قضايا
حاتم حميد محسن: لماذا يجب التمييز بين مفهومي "التطور" و"التقدم"؟
هناك انطباع واسع بان "التطور" evolution" و"التقدم" progress مفهومان مترادفان، وهما يُستعملان كل يوم بشكل متبادل. معظم الناس يعتبرون التطور - بالمعنى الداروني - شكل من التقدم او التحسّن، نحن في الغالب نسمع حديثا بان نوعنا البشري يتطور الى أعلى حالة من الوجود او الى وعي أكثر تقدما. لكن التقدم والتطور ليسا نفس الشيء، ويصفان أشكالا مختلفة جدا من التغيير.
ان تمييز مختلف أنواع التغيير له علاقة مباشرة بفهمنا لمعنى الانسان العاقل Homo sapiens، كعضو في ثقافة وأيضا كحيوان – نتاج لعملية تطورية خلقت وحددت جميع الأنواع بما فيها نحن. لذا فان الخلط بين "التقدم" و "التطور" يهم اكثر من مجرد خطأ لغوي.
ان التطور يتألف من:
1- تغيير في الـ DNA للكائن الحي
2- يتبعه تغيير في الجسم او السلوك
3- اختبار صارم لذلك الجسم او السلوك من خلال التفاعل بين الكائن وبيئته. اذا كان هذا التغيير يفيد الكائن من حيث قدرة انجابية افضل – في لياقته – فان التغيير ينتشر الى الجيل اللاحق.
اما التقدم يتألف من:
1- هدف او مبدأ أمثل – محو الامية او عدالة على سبيل المثال.
2- فجوة بين هذا المبدأ والوضع الواقعي للعالم
3- عملية حركة واسعة – فرديا وجماعيا او حتى الأنواع نحو ذلك الهدف او المثال.
4- نحن نستطيع ان نرى هذه ليست نفس أفكار التطور. التطور هو لا هادف ولا قصدي: انه ليس له مثال او هدف او نقطة نهاية. بالنسبة للتغير التطوري، لا توجد فيه اهداف مستقلة. اما التقدم فهو موجّه نحو هدف، يهدف لغايات موضوعية مستقلة. انه دائما يتعلق بأهداف حتى لو كانت مجردة وبعيدة او لا يمكن تحقيقها، مثل العدالة او الجمال او الخير. الأهداف العليا هي أيضا في الغالب منفصلة عن السياق: العدالة هي عدالة بصرف النظر عن البيئة. أيضا، التقدم هو ثقافي بينما التطور بايولوجي. لكن المبادئ الأساسية للبايولوجي والثقافة ليستا نفس الشيء.
التقدم يمكن ان يكون نقيض ذلك. الناس يمكنهم البقاء ثابتين ثقافيا او حتى في تراجع. لكن التغير التطوري ليس اتجاهي بهذا المعنى، ولن يذهب "متراجعا". ان مفهوم "التراجع التطوري" لا ينطبق على البايولوجي. تطور فصيلة الحيتان يوضح هذه النقطة جيدا. تشترك الحيتان والدلافين في سلف مشترك من الثدييات البرية مع سلالتنا من الثدييات. لكن سلالتنا بالنهاية انفصلت قبل 40 مليون سنة – سلالتنا ذهبت الى الغابات وفوق الأشجار، اما سلالتهم تراجعت الى الزعانف مرة أخرى. هذا تطور في السلوك. لكن أي جزء هو "تقدم"؟ هل الخروج من الماء؟ ام الرجوع الى الماء؟ عودة الزعانف الى أقدام ام عودة الأقدام الى زعانف؟ الجواب هو "لا شيء من هذا". كل من الذهاب والمجيء هو تطور، ليس فقط الأجزاء التي نعتبرها "تحسنا" او، "تقدم".
التطور لا يذهب "الى الامام" ولا "يتراجع الى الخلف" طالما لا وجود لهدف فلا وجود لإتجاهية.
