قضايا
مجيدة محمدي: قضية جيفري إبستين وصدمة المثقف الليبرالي العربي
قراءة في تفكك الرأسمال الرمزي للنموذج الغربي وأثره في إعادة تشكّل الوعي النقدي
الملخّص: تهدف هذه القراءة إلى تحليل الأثر المعرفي والرمزي لقضية جيفري إبستين في الوعي الليبرالي العربي، من خلال مقاربة سوسيولوجية–فكرية تستند إلى مفاهيم الرأسمال الرمزي (بيير بورديو) وإشكالية المثال الحداثي في الفكر العربي المعاصر (عبد الله العروي، محمد عابد الجابري). تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن القضية لم تُحدث صدمة أخلاقية فحسب، بل كشفت عن تصدّع في التمثّلات المثالية للنموذج الليبرالي الغربي، وأعادت طرح سؤال المرجعية والمعيار في خطاب المثقف العربي. مع اعتماد القراءة منهج تحليل الخطاب والمقارنة المرجعية، مع توثيقٍ يعتمد المصادر العربية الأساسية وترجماتٍ معتمدة.
المقدّمة
شكّلت قضية إبستين، منذ إعادة فتح ملفها سنة 2019 ووفاته في مركز الإصلاح المتروبوليتاني، لحظة كاشفة في العلاقة بين السلطة والمال والنخبة الثقافية في الولايات المتحدة. غير أن أثرها تجاوز السياق الأمريكي، لتتحوّل إلى مرآة عاكسة لرهانات المثقف العربي الذي طالما استند—جزئيًا أو كليًا—إلى النموذج الليبرالي الغربي بوصفه أفقًا معياريًا في نقد السلطوية المحلية.
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك بنية هذه الصدمة، عبر الإجابة عن الأسئلة التالية:
- كيف تمثّل المثقف الليبرالي العربي النموذج الغربي قبل القضية؟
- ما طبيعة الانكسار الرمزي الذي أحدثته القضية؟
- هل أنتجت الصدمة مراجعة نقدية أم انزلاقًا إلى رفضٍ عدميّ؟
أولًا: الإطار النظري
1. مفهوم الرأسمال الرمزي
يعرف بيير بورديو الرأسمال الرمزي بوصفه شكلًا من أشكال السلطة المعترف بها اجتماعيًا، والتي تمنح حاملها شرعية وتأثيرًا يتجاوز القوة المادية¹. حين تتورّط النخبة الحاملة لهذا الرأسمال في فضيحة أخلاقية، فإن الانهيار لا يطال الأفراد فحسب، بل يهدّد شرعية البنية الرمزية ذاتها.
في هذا السياق، يمكن فهم قضية إبستين بوصفها أزمة في الرأسمال الرمزي للنخبة الليبرالية الغربية، لا باعتبارها مجرد ملف جنائي.
2. الحداثة بوصفها مشروعًا تاريخيًا
يرى عبد الله العروي أن الحداثة ليست منظومة قيم مجرّدة، بل سيرورة تاريخية تتشكّل عبر صراعات اجتماعية وسياسية². ومن ثمّ، فإن نقل النموذج دون تفكيكه نقديًا يفضي إلى هشاشة في التمثّل. أما محمد عابد الجابري فيؤكد أن التعامل مع “الآخر” ينبغي أن يتمّ ضمن أفق نقدي مزدوج: نقد الذات ونقد المرجعية³.
ثانيًا: تمثّل المثقف الليبرالي العربي للنموذج الغربي
منذ عصر النهضة، تشكّل الوعي الإصلاحي العربي في تماسٍّ مع أوروبا. فقد قدّم رفاعة الطهطاوي صورة إيجابية عن التنظيم القانوني والمؤسساتي في فرنسا، بينما رسّخ طه حسين فكرة الانتماء إلى الفضاء المتوسطي الحداثي.
