أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الفلسفة واللايقين المعرفي
تأملات في حدود العقل أمام التعقيد المعاصر
في كل زمن يقف الإنسان أمام مأزق أساسي، إدراك ما يمكن معرفته وما يبقى خارج متناول العقل. هذا المأزق ليس صدفة بل هو انعكاس حتمي لهيكلة العقل البشري وطبيعة الواقع الذي يعيش فيه. منذ فجر الفلسفة ظل التساؤل عن حدود المعرفة يشكل نقطة مركزية، إذ لم يكن الفكر البشري يسعى فقط إلى تجميع الحقائق، بل إلى تقييم حدود فهمه ووعيه بجهله. هنا يظهر مفهوم اللايقين المعرفي ليس كظرف عارض، بل كجوهر للخبرة الفكرية والوجودية؛ إذ كل محاولة للفهم تضع العقل أمام غموض لا يمكن تجاوزه، وفي قلب هذا الغموض تتكشف حدود اليقين، وأحيانا هشاشته، أمام تعقيدات الحياة الطبيعية والاجتماعية والسياسية.
ففي زمن التعقيد المعاصر، تتضاعف هذه الأزمة المعرفية، إذ لم يعد العالم قابلا للاختزال في مفاهيم بسيطة أو أنظمة ثابتة، بل أصبح شبكة متشابكة من الظواهر المتغيرة، حيث تتداخل العلوم والتكنولوجيا والسياسة والثقافة والاقتصاد بطريقة تجعل أي تصور شامل مستحيلا. اللايقين هنا ليس مجرد نتيجة نقص المعلومات، بل هو خاصية متأصلة في طبيعة الواقع نفسه؛ واقع لا يخضع دائما للتوقعات ولا يمتثل لقواعد اليقين الكلاسيكية. ومن هذا المنطلق، يصبح التفكير الفلسفي ضرورة لا غنى عنها، ليس لإعطاء إجابات جاهزة، بل لفهم آليات التفكير نفسها، ولتطوير أدوات عقلية قادرة على التعامل مع الغموض والاحتمالات المتعددة.
لقد لاحظ بعض الفلاسفة الكبار، من سقراط الذي أعلَن أن إدراك الجهل هو بداية الحكمة إلى ديكارت الذي اعتمد الشك المنهجي كوسيلة للتحقق من حدود العقل، أن معرفة حدود العقل ليست قيدا، بل شرط أساسي لأي محاولة صادقة للفهم. وفي العصر الحديث، مع انتشار المعلومات وتزايد التعقيد، يواجه العقل تحديا مزدوجا: البحث عن معرفة دقيقة مع الإدراك الدائم بأن كل تفسير نسبي ومحدود. هذا التوتر بين الرغبة في اليقين وإدراك محدودية المعرفة يشكل قلب اللايقين المعرفي ويجعله موضوعا مركزيا للفلسفة المعاصرة.
إن دراسة هذا المفهوم تتجاوز الإشكالات النظرية، لتصل إلى مجالات الحياة اليومية والعلمية والأخلاقية. فهي تساعدنا على إدراك أن القرارات العلمية والاجتماعية لا يمكن أن تُبنى على افتراضات مطلقة، وأن الحكمة في العالم المعقد تكمن في القدرة على التعامل مع الاحتمالات والغياب والتغير المستمر. ومن هذا المنظور، يصبح اللايقين المعرفي ليس تهديدا للفكر، بل فرصة لإعادة التفكير في أدواتنا العقلية ومرونتنا الأخلاقية واستراتيجياتنا في مواجهة التعقيد المعاصر. في قلب كل سؤال فلسفي يكمن سؤال آخر، أشد عمقا وأكثر صعوبة. إن الفلسفة منذ نشأتها الأولى عند أفلاطون وأرسطو، لم تكن مجرد سعي نحو المعرفة بل كانت رحلة متواصلة في الفضاء الغامض للوعي البشري وحدوده. وفي زمن التعقيد المعاصر، حيث تتشابك العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية، يجد العقل نفسه أمام تحدٍ مزدوج: تحد معرفي قائم على حدود قدراته، وتحد وجودي قائم على مواجهة اللايقين المستشري في كل مناحي الحياة. اللايقين المعرفي بهذا المعنى ليس مجرد عائق عابر، بل هو الجوهر الذي يفرض على الفلسفة إعادة التفكير في أدواتها ومناهجها ونظرتها إلى الحقيقة نفسها.