التكيف ليس تقدما على المدى الطويل
خارج الحلقات العلمية، لايزال التطور يُعتبر على نطاق واسع ظاهرة تقدمية، شكل من "تحسين طبيعي". لكن الاختيار الطبيعي ليس كذلك. التطور يميل فعلا نحو إضافة: الطبيعة تميل للإضافة، لذا يتم تعديل البايولوجيا السابقة للقيام بأدوار جديدة. وهكذا، تميل الحياة بمرور الزمن نحو تعقيدية اكبر . لكن "التعقيدية" و "التقدم" ليسا مترادفين. في الحقيقة، هما عادة يفترقان كثيرا. اذا كان التطور عملية إتقان، سوف ننظر حولنا اليوم ونرى أفضل نماذج الطيران، البصر، السباحة، السمع، وغيرها. لكن لو نظرنا الى مجموعة تامة ومتنوعة من الحياة في وقتنا الحالي: الكائنات ذات الخلية الواحدة الأساسية تستمر بالازدهار، بل و "تهيمن" على الحياة في الأرض لبلايين السنين بعد بدء الحياة كأحياء ذات خلية أساسية واحدة. هذه الحياة البسيطة تشكل عناصر لاغنى عنها ضمن اجسامنا الحيوانية المعقدة. كذلك الأنواع المعقدة مثل السلاحف، سمك القرش، البعوض، اليعسوب .. أيضا تستمر بالازدهار كما فعلت قبل مئات ملايين السنين. أخيرا، لكل نموذج "مثالي" ideal، لنقل، الطيران - لكل نسر بعينين هناك سمكة الكهف العمياء او خلد يزدهر في الظلام.
التطور ليس تقدما. التغيرات التي يولّدها هي نسبية تماما للسياق: "احسن" او "أسوأ" كهدف قائم بذاته او مُثل لا تطبق. بالنسبة للتطور بشكل عام، السمات ربما فقط تختلف، او احسن او أسوأ في بيئات محددة جدا، ولكن ليست متأصلة، أي، انها احسن او أسوأ منفصلة عن السياق. الاخطبوط سوف لن يستفيد من الاجنحة ذات الريش، ولا طائر القطرس يستفيد من مخالب ذكية. ان مفهوم التقدم لا يتطابق مع واقع التغير التطوري.
رؤى تطورية
لماذا نسقط خطأ التحسن الشامل على العملية البايولوجية؟ وعندما نفكر "بالتقدم"، لماذا نشير أحيانا له كـ "تطور"؟. عبر عدة قرون، أولئك الذين تحت تأثير الأفكار المسيحية جرى تعليمهم الايمان اننا صُنعنا منفصلين وأيضا متفوقين عن بقية المملكة الحيوانية. يُعتقد ان المسيحية استخدمت ما موجود سلفا من ميول لاعقلانية، أي، على غريزة فطرية بايولوجية في تفوق الانسان على اشكال الحياة الأخرى. هذه الغريزة مكنتنا من الاعتقاد اننا الهدف من الوجود، مع بقية الطبيعة فقط المسرح او طاقم الممثلين المساعدين. لكن في عام 1859 غيّر تشارلس دارون كل شيء عندما نشر كتابه أصل الأنواع، مفتتحا ثورة التطور. انه كان تطور بطيء جدا. الاعتراف بالداعيات الثقافية والأخلاقية لنظرية التطور كان باردا وبطيئا جدا. هذا لأن أعمال دارون جاءت ضمن ثقافة أسيرة المركزية البشرية المسيحية، ونحن احتفظنا الى حد كبير بعقيدتها الاستثنائية في اننا الهدف من كل الوجود. نحن نتصور أنفسنا الهدف من التطور، النتيجة النهائية لعملية الطبيعة الخلاقة، وان سماتنا المتميزة هي أحس السمات. وكما كتب ستيفن جاي جولد، Stephen Jay Gould الباحث وعالم الاحياء التطوري "لقد تمكّنا من الحفاظ على تفسير لأهمية الانسان لا يختلف في كثير من الجوانب الحاسمة عن المكانة الرفيعة التي كنا نحتلها باعتبارنا نتاجا مفترضا للخلق المباشر على صورة الله . (ديناصور في كومة قش: تأملات في التاريخ الطبيعي،1996).
في ظل التأثير المستمر للمركزية البشرية، نحن نستمر في إساءة تفسير التطور كعملية تحسّن تقدمية، قصدية جدا، وذات هدف واضح، وهو خلقنا. في فهمنا الخاطئ لدارون، نحن ببساطة تحوّلنا من كوننا تاج الخلق المسيحي الى كوننا ذروة التطور الطبيعي. في عمل كهذا، نحن نستمر في تصور الكائن البشري باعتباره مقياس تُقاس به كل أشكال الحياة الأخرى.
