالات قد تختلف عما يمكن أن نجده في سياقات ثقافية أخرى. هكذا تكون الموسوعة آلية إجرائية تخرج الدلالة من معناها السطحي إلى معناها العميق، لكن مشكلا آخر يبرز وهو: يقود مفهوم الموسوعة إلى الوصول إلى دلالات لامتناهية يسميها أصحاب هذا الاتجاه "السيرورات التأويلية"؛ وبما أن التأويل ينبغي أن يصل إلى دلالة محددة. فإن مفاهيم أخرى تبرز لحل الإشكال وهي:

المؤولة: "كل علامة أو سلسلة علامات مختلفة تتولد عن العلامة الأولى والتي يمكن أن تولد بدورها علامة أخرى"؛ مثلا، إذا أخذنا علامة رواية فإن مؤولاتها قد تكون "إبداع"؛ "أدب" ويمكن لإبداع أن تؤول إلى حكي أو تجمل أو تشكيل، ويمكن لتشكيل أن تؤول إلى علامات أخرى. معنى ذلك أننا نسير في اتجاه تأويلات لانهائية لكن من الضروري أن نصل إلى مؤولة نهائية وهذه المؤولة هي التي يقف عندها التأويل.

مثلا: إذا أخذنا رواية "جارات أبي موسى" فإن المؤول النهائي قد تكون الكرامات الصوفية، وانطلاقا من هذه المؤولة نستطيع قراءة الحكاية. وسيمكن ذلك من استحضار الموسوعة التي ستسمح باستحضار المعطيات التداولية التي تعني السياق الخارجي.

إن الإنسان لا يعيش في عالم مادي خالص، بل في عالم رمزي. واللغة والأسطورة والفن والدين هي عناصر من هذا العالم. " فالعالم العملي للإنسان ليس عالم وقائع وأحداث خام حيث يعيش وفق رغباته وحاجاته المباشرة، بل إنه يعيش أهواءه وأحلامه، وسط الانفعالات الخيالية، إنه يعيشها في الأمل والرهبة والأوهام والحقائق"(51) .هذا الكون الرمزي هو ما يجعل الإنسان يبتعد عن المواجهة المباشرة للعالم المادي، حيث يتعذر إدراكه إلا عبر وساطة الرموز. ومادامت عمليات الإدراك لا تتم بطريقة مباشرة، وإنما بأشكال تأويلية ورمزية، فإن التأويل سوف يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تم إنتاجها انطلاقا من أشكال رمزية تختزنها الذاكرة الجماعية بوصفها " تسنينا، وتكثيفا لمجموعة من الممارسات الإنسانية الدالة"(52).

إن الدلالة الرمزية إذن هي دلالة مركبة، بحيث لا ندرك منها سوى الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الحرفية أو الدلالة الأولية؛ لذلك تكون الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للاقتراب من المعنى المتعدد. إن الرمز من هذه الزاوية يظهر قصدية مزدوجة؛ قصدية حرفية يتم بموجبها تحديد معنى العلامة كما هو متعارف عليه في أبعاده المباشرة، ولكن انطلاقا من هذه القصدية الأولى يمكن التطلع إلى قصدية ثانوية؛ " وهكذا ففي مقابل العلاقات التقنية، الشفافة كليا، والتي لا تقول إلا ما ترغب في قوله، فإن العلامات الرمزية تكون كثيفة، هذه الكثافة هي التي تشكل العمق الذاتي للرمز"(53).

فالرمز هو الذي يسهم في تحريك المعنى الأول ويجعلنا ننخرط في صلب المعنى الكامن. وهو يقوم على بنية دلالية محددة، هي بنية التعابير ذات المعنى المزدوج على حد تعبير بول ريكور.

فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا أكثر من جوهر الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة؛ "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي، فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(54).

بناء على ذلك، فحاجة الإنسان إلى السيميائيات والتأويل السيميائي عامة، "تبقى ضرورية بوصف السيميائيات فعالية دلالية ونشاطا معرفيا وفلسفيا لفهم الحياة واستعادة لمناطق أكثر غورا داخل الذات الإنسانية" (55).