لقد اعتبر سقراط أن "الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تُعاش"، مؤكدا على أهمية التساؤل المستمر كوسيلة لاستجلاء الحقيقة. ومع ذلك كان سقراط نفسه يدرك محدودية العقل البشري، ففضله لم يكمن في امتلاكه لكل الإجابات، بل في إدراكه العميق لجهله. في هذا الوعي بالجهل يكمن جوهر اللايقين المعرفي؛ إذ لا يمكن للعقل أن يرفع كل الغموض عن الكون والوجود. وعندما ننتقل إلى العصور الحديثة، نجد ديكارت وهو يضع أساسا للمعرفة المطلقة عبر منهج الشك المنهجي، مؤكدا أن العقل لا يحقق اليقين إلا بعد المرور بعملية فرز دقيقة بين ما هو واضح وما هو مضلل. هذا الشك لا يقتصر على تشكيك فردي، بل يمتد ليصبح أداة نقدية، تفتح أمام الفلاسفة أبوابا لفهم أعمق للعقل وحدوده، ولإدراك أن كل معرفة تأتي مشحونة بالافتراضات والتقريبات والمحدوديات الذاتية.
وفي السياق المعاصر، يواجه العقل مشكلات أكثر تعقيدا. لا يتعلق الأمر بمجرد البحث عن الحقيقة المطلقة في العالم الطبيعي، بل بكيفية استيعاب العالم كشبكة متشابكة من العوامل الديناميكية المتغيرة. فالعقل الإنساني بقدر ما هو قادر على التحليل والتصنيف والتفسير، يظل عاجزا أمام الكلية المعقدة للظواهر. هيدجر أشار إلى أن الإنسان "موجود في العالم"، لكنه في الوقت نفسه "غير مكتمل الوعي بعالمه"، وهو ما يطرح مسألة حدود الإدراك، ليس فقط كمشكلة معرفية، بل كمأزق وجودي يتحدى كل محاولة لتحديد معنى واضح للوجود.
عندما نتحدث عن اللايقين المعرفي في واقعنا المعاصر، لا يمكننا تجاهل تأثير الثورة التكنولوجية والرقمية على تصوراتنا للمعرفة. المعرفة لم تعد حكراً على التأمل العقلي الفردي، بل أصبحت نتاج شبكة متشابكة من البيانات والإشارات والمعلومات. ومع ذلك، فإن الكم الهائل من المعلومات لا يعادل اليقين، بل يزيد من التوتر بين معرفة جزئية ومعرفة كلية، ويكشف هشاشة الفهم البشري أمام التعقيد الشديد للأنظمة الطبيعية والاجتماعية. كما لاحظ نيكلاس لومان، عالم الاجتماع الألماني، أن "العالم الحديث معقد لدرجة أن محاولات النظام والمعرفة تصبح بحد ذاتها مصدرا للارتباك واللايقين". إن اللايقين هنا ليس فقط نتيجة نقص المعلومات، بل نتيجة طبيعة الواقع نفسه الذي يتجاوز قدرة العقل على التنبؤ والتحليل الكامل.
من منظور فلسفي آخر، يمكن ربط هذا الواقع المعقد بمسألة نسبية المعرفة. فكر هيوم على سبيل المثال، في حدود التجربة البشرية، وأشار إلى أن كل معرفة تأتي عبر الحواس، وأن العقل لا يملك القدرة على الوصول إلى "الضروري" بشكل مطلق. في هذا الصدد، يصبح اللايقين المعرفي ليس حالة مؤقتة، بل شرطا جوهريا للوجود البشري، وهو ما يحيلنا إلى ضرورة التواضع المعرفي. تواضع العقل أمام التعقيد لا يعني التوقف عن التفكير، بل إدراك أن الفهم الكامل قد يكون خارج إمكانياتنا، وأن كل نظرية أو تصور هو تقريب، وليس حقيقة مطلقة.