انظر الادراك البصري. لو سألنا جوجل أي حيوان لديه أحسن رؤية بصرية. جوابها سيكون: النسر الذي هو مخلوق بنفس الشكل الأساسي للرؤية التي لدينا . لكن تطور الادراك البصري حصل في نطاق واسع من الأشكال. نحن نفشل في الاعتراف الصحيح بهذا التنوع بسبب تحيزاتنا للمركزية البشرية. لو نظرنا الى الروبيان السرعوف. هذا النوع طوّر 12 نوعا مختلفا من مستقبلات الضوء ، مقابل ما لدينا فقط 3 ، وحتى في محاولتنا تصوّر العالم البصري المعقد الذي يقطنه هذا المخلوق سيكون امرا محيرا للعقل . بالتأكيد هذا الكائن يحقق نتائج أفضل برؤيته قياسا برؤية النسر او رؤيتنا. اليعسوب، العنكبوت المتنقل، قناديل البحر، حتى الذبابة المنزلية المألوفة هي امثلة أخرى على الطبيعة المتباينة جدا للإدراك البصري غير المنفصل. النظر الى نوعنا كذروة لعملية تقدمية ليس فقط متكبر وغير دقيق، بل انه يشوه معرفتنا بعمل دارون التطوري والثقافة والتقدم وطبيعة الانسان والاشكال الأخرى للحياة ومكاننا ضمن الجميع. تصورنا الذاتي الاستثنائي المتخلف هو أيضا في لب العديد من المشاكل المدمرة التي نواجهها حاليا، بما فيها علاقتنا المستنزفة للمحيط الحيوي العالمي، بما يؤثر على الكوكب الذي تطورنا عليه ونعتمد عليه كليا لاستمرار بقائنا. في الحقيقة، غرورنا المتغطرس يشجع على انقراض واسع آخر.
الى الامام والى الأعلى
99% من كل الأنواع الحية التي تطورت على مر العصور بالنهاية أصبحت منقرضة. أساسا، نحن لا نختلف. نحن لا نضمن بأي حال من الأحوال محصلة إيجابية، "نهاية سعيدة"، رغم التطمينات من المسيحية او الرأسمالية. السمة الأكثر أهمية التي تميز الانسان عن بقية اشكال الحياة على الأرض هي قدرتنا على التعلم التراكمي المعقد والتشاركي. هذا يمكن ان يحدد مُثلنا وأهدافنا. وبسبب كل هذا، فان مستقبلنا هو في أيدينا. ربما هو مقلق نوعا ما. لكن أيضا يمنح شعورا قويا بالتمكين. نحن نحقق تقدما بمقدار ما تتقرر أهدافنا بواسطة العقل والعلم والمعرفة. هذا التقدم الشمولي يمثل تحقيقا للإمكانات البشرية. التقدم نحو هدف الاستدامة البيئية سوف لن يكون نتيجة لتدخل ديني "روحي" جديد، او أساطير تتمحور حول الطبيعة. ان كان سيحدث ذلك، فسيكون نتيجة لإختيار الانسان لتقدم متجذر في العلم والعقل والمعرفة.
نظرية دارون في التطور، والتي هي حركة الاسلاف عبر الأجيال مع التعديل بواسطة الاختيار الجنسي والطبيعي، تشير الى تغيير بطيء وغير خطي وغير مقصود نتج عن تفاعل بين الجين والجسم والبيئة. مفهوم التقدم أسرع بكثير، متفرد كظاهرة بشرية لحركة مقصودة نحو هدف او مثال. أهدافنا ومُثلنا لا يجب ان تكون مرتكزة على الإكراه والتلقين او الإمتثال للسلطة. بدلا من ذلك، هي يجب ان تتجذر في الدليل والعقل والعلم. التطور وهبنا قدرة فريدة لنتقدم. لكن المفهومين ليسا متشابهين بأي حال من الأحوال، ويجب عند استخدامهما إبقاء هذا التمييز حاضرا في الذهن.
***
حاتم حميد محسن
.......................
Evolution or progress? philosophy Now, Dec2025/Jan 2026