والتأويل السيميائي للنص ينشأ أصلا من:

المؤلف إذا ما تم إليه بوصفه أصلا للمعنى النصي، وبحسب نزوعه الإبداعي.

النص بحسب أدواته (مجازات ورموز وأساطير وأقنعة...) أي النص إذا ما تم النظر إليه بوصفه بناء رمزيا.

المتلقي ومرجعياته الثقافية سواء كانت فنية أو جمالية أو إيديولوجية وممارسته التأويلية إذا ما تم النظر إليه كطرف حاضر في بناء المعنى النصي.

وهي تغدو مسألة شاملة حينما يتعلق الأمر بنظرة فلسفية، تجعل التأويل مسألة، يمكن من خلالها تحديد علاقة الكائن بكينونته (56).

التأويل بين بيرس ودريدا

ركز جاك دريدا في أعماله على دراسة السلطة التي تمنح شرعية لمحاولات ضبط حدود السيميوزيس، أي اللعب اللامتناهي للعلامات، والانحراف المستمر في التأويل (57)، مع التركيز على ما يمكن تسميته بالنموذج اللولبي للتأويل. ومن هذا المنطلق، يرى دريدا أن كل محاولة للتأويل تنطوي على مفارقة جوهرية: فهي تسعى لتحديد معنى، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن لامحدودية الإحالات بين العلامات.

على الجانب الآخر، ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى تطوير نظرية يُطلق عليها تفكيك المدلول، حيث يسعى المدلول في لحظة ما لوضع حد نهائي للإحالة من علامة إلى أخرى، متجسدًا في نوع من التمركز الذاتي وميتافيزيقا الحضور. (58) ومع ذلك، يرى بيرس أن لامحدودية الإحالة ليست ثغرة، بل هي مؤشر على وجود نسق متكامل من العلامات. فالعلامة نفسها، بما هي شيء يحدد شيئًا آخر، تفتح المجال لإطلاق الدلالة، لكنها بنفس الوقت تجعل توقفها أمرًا مستحيلًا.

ويتمثل جوهر هذه النظرية في أنّ المثال أو الشيء الممثل (methol) يمتلك خاصية مزدوجة: فهو في الوقت ذاته ذاته وشيء آخر، مما يجعله بنية للإحالة قادرة على الانفصال عن نفسها، وفي نفس الوقت لا وجود له في ذاته، أي أنه قريب من ذاته المطلقة دون أن يكونها فعليًا. ومن ثم، فإن العلامات لا تتحقق إلا عبر وجود المعنى، إذ أنّ الفعل التأويلي يخلق دائرة متجددة من العلامات والمؤولات التي تعيد إحالة المعنى بلا نهاية. (59)

تتلاقى أفكار بيرس مع تطلعات دريدا التأويلية المتقدمة نسبيًا، حيث يرى الأخير أن لا شيء خارج النص، مما يعزز مفهوم السيميوزيس اللامتناهية. فالعلامة، حسب بيرس، تشير إلى موضوع ما، بينما يقوم المؤول بإحالة هذا الموضوع بدوره، وهكذا تتسلسل المؤولات بلا نهاية، لتصبح العلامة في حالة مستمرة من التأويل والتجاوز، بما يتفق مع نموذج التأويل اللولبي.

وفي هذا السياق، أقر دريدا بوجود معايير نقدية للتحقق من صحة تأويل النص، إذ أن كل أعماله تذكّر القارئ بأهمية أدوات النقد التقليدي كضابط للتأويل، لكنها في الوقت نفسه لا تحد من الانفتاح على قراءة جديدة. فهذه الأدوات تعمل كوسيلة وقائية تمنع الانحراف، لكنها لا تشكل عائقًا أمام الإبداع التأويلي، مما يعكس التوتر الدائم بين القيود النقدية والانفتاح على لامحدودية المعنى.