ويتضح هذا اللايقين أيضا في مسألة التنبؤ بالمستقبل، سواء على المستوى العلمي أو الاجتماعي. النظريات الاقتصادية على سبيل المثال، تواجه صعوبة هائلة في توقع الأزمات المالية بشكل دقيق، على الرغم من توفر البيانات الضخمة ونماذج المحاكاة المتقدمة. نفس الأمر ينطبق على العلوم الطبيعية، حيث تواجه التغيرات المناخية والنظم البيئية قدرا هائلا من عدم اليقين بسبب التعقيد الداخلي والتفاعل المستمر بين العوامل المختلفة. إن العقل مهما بلغ من قوة التحليل، يجد نفسه أمام حدود جوهرية لا يمكن تجاوزها إلا بقبول اللايقين كأساس للتفكير.
لكن اللايقين المعرفي ليس دعوة للاستسلام، بل هو فرصة للتفكير النقدي والإبداعي. الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أشار إلى أن المعرفة ليست ثابتة، بل هي شبكة من العلاقات تتغير وفقا للزمن والمكان والسلطة. وعندما يعترف العقل بهذه الطبيعة المتغيرة، يصبح أكثر قدرة على التكيف مع التعقيد، وأكثر استعدادا لتطوير أدوات معرفية تتعامل مع عدم اليقين بمرونة ووعي. اللايقين هنا ليس عدو العقل، بل صديق يستحثه على تجاوز التبسيطات، والابتعاد عن الاستنتاجات المطمئنة الزائفة، والانخراط في حوار مستمر مع الواقع المتغير.
كما يمكن النظر إلى اللايقين من زاوية فلسفة العلوم. كارل بوبر مثلا، في نقده للمنهج الاستقرائي، أكد أن كل نظرية علمية تبقى قابلة للدحض، وأن اليقين النهائي غير ممكن. هذا الطرح يعيد العقل إلى موقعه الطبيعي كمتأمل ومراقب ومجرب، لا كحامل للحقائق المطلقة. فلسفة بوبر تفرض علينا أن نرى المعرفة كمسعى مستمر، لا كهدف مكتمل، وأن نفهم أن اللايقين المعرفي ليس ثغرة في الفكر، بل جزء من بنية المعرفة نفسها.
ويتجلى اللايقين أيضا في المشكلات الأخلاقية والاجتماعية. كيف يمكن للإنسان أن يتصرف في عالم يتغير بوتيرة سريعة، مع توفر معلومات متناقضة ومصالح متضاربة وقيم متغيرة؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن كل حكم أخلاقي أو معرفي يأتي ضمن إطار محدود. إن اللايقين هنا ليس مجرد نقص في المعرفة، بل شرط جوهري لكل محاولة للقرار والفعل.
في مواجهة هذا التعقيد، تقدم الفلسفة أدوات نقدية أساسية، لكنها تدعو أيضا إلى إعادة النظر في مفهوم اليقين نفسه. فالعقل، بدلاً من البحث عن معرفة مطلقة، يمكن أن يتجه نحو فهم النسبية والاحتمالات والمرونة في التفسير. مثل هذا الفهم يعيد الفلسفة إلى جوهرها النقدي، ويجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الواقع المعاصر، حيث تتقاطع المعرفة بالتحليل والتجربة والسياق الاجتماعي والتكنولوجيا، والقدرة على التنبؤ المحدودة.
وفي هذا الإطار، يصبح اللايقين المعرفي ليس مجرد ظاهرة سلبية، بل مصدرا للإبداع والتجديد. فالفيزياء الحديثة على سبيل المثال، ابتداءً من ميكانيكا الكم إلى نظرية النسبية، تواجه حدود المعرفة الكلاسيكية، وتظهر أن الواقع نفسه يحتوي على مستويات من عدم اليقين والاحتمالات. عقل الإنسان عندما يواجه هذا الواقع، ليس مجرد مراقب سلبي، بل كمشارك في صياغة تصورات جديدة، قادرة على التعايش مع الغموض وتجاوز التوقعات البسيطة، والاندماج مع تعقيد الطبيعة.
