قضايا
ابتهال عبد الوهاب: القلق كقيمة معرفية واخلاقية في الفكر المعاصر
لسنا جيلا بلا قلق، بل نحن جيل يتنفس القلق كما يتنفس الهواء، لكنه يتظاهر بالطمأنينة. نعيش في زمن يفيض بالشاشات، ويضج بالاخبار، ويتخمنا بالصور، حتى نظن اننا نعرف كل شيء، بينما نحن في الحقيقة نهرب من السؤال الاهم: ماذا يعني ان نكون؟
ونحن نعبر ربع الالفية الثالثة، لا يبدو القلق الوجودي اثرا من بقايا قرن مضى، ولا رجع صدى لفلسفات ما بعد الحروب، بل يبدو كأنه اعاد تشكيل ذاته، وارتدى اقنعة جديدة. لم يعد القلق سؤالا بسيطا عن الموت او العدم، بل صار قلقا رقميا يتعلق بالهوية في فضاء افتراضي، وقلقا بيئيا يتهدد مصير الكوكب، وقلقا سياسيا يزعزع معنى المواطنة والحرية. انه قلق متعدد الطبقات، يتسلل الى وعينا كما تتسلل البيانات الى شاشاتنا.
لم يعد الخطر في الموت وحده، بل في التبلد. لم يعد الرعب في العدم، بل في الامتلاء الزائف. نحن محاطون بكل وسائل الاتصال، ومع ذلك تتسع في داخلنا فجوة صامتة، فجوة لا يردمها عدد المتابعين، ولا يملؤها بريق اللحظة الرقمية. انه قلق يتخفى في هيئة انشغال دائم، ويتقنع بقناع السرعة، لكنه في جوهره صرخة كينونة تبحث عن معنى.
في هذا العصر، لم يعد الانسان يهرب من القلق الى الايمان او الفلسفة فحسب، بل يهرب منه الى الاشعارات الفورية والتنبيهات المتلاحقة، الى ضجيج يصنعه بيديه كي لا يسمع صوته الداخلي. لكن الصوت هناك، عميق، حاد، لا يختفي. يذكرنا باننا لسنا مجرد حسابات، ولسنا مجرد ارقام في سوق الاستهلاك، بل ذوات حرة، هشة، ومسؤولة.
حين تحدث مارتن هايدغر عن القلق بوصفه انكشافا للكينونة، لم يقصده اضطرابا نفسيا عابرا، بل تجربة وجودية يتعرى فيها الكائن امام هشاشته. القلق، في تصوره، ليس انفعالا سلبيا، بل لحظة اصالة ينكشف فيها الانسان امام حقيقة انه ملقى في هذا العالم، ومسؤول عن اختياراته في افق الفناء. القلق هنا هو نداء الكينونة، وهو لحظة وعي تتجاوز اليومي والعابر.
غير ان سؤالنا اليوم يتجاوز هذا التصور. هل ما زلنا نملك شروط الانصات الى هذا النداء، ام ان التقنية، بوصفها نسقا شاملا، قد غلفت وجودنا بطبقة كثيفة من الضجيج؟
لقد نبه جان بول سارتر الى ان الانسان محكوم عليه بالحرية، وان القلق هو الاثر الملازم لهذه الحرية الجذرية. فالوعي عنده وعي بالعدم، والذات مشروع مفتوح على امكاناته. لكن عالم الخوارزميات يسعى اليوم الى تحويل هذا المشروع الى معطى قابل للتنبؤ، الى ملف بيانات يعاد تشكيله وفق انماط الاستهلاك والرغبة. هنا يتحول القلق من سؤال حرية الى ارتباك هوية، ومن توتر وجودي الى تشظ داخلي.
ووصف زيغمونت باومان عالمنا بالحداثة السائلة، حيث تتفكك الثوابت وتذوب المعايير. في هذا السياق يصبح القلق بنية دائمة لا استثناء عارضا. السيولة لا تمنحنا زمنا للتأمل، بل تدفعنا الى سباق دائم مع صورنا، ومع انجازات الاخرين، ومع خوفنا من التلاشي الاجتماعي. اننا نعيش اغترابا مضاعفا، اغترابا عن الطبيعة التي ندمرها، واغترابا عن ذواتنا التي نعرضها في سوق الاعتراف.