إيكو ونظرية الإنتاج الدلالي

تستند نظرية الإنتاج الدلالي عند أومبرتو إيكو إلى نقد الثلاثية البيرسية: الأيقونة والمؤشروالرمز، مع تركيز خاص على نقد الاستعمال الشائع للأيقونات، وذلك بهدف الوصول إلى صياغة دقيقة للدلالة وفق قواعد نظرية محددة وضعها الباحث لوي يالمسليف (60) ويُستثمر هذا النموذج في توجيه تنميط ضروب الإنتاج والتأويل، بما يتيح تحليل السلاسل التعبيرية للعلامات والعلاقات الدلالية بينها.

تتحقق الوظيفة الدلالية عندما يظهر المثير على صعيد التعبير، ويكون الاستجابة المتوقعة متحققة على صعيد المحتوى. ويشير إيكو إلى أنّ استعمال الخطاب للمثيرات المبرمجة يهدف غالبًا إلى استمالة المخاطب، كما أنّ وضع هذه المثيرات بين النسخة والاختراع، واقترابها من الحيل والصنعة السيميائية، يضعها عند عتبة سيميائية متشابكة (61). وعلى الرغم من إمكانية تحليل السلاسل التعبيرية إلى وحدات مميزة، يبقى المحتوى المقابل غالبًا خطابيًا يصعب اختزاله في علامات محددة.

يرى إيكو أن مادة المحتوى والوظيفة السيميائية تشكلان نسبة متفقًا عليها عرفيًا بين عنصر التعبير وصورة المحتوى، مما يجعل الكون السيميائي مؤلفًا من الوظائف السيميائية وليس مجرد دلائل منفصلة. ومن ثم، يصبح التأويل أداة أساسية، إذ يتيح استنطاق كل دليل ضمن دائرة تدلالية كاملة، لا يقتصر على الاستبدال بين الدلائل بل يشمل إمكانية توسيع الفهم عبر استنفاد العلاقات التأويلية بين العناصر المختلفة (62)

وتسعى ضروب الإنتاج، كما يصفها إيكو، إلى تحديد أنماط الجهات الإنتاجية للدلائل، حيث لا تحيل مقولات مثل النسخة والإظهار إلى دلائل خاصة بحد ذاتها، بل إلى سيرورات تكوينية تُظهر الظواهر التأويلية في أنساق متعددة، سواء أكانت لسانية أو غير لسانية. وبذلك تصبح هذه المقولات مستقلة وسيميائية، محددة لظواهر إنتاج المعنى داخل النصوص والممارسات الثقافية المختلفة، ومؤهلة للتحليل التأويلي الدقيق.

المفاهيم الإجرائية لسيمياء التأويل

الموسوعة والمعجم

يُعَدّ مفهوما الموسوعة والمعجم من الركائز المركزية في نظرية التأويل عند أمبرتو إيكو، إذ يمثلان نموذجين متقابلين في مقاربة العلاقة بين اللغة والمعرفة. فإذا كان المعجم ينحصر في كونه جهازًا دلاليًا يحصر المعنى في بعده اللغوي الصرف، فإن الموسوعة تتجاوز هذا الحصر لتُدرج المعرفة بالعالم، بما تحمله من سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية، ضمن سيرورة إنتاج المعنى. ومن هنا، يغدو التأويل فعلًا يتجاوز حدود البنية اللغوية إلى فضاء أوسع يستدعي المخزون الجماعي من المعارف والتجارب.

يرى إيكو أن المعجم، رغم طابعه التحليلي، عاجز عن التمييز الصارم بين ما هو لساني صرف وبين ما هو معرفي وثقافي. فالسمات الدلالية التي ينهض عليها المعجم ينبغي أن تكون أولية وغير قابلة للتجزئة، أي بمثابة كليات دلالية يدركها القارئ عن طريق الحدس أو التسليم. لكن هذا التصور يظل محدودًا أمام طبيعة التواصل الإنساني المعقّد، وهو ما دفع إيكو إلى إعادة النظر في مفهوم "الشفرة" التقليدي، الذي طالما اختُزل في مقابلة ميكانيكية بين علامة وأخرى، ليطرح بديلًا أكثر ثراءً يتمثل في مفهوم الموسوعة.