إن الفلسفة المعاصرة لم تعد تبحث عن اليقين، بل عن الحكمة في التعامل مع اللايقين. فالحكمة ليست معرفة كل شيء، بل إدراك حدود المعرفة، والقدرة على اتخاذ قرارات متوازنة في عالم معقد، والوعي بأن الحقيقة غالبا ما تكون متعددة الأبعاد ومفتوحة على التأويل. الغزالي، في كتابه "تهافت الفلاسفة"، أشار إلى أن العقل البشري محدود، وأن التواضع أمام حدود الإدراك هو السبيل إلى الفهم الحقيقي. هذه النظرة ما زالت صالحة اليوم، إذ يواجه العقل المعاصر شبكة معقدة من المعلومات والعلاقات والتفاعلات، ويحتاج إلى تواضع معرفي وفلسفي لمواجهة ذلك.
اللايقين المعرفي إذن، ليس عائقا أمام التفكير الفلسفي، بل محفزا له. هو الذي يجعل الفلاسفة يتساءلون عن طبيعة الحقيقة، عن حدود العقل، عن العلاقة بين المعرفة والواقع، وعن دور الإنسان في الكون. إنه ما يميز الفلسفة عن العلوم الصرفة، إذ الفلسفة بوعيها بالحدود، تخلق مساحة للتأمل النقدي وللتساؤل العميق، وللاختلاف البناء.
إن تأمل اللايقين المعرفي يعيدنا إلى السؤال الأساسي: ما معنى المعرفة إذا لم تكن مطلقة؟ وهل يمكن للعقل أن يتجاوز حدود ذاته؟ هذه الأسئلة التي واجهت أفلاطون وسقراط وهيوم وديكارت، تتجدد اليوم في سياق التعقيد المعاصر، حيث تتشابك التكنولوجيا مع الاقتصاد، والسياسة مع البيئة، والعلوم الطبيعية مع الأخلاقيات. وعندما يدرك العقل هذه الحدود يصبح أكثر حرية، وأكثر قدرة على التعامل مع الواقع بواقعية، وأكثر استعدادا لقبول الغموض كجزء لا يتجزأ من تجربة الوجود.
إن اللايقين المعرفي هو المرآة التي تعكس حدود العقل البشري، ولكنه أيضا الجسر الذي يربط بين المعرفة والفهم، بين التجربة والتأمل، وبين الفرد والمجتمع. الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن البحث عن اليقين هو في جوهره بحث عن التوازن بين ما نعرفه وما لا نعرفه، بين الثابت والمتغير، وبين القابل للتحليل وغير القابل للإدراك الكامل. وهذا الإدراك العميق للحدود، هو ما يمنح الفلسفة قوتها المستمرة، وقدرتها على مواجهة التعقيد المعاصر، دون أن تفقد جذورها النقدية، أو قدرتها على الإبداع والتأمل العميق.
إذا كان اللايقين المعرفي يمثل حالة طبيعية وضرورية لإدراك حدود العقل البشري، فإن أثره يتجاوز مجرد مستوى التفكير الفردي، ليصل إلى صميم النشاطات العلمية والاجتماعية والسياسية. فالعقل في مواجهة التعقيد المعاصر، لا يواجه نقصا في المعلومات فحسب، بل يجد نفسه أمام شبكة من الظواهر المتشابكة والمتغيرة، حيث لا يمكن لأي منهج أن يضمن اليقين المطلق أو التنبؤ الكامل. وهنا تكمن المفارقة: المعرفة تتزايد يوميا، بينما يقيننا في تفسيرها يظل هشا، مما يفرض على الفلسفة إعادة النظر في مفاهيمها التقليدية عن الحقيقة واليقين والمعرفة.
على مستوى العلوم الطبيعية، يكشف اللايقين المعرفي عن حدود المنهج التجريبي نفسه. ففي الفيزياء الحديثة، أظهر مبدأ عدم اليقين الذي صاغه هايزنبرغ أن المعرفة عن موقع وسرعة الجسيمات لا يمكن أن تكون مطلقة في آن واحد، وأن طبيعة الواقع على المستوى الكمي لا تسمح للعقل البشري بتحقيق اليقين الكامل. هذه الحقيقة رغم طبيعتها العلمية، تحمل أبعادا فلسفية عميقة، إذ تؤكد أن الوجود نفسه قد يكون قائما على احتمالات غير محددة مسبقا، وأن العقل مهما بلغ من الدقة، يظل متأثرا بقيود هذه الطبيعة الاحتمالية.