وقد حذر يورغن هابرماس من هيمنة العقل الاداتي، ومن تشوه الفعل التواصلي حين تتحول اللغة الى اداة تاثير، ويتحول الحوار الى تبادل اشارات سريعة. في هذا المناخ يفقد الخطاب عمقه، وتفقد الذات قدرتها على بناء معنى مشترك. القلق هنا لا يجد فضاء يعبر فيه عن نفسه، بل يختزل الى عبارة عابرة او صورة خاطفة.
اما كيركغارد فقد راى في القلق دوار الحرية. غير ان دوارنا اليوم ليس فقط دوار الامكان، بل دوار التشويش. لم نعد نرتجف امام اتساع اختياراتنا، بل امام تدفق لا ينقطع من المعلومات، وامام فائض المعنى الذي ينتهي الى خواء. الضجيج الرقمي لا يسكت القلق، بل يخدره، ويحوله الى قلق مبعثر بلا اتجاه.
وهنا تكمن المفارقة. القلق لم يختف، بل تضخم، لكنه فقد صوته العميق، ذلك الصوت الذي يدعونا الى اختيار ذواتنا بوعي، وتحمل مسؤولية وجودنا. الخطر ليس في القلق ذاته، بل في فقدان القدرة على الاصغاء اليه. فالقلق، كما فهمه الوجوديون، هو لحظة كشف، اما حين يغرق في بحر الاشعارات والتنبيهات، فانه يتحول الى ضجيج داخلي بلا بوصلة.
وفي ظل الازمة البيئية يتخذ القلق بعدا انطولوجيا جديدا. لم يعد السؤال كيف اعيش، بل هل سيبقى العالم قابلا للعيش. اننا نواجه هشاشة الوجود لا كافراد فحسب، بل كنوع بشري. وهنا يتقاطع القلق الوجودي مع المسؤولية الاخلاقية، ومع سؤال العدالة بين الاجيال.
يبقى السؤال الجوهري، هل يمكن استعادة الصمت بوصفه شرطا للوعي. هل نستطيع ان نمارس زهدا رقميا، لا هروبا من العالم، بل استعادة لمسافة تاملية تتيح لنا اعادة طرح سؤال الكينونة.
ربما يكون الرهان اليوم هو اعادة تاويل القلق لا كعرض مرضي، بل كقيمة معرفية واخلاقية، بوصفه لحظة كشف تحررنا من السقوط في اللامبالاة الجماعية. ان الاصغاء الى القلق هو في النهاية اصغاء الى هشاشتنا، والى حريتنا، والى مسؤوليتنا.
وفي عالم يتكاثر فيه الكلام وتتناقص فيه المعاني، قد يكون اعظم فعل فلسفي هو ان نتوقف لحظة، ان نصمت، وان نصغي. فربما ما زال صوت وجودنا هناك، ينتظر ان نمنحه شجاعة السماع
فان لم نصغ اليوم الى قلقنا، فلن نصغي غدا الا الى فراغنا.
القلق ليس عدوا ينبغي اسكاته، بل جرس انذار يدق في اعماق الكينونة، ليوقظنا من سبات التكرار ومن غيبوبة الضجيج. انه الشرارة التي تفضح زيف الطمأنينة السطحية، وتكشف هشاشة عالم نظنه صلبا وهو يتآكل من الداخل.
اما الذين يهربون من القلق الى اللهو الدائم، ومن السؤال الى الشاشة، ومن المواجهة الى الانكار، فانهم لا يلغون قلقهم، بل يؤجلون انفجاره. فالوجود الذي لا يجرؤ على مساءلة نفسه، يتحول الى ظل باهت، والحرية التي لا تحتمل رجفتها، تنقلب قيدا ناعما.
***
ابتهال عبد الوهاب