الموسوعة عند إيكو ليست مجرد مخزون معلوماتي، بل ذاكرة جماعية تختزن مجموع التمثلات والمعارف التي تراكمت داخل ثقافة معينة. لذلك فإن عملية التأويل، في جوهرها، ليست سوى استدعاء انتقائي لهذه الموسوعة في ضوء السياق النصي. إن القارئ، في لحظة تلقيه، لا يواجه النص فارغ الذهن، بل يستند إلى شبكة من القراءات السابقة والخبرات المعرفية التي تؤطّر فهمه للنصوص الجديدة. وهنا يلتقي إيكو مع تصورات باحثين آخرين مثل بول وبروان في مفهوم المعرفة الخلفية (Background Knowledge)، وكذا مع إيزر في تصوره ل- السجل الضمني الذي يفترضه النص ويُفعّله القارئ خلال الفعل التأويلي (63).

ولتقريب الفكرة، يقدّم إيكو مثال "القطار": حين يسمع الفرد هذه الكلمة، قد يستحضر تجربة شخصية كالسفر مع جدته، غير أن ذلك لا يدخل في التعريف الموسوعي. أما ما يدخل فهو المعطيات المتفق عليها ثقافيًا: أن القطار وسيلة نقل للأشخاص والبضائع، أنه يسير على عجلات، اخترع في القرن التاسع عشر، وأن بداياته ارتبطت بالطاقة البخارية. هذه المعرفة الموسوعية، على سعتها، لا يستحضر منها القارئ إلا ما يفرضه سياق النص الذي يرد فيه ذكر القطار.

النص الأدبي، وفقًا لهذا التصور، ليس سوى توسيع لجزء من الموسوعة، يفعّل القارئ إمكانياته التأويلية لاستكشافه. وقد استعان إيكو في ترسيخ هذا النموذج بمفاهيم من علوم معرفية حديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الإدراكي، نظرًا لتقاطعها مع آليات اشتغال الموسوعة باعتبارها جهازًا ديناميًا مفتوحًا على التطور المستمر (64)

إن ما يميز تصور إيكو هو إدراكه للطابع التفاعلي للمفاهيم: فالمعجم والموسوعة والشفرة والمعرفة الخلفية ليست كيانات متمايزة تمامًا، بل مصطلحات تتقاطع وتتداخل، وقد تُستعمل أحيانًا بشكل تبادلي. ومع تراكم البحوث في مجال السيميائيات، تضاءلت الفوارق بينها لتغدو تسميات متعددة لمسعى واحد: الكشف عن الكيفية التي يُنتَج بها المعنى داخل النصوص، في تفاعل دائم بين اللغة والثقافة والتاريخ.

المقصدية كآلية سيميائية وتأويلية

تُعَدّ المقصدية إحدى الركائز المركزية في التمييز بين لغة الإنسان وأنماط التواصل الأخرى، إذ يرى معظم الباحثين أن ما يمنح اللغة الإنسانية خصوصيتها هو كونها فعلًا قصديًا يتأسس على إرادة التواصل وإنتاج الدلالة. غير أنّ هذا المفهوم لم يُتناول بالمعنى ذاته لدى الجميع؛ فقد اختصر رولان بارت المقصدية فيما يرد صراحة أو ضمنًا داخل النص، بينما نظر إليها غريماس باعتبارها نزوعًا سابقًا يوجّه عملية التلفظ. أما فلاسفة أفعال الكلام مثل أوستن وسيرل وغرايس، فقد تعاملوا معها بوصفها آلية ميكانيكية موجهة تحكمها قواعد التداولية، تربط الملفوظ بالفعل الذي ينجزه داخل سياق محدّد(65)

وليس القصد حكرًا على المتكلم وحده، بل يمتد ليشمل المخاطَب أيضًا، إذ يمكن أن تلتقي قصدية المرسل مع قصدية المتلقي في درجات من التوافق أو التباين، كما بينت ذلك نظرية التلقي. ومن هنا تنبع إشكالية المقصدية في بعدها الفلسفي والمنهجي: فهي ليست دائمًا معطىً ظاهرًا في النص، بل تُفترض كقوة كامنة خلفه، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى إخراجها من حقل علم النفس لتصير موضوعًا لسانياً وسيميائياً.