إن هذا المبدأ ليس مجرد مسألة تقنية فيزيائية، بل يطرح أسئلة معرفية شاملة حول حدود الإدراك البشري، هل يمكن للعلم أن يصل إلى الحقيقة النهائية عن العالم؟ أم أن كل نظرية تبقى تقريبية ومرتبطة بالوسائل والأساليب المستخدمة؟ كما أشار الفيلسوف وعالم الفيزياء كارل بوبر، فإن كل نظرية علمية قابلة للدحض، وأنه لا يمكن لأي نموذج أن يزعم اليقين المطلق، ما يعني أن الفلسفة لا تزال مطلوبة لتفسير حدود هذه المعرفة ومآلاتها.
على مستوى العلوم الاجتماعية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وإلحاحا، إذ تتشابك العوامل الاقتصادية، السياسية، الثقافية والبيئية، لتشكل أنظمة معقدة يصعب على العقل التنبؤ بها أو ضبطها بشكل كامل. نذكر هنا المحاولات الاقتصادية للتنبؤ بالأزمات المالية، أو التنبؤ بالاتجاهات الاجتماعية والسياسية الكبرى، والتي غالبا ما تصطدم بالتحولات المفاجئة وغير المتوقعة. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان إلى أن "النظام الاجتماعي الحديث معقد بدرجة تجعل من كل محاولة للنظام والمراقبة مصدرا للارتباك واللايقين". هذه الرؤية تكشف أن اللايقين ليس مجرد نقص معرفي، بل نتيجة طبيعية لتعقيد العالم نفسه، الذي لا يمكن اختزاله إلى معادلات أو نماذج بسيطة.
يتجلى اللايقين أيضا في البنى الأخلاقية. ففي عالم متغير، تصبح الموازين التقليدية للخير والشر والحكم على الفعل صعبة التطبيق. ففي الفلسفة الأخلاقية، يجد العقل نفسه أمام مفارقة اللايقين: كيف يمكن إصدار أحكام أخلاقية في غياب معرفة شاملة بالعواقب أو بمآلات الفعل؟ هانز جورج غادامير في فلسفة التفسير، أشار إلى أن فهم الإنسان للعالم مشروط بالسياق التاريخي والثقافي، وأن الحكم الأخلاقي يأتي ضمن إطار محدود لا يمكن أن يكون مطلقا. هذه الحالة تجبرنا على إدراك أن اللايقين جزء من تجربة الفعل الإنساني، وأن الحكمة ليست في معرفة كل النتائج، بل في القدرة على التعامل مع احتمالاتها المتعددة بوعي ونزاهة.
اللايقين المعرفي إذن، ليس حالة سلبية فحسب، بل هو عامل إبداعي وتحفيزي للفكر. الفلسفة المعاصرة تدرك أن البحث عن اليقين المطلق في عالم معقد ليس الهدف، بل الهدف هو تطوير أدوات ذهنية ونقدية قادرة على التعامل مع الغموض. هنا يظهر دور المرونة الفكرية، التي تجعل العقل مستعدا لتغيير التصورات والتخلي عن الثوابت الزائفة، والتفاعل مع المتغيرات دون فقدان الاتجاه أو الهوية الفلسفية. بهذا المعنى، يصبح اللايقين محركا للإبداع، ومصدرا لتطوير نظريات ومناهج جديدة تتناسب مع طبيعة العالم المعقدة.
الفلاسفة المعاصرون مثل ميشيل فوكو يوضحون أن المعرفة ليست مجرد اكتشاف للحقائق، بل هي شبكة من العلاقات تتغير بحسب الزمان والمكان وسلطة الفكر. وبقبول العقل لهذا الواقع، يصبح اللايقين شرطا ضروريا للتفكير النقدي. إنه يفرض على الإنسان أن يكون مرنا، متواضعا ومستعدا دائما لإعادة التقييم، بدل التمسك بمبادئ جامدة قد تصبح عائقا أمام الفهم الحقيقي.