في السياق المعاصر، عزّزت أدبيات حقوق الإنسان هذا التمثّل، بحيث صار النموذج الليبرالي معيارًا نقديًا في مواجهة الاستبداد المحلي. غير أن هذا التمثّل ظلّ، في بعض تجلياته، أقرب إلى المثال الأخلاقي منه إلى التحليل البنيوي.
ثالثًا: قضية إبستين كحدث كاشف
1. البعد القانوني والمؤسسي
أظهرت التحقيقات أن إبستين استفاد سابقًا من تسوية قضائية سنة 2008 أثارت جدلًا واسعًا، قبل إعادة فتح القضية سنة 2019. وقد أدّى الجدل إلى مساءلة أداء المدعي العام آنذاك ألكسندر أكوستا، كما أثار نقاشًا حول دور وزارة العدل في عهد ويليام بار.
2. البعد الرمزي
تكمن أهمية القضية في شبكة العلاقات التي أحاطت بإبستين، والتي ضمّت شخصيات سياسية وأكاديمية وإعلامية. هنا يتجلّى الانكسار: فالمشكلة ليست في الجريمة وحدها، بل في التناقض بين الخطاب الليبرالي المعلن وحماية الامتيازات داخل دوائر النفوذ.
رابعًا: صدمة المثقف الليبرالي العربي
يمكن توصيف الصدمة في ثلاثة مستويات:
المستوى الأخلاقي: انهيار صورة “النخبة الحارسة للقيم”.
المستوى المعرفي: التشكيك في صلاحية النموذج بوصفه معيارًا مطلقًا.
المستوى الخطابي: انتقال بعض المثقفين من خطاب تمجيدي إلى خطاب عدمي.
غير أن القراءة النقدية المتوازنة تكشف أن آليات المساءلة—الصحافة الاستقصائية، القضاء الفيدرالي، الضغط الإعلامي—عملت، ولو بعد تأخير، على إعادة فتح الملف. وهو ما يثبت أن النموذج الغربي ليس كتلة صمّاء، بل فضاء صراع بين السلطة والمساءلة.
خامسًا: نحو إعادة بناء المعيار
لا تعني الصدمة سقوط الفكرة الليبرالية ذاتها، بل سقوط التمثّل المثالي لها. إن التحدّي الحقيقي أمام المثقف العربي يتمثّل في:
تجاوز الثنائية (شرق فاسد/غرب منضبط).
اعتماد نقدٍ مزدوج: للذات وللنموذج المرجعي.
إعادة تعريف الحداثة بوصفها مشروعًا إنسانيًا مشتركًا، لا ملكيةً حضاريةً مغلقة.
الخاتمة
تكشف قضية إبستين أن السلطة، حيثما اجتمعت بالمال، تملك قدرة على التستّر ما لم تُحاصر بثقافة مساءلة حقيقية. وقد شكّلت القضية لحظة اختبار لوعي المثقف الليبرالي العربي، بين الانكسار وإعادة البناء.
إن التحوّل من الانبهار إلى النقد، ومن المثال إلى التحليل البنيوي، هو ما يمنح هذه الصدمة قيمتها المعرفية. فالمعيار لا يُستورد، بل يُعاد إنتاجه داخل كل سياق تاريخي.
***
مجيدة محمدي – أديبة وباحثة تونسية
........................
المراجع
بورديو، بيير. الهيمنة الذكورية، ترجمة عربية، دار الفارابي، بيروت.
بورديو، بيير. أسئلة علم الاجتماع، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الدار البيضاء.
العروي، عبد الله. مفهوم الحرية، المركز الثقافي العربي، 1993.
العروي، عبد الله. مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، 1996.
الجابري، محمد عابد. نقد العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
المسيري، عبد الوهاب. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، دار الشروق، 2002.
تغطيات وتحقيقات عربية حول قضية إبستين، منها:
الجزيرة نت (ملف خاص 2019).
القدس العربي (2019–2021).