على هذا الأساس، تُفهم المقصدية باعتبارها نزوعًا ذاتيًا نحو موضوعٍ ذي قيمة. فهي الأصل الذي يقوم عليه كل فعل أو تفاعل، والشرط الضروري لقيام أي سيرورة سيميائية. إذ لا تصل الذات إلى موضوعها إلا عبر حركة ما، قد تكون يسيرة أو عسيرة، وتنطوي على صراع أو مقاومة. وفي كل الحالات، يتحقق هذا الفعل القَصدي في فضاء زماني ومكاني محدَّد، ويتجسد من خلال العلامات اللغوية والرمزية.

وقد حافظت المقصدية على حضورها في معظم الدراسات النقدية والاجتماعية والفلسفية، حتى داخل الأطر البنيوية والسيميائية الصارمة. لكن التحولات التأويلية المعاصرة دفعت إلى إعادة النظر فيها، ليس فقط كخاصية للمتكلم، بل أيضًا كمكوّن من مكوّنات النص نفسه، يتصل بآفاقه التداولية والإيحائية. ومن ثَمّ لم يعد سؤال القصدية سؤالًا بسيطًا حول "ما يريد المؤلف قوله"، بل صار سؤالًا معقّدًا حول كيفية انبثاق الدلالة من خلال التفاعل بين النص، والمتكلم، والمتلقي(66).

إن المقصدية، بوصفها ممارسة ذهنية، تقتضي اختيار الأشكال التعبيرية التي يتيحها قيد الجنس الأدبي نفسه، بحيث تتحول هذه الأشكال إلى مواد دلالية. وبذلك يغدو النص الأدبي في الآن ذاته تطويرًا للجنس الذي ينتمي إليه، وإسهامًا في إبراز إمكاناته الكامنة. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد رؤية إنتاجية للنصوص، لأن الرؤية التلقائية - رغم اعتمادها على آليات إنتاجية - ظلت تواجه عدة إشكالات، أهمها أن التلقي نفسه مشروط بسياقات المتلقي، وأن أي إدراك تلقائي هو تأويل شخصي، محدود واختزالي بطبيعته.

على النقيض من ذلك، فإن سؤال الإنتاج الأدبي يسعى إلى مقاربة النصوص من خلال ما تحمله من أدلة قصدية ذهنية، أي بوصفها تمثيلات للواقع عبر وسيط تخييلي. ولا يتحقق هذا الفهم إلا باستحضار النصوص على نحو مماثل لما فعله أرسطو وهو يؤسس للشعرية، حين اعتبر أن العمل الأدبي يُدرك من خلال آليات إنتاجه وتمثّله للعالم. ومن هنا يصبح لزامًا النظر إلى المقصدية ليس فقط كآلية لسانية، بل كأفق تأويلي يكشف عن تداخل الأبعاد: النفسية، النصية، والسيميائية في آن واحد.

وعليه، فإن المقصدية في الخطاب الأدبي ليست مجرّد نية مسبقة أو آلية تداولية، بل هي بنية دينامية تنظم العلاقة بين الذات والعالم عبر النص، وتوجّه التأويل في ضوء تفاعل متغير بين المؤلف والنص والمتلقي. وهذا ما يمنحها موقعًا حيويًا داخل السيميائيات التأويلية، باعتبارها الضامن الأساسي لفاعلية العلامة في إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه باستمرار.

العوالم الممكنة: من الميتافيزيقا إلى التحليل السيميائي

تُعَدّ نظرية العوالم الممكنة إحدى الإسهامات الكبرى التي أعادت تجديد التفكير الفلسفي واللساني المعاصر. ف- ياكو هينتيكا يُعتبر من أبرز الفلاسفة الذين قاموا بإعادة صياغة هذا المفهوم في إطار تحليلي جديد، حيث نقل الفرضية من فضاء الميتافيزيقا، كما صاغها ليبنتز، إلى مجال معرفي إبستيمولوجي ملموس(67). وإذا كان ليبنتز قد ربط فكرة العالم الممكن بالمطلق الإلهي، فإن هينتيكا أعاد إنزالها إلى مستوى التداول البشري، جاعلاً منها أداةً لدراسة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الواقع عبر اللغة، بعد أن ظلت لقرون طويلة محصورة في دائرة التأمل الميتافيزيقي.