هذا الواقع يفرض أيضا إعادة النظر في مفهوم الحقيقة نفسها. فاللايقين المعرفي يشير إلى أن الحقيقة ليست مطلقة ولا مستقلة عن سياقاتها، بل هي غالبا متعددة الأبعاد، نسبية، ومفتوحة على التأويل. الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط أشار إلى أن العقل البشري لا يملك الوصول إلى "الأشياء في ذاتها" مباشرة، بل يفهمها من خلال أطره المفهومية والزمانية والمكانية. هذه الرؤية تجعل اللايقين جزءا لا يتجزأ من فهم الحقيقة: كل معرفة هي تقريب، وكل تفسير محدود بالقدرات العقلية والوسائل المتاحة.
ويمكن النظر إلى اللايقين المعرفي في سياق التحولات التكنولوجية والثقافية الحديثة. الثورة الرقمية جعلت المعلومات متاحة بكثرة، ولكن هذا الوفرة المعلوماتية لا تعني بالضرورة يقينا معرفيا. فالكم الهائل من البيانات يتطلب تحليلا نقديا عميقا، وإلا أصبح مصدرا للارتباك وعدم الفهم. ويشير هذا إلى أن اللايقين المعرفي في العصر الرقمي ليس نتيجة نقص المعرفة، بل نتيجة طبيعة الواقع المعقدة والتشابك بين المعرفة والمعلومات والسياقات.
علاوة على ذلك، يعيد اللايقين المعرفي الإنسان إلى مسألة المسؤولية الفردية والاجتماعية. فالعقل الذي يدرك حدوده ويدرك احتمالات الفعل والعواقب يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات متوازنة ومسؤولة. اللايقين هنا ليس ذريعة للجمود أو الانفعال العشوائي، بل هو إطار للتأمل العميق، ووسيلة لفهم أن الفعل الإنساني في عالم معقد يجب أن يكون مدروسا، نقديا، ومفتوحا على التكيف مع المتغيرات.
ويمكن استدعاء الفلسفة الإسلامية خاصة رؤية الغزالي، الذي أكد على محدودية العقل البشري وضرورة التواضع المعرفي أمام الغيب والكون. الغزالي يشير إلى أن العقل وسيلة لفهم الجزئيات وليس مطلق المعرفة، وأن الاعتراف بالحدود هو الطريق إلى الحكمة. هذه الفكرة تلتقي مع مقاربات فلسفة العصر الحديث، حيث يصبح الوعي باللايقين شرطا للمرونة والإبداع والفهم العميق.
اللايقين المعرفي عند هذا المستوى، يخلق أيضا ديناميكية معرفية واجتماعية. فهو يفرض على المؤسسات العلمية والسياسية والاجتماعية إعادة التفكير في طرق اتخاذ القرار، وإعادة تقييم النماذج التقليدية للتخطيط والاستنتاج. وعندما يتبنى العقل الجمعي هذه المرونة، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المعقدة والمتغيرة، ويصبح التعامل مع عدم اليقين جزءا من ثقافة التفكير والتخطيط، وليس مجرد اضطراب أو ضعف معرفي.
الفلسفة في ضوء هذا اللايقين، تصبح أكثر من مجرد تأمل نظري، فهي أداة لفهم العالم وممارسة العقل بشكل فعال. اللايقين يوجهنا نحو نقد اليقين الزائف، وإدراك أن المعرفة عملية مستمرة ومتغيرة، وأن كل محاولة لتبسيط الواقع إلى مفاهيم جامدة ستفشل حتما. وبالتالي، تصبح الفلسفة وسيلة لفهم العلاقات المعقدة، وللتعامل مع الغموض بشكل واعٍ ومسؤول، ولتطوير ثقافة تفكير مستدامة قادرة على مواجهة تحديات العصر المعاصر.