لقد برهنت هذه النظرية على جدواها في معالجة إشكالات فلسفية ومنطقية متعددة، سواء مع هينتيكا نفسه أو مع تلامذته مثل كريبكه، الذي أسهم في تطوير البعد الدلالي للنظرية في سياق المنطق المودي. غير أن قيمتها الكبرى ظهرت حين تم نقلها، عبر أعمال أومبرتو إيكو وتيون فان ديك، إلى مجال السيميائيات وتحليل الخطاب. ففي هذا الإطار لم تعد "العوالم الممكنة" مجرد فرضيات منطقية، بل أضحت آليات منهجية لفهم كيفية تشكل العوالم السردية، وكيفية تفاعلها مع العوالم المرجعية للقارئ. وهكذا صار بإمكان الباحث أن يقارن بين بنيات مختلفة، ويستكشف إمكانات التناقض أو الاتساق بين عالم وآخر، بل وأن يقدم هذه العلاقات في صيغ جداول دقيقة ترصد المكونات والخصائص.

إن الانتقال من التصورات المرجعية الصارمة إلى أفق العوالم الممكنة شكّل ثورة حقيقية، لأنه تجاوز النزعة الاسمية(Nominalism) التي مثلها فلاسفة مثل كوَين، والتي حصرت الوجود في ما هو مُعطى للتجربة الحسية. على العكس من ذلك، فإن العوالم الممكنة تتيح للخطاب الأدبي والسردي أن ينتج دلالات حتى حين لا تكون قابلة للتحقق في الواقع المعيش. ذلك أن القارئ، وفق هذا التصور، لا يظل متلقياً سلبياً، بل يمارس فعلاً تأويلياً عبر التوقع، والتخمين، والمشاركة في بناء الدلالة(68).

وقد صاغ إيكو تعريفاً دقيقاً للعالم الممكن، باعتباره مجموعة من القضايا تُبنى وفق مبدأ الثنائية (إما "ب" أو "لا ب")، وتضم أفراداً مزودين بخصائص محددة. وبما أن بعض هذه الخصائص تُترجم إلى أفعال، فإن العالم الممكن يُنظر إليه كذلك بوصفه مجرى من الأحداث، أي فضاءً ديناميكياً لا يكتفي بكونه كياناً ثابتاً، بل يظل مفتوحاً على الاحتمال والتوقع. من هنا فإن السرد لا يُقرأ فقط بوصفه تمثيلاً لواقعٍ ما، بل باعتباره شبكة من الإمكانات التي يتعين على القارئ أن يشارك في تفعيلها وتأويلها.

ملاحظات واستنتاجات

الدلالة التأويلية إطار نظري يختلف عن النظريات السابقة. فإذا كانت الاتجاهات النفسية والاجتماعية قد ركزت على المضامين والمحتويات، وإذا كانت القراءة البنيوية قد ركزت على المعطيات اللغوية، وإذا كانت الدلالة البنيوية قد ركزت على شكل المعنى، فإن الدلالة التأويلية استثمرت كل ذلك. لكنها تصرفت في سعة البحث عن المعنى، إذ تنطلق من الوصف أولا، بمعنى أن المعطيات الداخلية للنص هي التي توجه التأويل، في مقابل الدراسات النفسانية والاجتماعية التي كانت تنطلق من خارج النص لتسقط الأحكام عليه. هكذا تصبح الحكاية مؤولة انطلاقا من معطياتها الداخلية. ليأتي استحضار المعطي الخارجي بهدف تأكيد صحة التأويل. من هنا نفهم وظيفة التأويل.

على سبيل الختام

تؤكد هذه الدراسة أن النص السردي ليس مجرد سرد متتابع للأحداث، بل هو فضاء تأويلي متعدد الأبعاد، يتيح للباحث الغوص في بنية العلامات الرمزية والثقافية وفهم آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية. فقد أظهرت مقاربات كبار المفكرين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وبول ريكور وإرنيست كاسيرير أن التأويل ليس مجرد ممارسة شخصية أو عابرة، بل هو إجراء منهجي يربط بين النص والسياق الثقافي والفكري ووعي المتلقي، بما يجعل النص وسيلة فعالة لاستكشاف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للفعل السردي.