وفي الجانب الأخلاقي، يعيد اللايقين صياغة معنى المسؤولية الإنسانية. فالوعي بالحدود المعرفية يعني أن كل فعل إنساني يجب أن يُدرس ضمن نطاق الاحتمالات، وأن التوقعات المطلقة قد تكون مضللة. هذا الوعي يفتح المجال لتبني مبدأ التواضع الأخلاقي، الذي يحث على التعامل مع الآخرين والمجتمع بمرونة واحترام للتعقيدات والاختلافات، ويحول اللايقين إلى أداة لتعميق الحوار والتفاهم، بدل أن يكون سببا للصراع أو الجمود الفكري.
ويبدو واضحا أن اللايقين المعرفي ليس مجرد مشكلة فلسفية نظرية، بل هو واقع يومي وشرط أساسي للتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع العالم. إنه الذي يجعل العقل البشري يعيش في حالة تأمل مستمرة، ويدفعه لإعادة تقييم مفاهيمه ومراجعة استنتاجاته، والانفتاح على احتمالات جديدة. ومن هنا، يغدو اللايقين عدم عائق أمام المعرفة، بل محفزا لتطوير وعي نقدي وأدوات تحليلية، ومقاربات فلسفية قادرة على التعامل مع تعقيد الحياة الحديثة.
إن الفلسفة عبر تاريخها الطويل، علمتنا أن العقل البشري ليس آلة للمعرفة المطلقة، بل هو أداة للتفكير النقدي، للتأمل العميق، وللاختبار المستمر للحدود. اللايقين المعرفي بهذا المعنى، ليس ثغرة أو عيبا في الفكر، بل شرطا أساسيا لفهم الذات والكون. فهو يوضح أن المعرفة ليست هدفا نهائيا، بل عملية مستمرة من البحث، التجربة، النقد والتأمل.
في واقعنا المعاصر، حيث تتشابك العوامل العلمية والاجتماعية والتكنولوجية والسياسية، يصبح اللايقين المعرفي أكثر وضوحا وأكثر إلحاحا. العقل البشري يواجه عالما متغيرا بشكل مستمر، مليئا بالاحتمالات المتعددة والتفاعلات المعقدة، مما يجعل اليقين المطلق مستحيلا. لكن هذا الواقع لا يجب أن يُنظر إليه على أنه مأزق، بل على أنه فرصة للتفكير النقدي، ولإعادة بناء أدوات المعرفة، ولتطوير مرونة عقلية وأخلاقية تمكن الإنسان من مواجهة الغموض والتحديات المعاصرة.
عندما يدرك العقل حدوده، يصبح قادرا على التفاعل مع العالم بوعي ومرونة، ويستطيع تبني مقاربات جديدة للحقيقة والمعرفة والأخلاق والفعل الاجتماعي. إن اللايقين في جوهره، يحرر الفكر من التبسيط الزائف ويدفع الفلسفة نحو نقد اليقين الزائف، وإعادة تأمل الواقع والتفكير الإبداعي المستمر.
ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار اللايقين المعرفي حجر الزاوية الذي تربط من خلاله الفلسفة بين المعرفة والعقل والتجربة الإنسانية. فهو يعلمنا التواضع أمام حدود العقل، ويحفزنا على البحث المستمر عن الفهم، ويمنحنا القدرة على مواجهة التعقيد المعاصر بوعي ومرونة ومسؤولية. إن مواجهة اللايقين لا تعني التخلي عن البحث عن الحقيقة، بل تبني أسلوب حياة معرفي وأخلاقي يتكيف مع التعقيد ويحتضن الغموض ويصنع من اللايقين مصدر قوة وإبداع.
ويبقى اللايقين المعرفي ليس فقط اختبارا للعقل بل تجربة وجودية شاملة، تجعل الإنسان أكثر قدرة على التفاعل مع عالمه، وأكثر حكمة في ممارسته للفكر والمعرفة، وأكثر إدراكا لعلاقته بالكون والحياة والآخرين. وفي سياقنا هذا، تصبح الفلسفة المعاصرة دعوة مستمرة للتأمل وإدراك حدود العقل، واستخدام اللايقين كمرشد ومرآة ووسيلة للتجديد الفكري والأخلاقي والمعرفي.
***
د. حمزة مولخنيف