لقد ساهمت الدراسة في توسيع مفهوم التأويل ليشمل الأدوات السيميائية والإجرائية، بدءًا من الموسوعة والمعجم اللذين يوفران مخزونا معرفيا تمكن القارئ من استحضار الخبرات والتصورات الثقافية أثناء عملية التأويل، مرورًا بمفهوم المقصدية الذي يبرز دور قصد المتكلم والمخاطب في توجيه المعنى، وصولًا إلى العوالم الممكنة التي تتيح استكشاف الإمكانات السردية، وتفعيل قدرة القارئ على توقع الاحتمالات المختلفة داخل النص وتحليل التناقضات أو التوافق بين العوالم المرجعية والعوالم السردية.

كما بينت الدراسة أن التأويل السيميائي يعتمد على تفاعل ديناميكي بين النص والمؤلف والمتلقي، حيث تشكل الذاكرة الجماعية والمعرفة الخلفية للمتلقي حجر الزاوية في إنتاج المعنى. هذا التفاعل لا يقتصر على استدعاء المعلومات السابقة، بل يشمل أيضًا إعادة إنتاج المعنى وفق شروط النص وأفق توقعاته، وهو ما يجعل العملية التأويلية مستمرة ومتجددة.

علاوة على ذلك، بينت الدراسة أن الأدب العجائبي يمثل أداة مركزية لفهم وظيفة النص في نقل التجربة الإنسانية، ولفتح آفاق للتخييل والاستكشاف، إذ يكشف عن مستويات غير مرئية من الدلالة، ويتيح للقارئ والمحلل التفاعل مع نصوص تتجاوز الواقع الحسي إلى فضاءات إمكاناتها المتعددة.

وأخيرًا، فإن دمج هذه المفاهيم) الموسوعة والمعجم والمقصدية والعوالم الممكنة (وآليات التأويل ضمن إطار سيميائي وتأويلي متكامل يجعل الدراسة نموذجًا حديثًا لتطبيق الدلالة التأويلية على الخطاب السردي. فهي توضح أن النصوص الأدبية ليست مجرد منتجات ثقافية، بل أجهزة معرفية وتأويلية قادرة على كشف طبقات الرمزية والثقافة، وإظهار العلاقة الحيوية بين النص والثقافة والإنسان، بما يوفر للباحثين أفقًا تأويليا غنيا ومتعدد المستويات لكل نص سردي يتم دراسته.

***

بقلم: د. منير محقق

وناقد وباحث جامعي مغربي

..............................

الهوامش

(1) - سورة النبأ، الآية 37.

(2) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى 2001، ص: 304، مادة خطب.

(3) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للجراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص12.

(4) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص المفهوم-العلاقة -السلطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص: 13

(5) - محمد علي بن علي التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر والتوزيع، إستانبول، 1984، ج1 ص: 403

(6) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1992، ص: 168/ 167

(7) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت العرب الجزء 1، ص: 1149.

(8) - سورة الفرقان، الآية: 63.

(9) - سورة ص، الآية: 20.

(10) - عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجية الخطاب، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، (2004)، ص36

(11) - نفس المرجع نفس الصفحة.

(12) - محمد البارد، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004 ص: 1.

(13) - المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(14) - دومينيك مانغونو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، (2008)، ص40

(15) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص1043

(16) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، مادة(سرد)

(17) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار الكتب المصرية، الجزء الأول، 1922، مادة (سرد)

(18) - ميساء سليمان الإبراهيم، البنية السردية في كتاب الامتناع والمؤانسة، ط. 2011 ص11 ! 13.

(19) - الكرمل" مجلة الاتحاد العام للكاتب والصحافيين الفلسطينيين 1993. محور، التاريخ والحكاية ل-مصطفى كاك ص 91.

(20) - قال الراوي: البنيات الحكائية في السيرة الشعبية ل- سعيد يقطين ص 13، 16/ ط I، 1997 الناشر: المركز الثقافي العربي.

(21) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، تر: عبد الجليل الأزدي ومحمد معتصم الأزدي، المجلس الأعلى للثقافة ط2، 1997، ص 37.

(22) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، ص40

(23) - ميساء سليمان الابراهيم، البنية السردية في كتاب الإمتاع والمؤانسة، ط. 2011 ص18. 20

(24) - نفس المرجع.نفس الصفحة.

(25) - نفس المرجع ص32 – 33.

(26) - فائزة عليلو، الأنماط الحكائية العربية، قراءة في نماذج من "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"، الطبعة الأولى، 2016، ص.51

(27) – اٍبن منظور، لسان العرب: جمال الدين محمد بن مكرم –دار الصادر بيروت –المجلد الاول ط6-1997ص580.

(28) – المصدر السابق: ابن منظور

) - مصدر نفسه: اٍبن منضور، ص580(29)(

(30) - ابن فارس، أبي الحسين احمد بن زكرياء (مقاييس اللغة) حققه علي بشري، اتحاد كتاب العرب ، دمشق ج4 2002، ص243،244.

)(31)( -le petit Robert .Nouvelle edition.paris1987.p1186

) - لسان العرب، أبو فضل جمال الدين بن منضور، دار الصادر، بيروت، ط 1- مج.10، ص38(32)(

) -حسين علام، العجائبي في الادب من منظور شعرية السرد ، منشورات الاختلاف ط1,2010م.(33)(

(34)Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press

(35)Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum.

)(36)( - Eco, Umberto. The Name of the Rose. London: Harcourt, 1983, pp. 112-145.

)(37)( - Foucault, Michel. Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason. London: Routledge, 1965, pp. 57-89.

)(38)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(39)( - Roland Barthes, Le degré zéro de l’écriture

)(40)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(41)( - Ricoeur, Paul. The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics. Evanston: Northwestern University Press, 1974, pp. 275-302.

(42) - مفتاح، محمد. النص والحكاية: دراسات في التأويل الأدبي العربي. الرباط: المركز الثقافي العربي، 2009، ص. 88-115.

(43) - أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص وتجاوز الحرفية. القاهرة: دار الشروق، 2002، ص. 45-78.

(44) - عبد الرحمن، طه. اللغة والفكر: دراسات في التأويل الفلسفي والأدبي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2012، ص. 145-178.

)(45)( - Nicole ( Evreat_Desmedt ): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique ;. de C.S ; Mardaga Editeur, 1990 ; p.105

(46) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.278.

(47) ) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.317.(48) )

-ECO, Umberto. A Theory of Semiotics, Indiana: Indiana University Press, 1975. P.3.(49) )

-Ibid, p.298. (50) )

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.p.44/43 (51) )

(52) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.279.

-Paul, Ricœur. Le Conflit des interprétations ; Ed ; Seuil ; ¨Paris ; 1969 Coll L’ordre. Philosophique ; (53) ) PP:285/286

-Nicole (Evereat_Desmedt): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique. De C.S. Peirce ; Ed ; Mardaga Editeur, 1990 ; P: 105 (54) )

(55) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.280.

(56) ) - فريد ( الزاهي): النص والجسد والتأويل، أفريقيا الشرق 2003 ، ص: 99/100.

(57) Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Harvard University Press.

(58) Derrida, J. (1967). Of Grammatology. Johns Hopkins University Press.

.

(59) Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press.

(60) Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington: Indiana University Press, 1976, pp. 45–48.

(61) Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum, pp. 65–70.

(62) Ricoeur, P. (1986). Hermeneutics and the Human Sciences. Cambridge University Press, pp. 15–20.

(63) Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978, p. 35.

(64) Umberto Eco, Semiotics and the Philosophy of Language, Indiana University Press, 1984, p. 68.

(65) John R. Searle, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind, Cambridge University Press, 1983, p. 7.

(66) Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, Continuum, 2004, p. 259.

(67) Gottlob Frege & Jaakko Hintikka, Possible Worlds: An Approach to the Theory of Modality, Springer, 1969, p. 42.

(68) Umberto Eco, The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts, Indiana University Press, 1979, p. 65.

في المثقف اليوم