قضايا

حاتم حميد محسن: لماذا لا يُستخدم مفهوم السبنسرية الاجتماعية؟

كان هربرت سبنسر أول من صاغ عبارة "بقاء الأصلح" وطبّق التفكير التطوري على الثقافة والمجتمع البشري. هذا خلق بعض الاستياء لدى بعض الباحثين والطلاب الذين تساءلوا لماذا يستعملون عبارة "الدارونية الاجتماعية" بينما وصفت أعمال هربرت سبنسر سلفا تكيّف الانسان للبيئة الاجتماعية؟ "الدارونية الاجتماعية" تعني تطبيق أفكار دارون على دراسة المجتمع البشري. نظرية دارون في التطور نشأت من مشاهداته الميدانية للعالم الطبيعي خاصة تلك المشاهدات التي أجراها اثناء رحلته الاستكشافية المكثفة على متن سفينة HMS بيغل في بداية عام 1830، في جنوب أمريكا وجزر غالاباغوس. هو لاحظ ان مختلف الأنواع الحية ذات الترابط الوثيق مثل الطيور والسلاحف وحيوانات أخرى اختلفت عن بعضها البعض بطرق بدت فيها "ملائمة" بشكل خاص لبيئاتها المحددة. دارون استنتج انها كانت تتطور عبر ملايين السنين. جوهر نظرية دارون في الكيفية التي يعمل بها التطور هو ان الطفرات (تغيرات جسدية عشوائية قابلة للتوريث) تحدث من حين لآخر. ان بعض هذه الطفرات تحسّن قدرة الافراد على النجاة من بيئتهم، لذا يكون لديهم فرصة أكبر للبقاء لفترة تكفي للتكاثر، عندما يتم "اختيار" السمات المحسنة عشوائيا. هذه السمات الجديدة تنتقل الى الجيل القادم، والسمات المحسنة سوف تنتشر تدريجيا عبر السكان بسبب ملائمتها.

بدأ دارون نشر نتائج بحوثه في العديد من المطبوعات بدءاً من أواخر عام 1830. أفكاره في الاختيار الطبيعي لم يتم توضيحها بشكل تفصيلي الاّ في عام 1858 في ورقة بعنوان "حول ميل الأنواع لتشكيل سمات مختلفة، وادامة أصناف وأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي". القليل من الناس في ذلك الوقت اولوا اهتماما لهذه الورقة، وان بعض النقاد يدّعون ان لا شيء فيها يحمل قيمة جديدة. في النهاية نشر دارون مفهومه للاختيار الطبيعي بعد سنة في كتابه اصل الأنواع بوسائل الاختيار الطبيعي ، او الحفاظ على الاجناس المفضلة في الصراع لأجل الحياة.

في تلك الاثناء، وفي جزء آخر من إنجلترا، كان هربرت سبنسر (1820-1903) يكتسب سمعة سيئة بسبب نظرياته في التطور. لاحظ سبنسر انه، تماما مثل العديد من الأنواع الحيوانية، انتشر الانسان على نطاق واسع عبر الكوكب وواجه مجموعة من المناخات والبيئات. هو تساءل لماذا لم يتطور الناس الى أنواع متنوعة ومنفصلة على نطاق واسع كما فعلت الحيوانات الأخرى، مثل السلاحف والسحالي. علل سبنسر ذلك في ان البشر يتكيفون للتغيرات في البيئة المادية من خلال التكيف الثقافي بدلا من التكيف البايولوجي. هو وصف التكيفات الثقافية الناجحة طبقا لمفهومه في بقاء الأصلح. في هذا التطبيق، تعلن عقيدة البقاء للأصلح ان أولئك الذين هم اكثر قدرة على التكيف مع التغيرات الثقافية للبيئة هم الأكثر نجاحا  في المجتمع (مثل المكانة، الموارد وغيرها). هؤلاء الافراد الناجحون ينقلون قدراتهم في التكيف الثقافي لذريتهم. كذلك، تتمتع الذرية بالرفاهية من وضع اكثر فائدة وتميزا في المجتمع، وهكذا هم يصبحون مرة أخرى في افضل موقع للتطور بالمعنى السوشيواقتصادي. بعد عدة أجيال، يبدأ ناس معينون التمتع بالرفاهيات التي لا تتوفر لنظرائهم. جادل سبنسر انه كما في التطور البايولوجي، التطور الثقافي كان قوة مستمرة لا يمكن ايقافها.

في كتابه (السكون الاجتماعي،1851) ادّعى سبنسر ان التطور في المجتمع الإنساني هو في النهاية مسألة بقاء الاصلح. وطبقا لذلك، تتولى العمليات التطورية تصفية غير اللائقين، والمحصلة النهائية تكون مجتمع اكثر تقدما. يكرر سبنسر ان التكيف الناجح مع التغير الثقافي هو الأساس عندما يُراد للأفراد وحتى المجتمعات البقاء في البيئة الثقافية. وهكذا اعتقد سبنسر ان هذه المجتمعات التي تواجه تحدي التغير الثقافي الضروري كانت هي الأصلح (ولذلك) الأكثر احتمالا في البقاء. فمثلا، اعترف سبنسر ان رعاية الأطفال والولاء للشريك تتجذر في طبيعة البشر. المجتمع أيضا يسمح بالتغيير عند الضرورة، ربما يأخذ شكل تعدد الزوجات عندما يصبح عدد سكان المجتمع صغير جدا، على سبيل المثال.

في هذا الشأن، كان سبنسر يعتنق نوعا من النسبية الأخلاقية: معتقدات قابلة للتكيف، واخلاق يجب النظر اليها من وجهة نظر ثقافة محددة. هذه الحاجة لتكيف اخلاقي هي خصيصا صحيحة اذا كان استمرار المجتمع يعتمد على التغيير. سبنسر اعترف بطبيعة البشر البايولوجية لكنه اعتقد انها ليس ثابتة دائما وان الناس عرضة لتغيير تطوري اجتماعي. عبّر سبنسر عن نسبيته الأخلاقية وأسباب الاختلافات في العادات الاجتماعية في كتابه (مبادئ الاخلاق،1897).

في كتابه (مبادئ السوسيولوجي، 1898) وصف سبنسر أهمية حاجة المجتمع للتكيف مع بيئته عبر الفعالية الاقتصادية. اعتقد سبنسر ان المجتمعات الصناعية باستمرار تجرّب طرقا لأداء الفعاليات الاقتصادية. بعض الطرق سنكون ناجحة بينما أخرى غير ناجحة. لكن عملية التجريب بحد ذاتها لطرق جديدة للعمل اقتصاديا تحفز نحو تطوير تكنلوجيات جديدة. وان تطوير تكنلوجيات متقدمة يجعل المجتمع اكثر لياقة للبقاء في البيئة الاقتصادية العالمية. ان تطوير تكنلوجيا الكومبيوتر وتكنلوجيا الليزر وعلوم الطب يعطي امثلة عن التطور الثقافي الحالي (سبنسرية اجتماعية).

في المجتمعات الغربية يتم تعليم الأطفال في المدرسة كيفية استعمال الكومبيوتر بالمعنى الثقافي والاقتصادي، هذا يعطيهم ويعطي المجتمع الذي ينتمون اليه ميزة هائلة قياسا بالمجتمعات التي فشلت بدمج هذه التكنلوجيا. جادل سبنسر ان التطورات في التكنلوجيا العسكرية ساعدت أيضا لجعل المجتمع اكثر لياقة. في كتابه (تطور المجتمع،1876) هو يقول:

"في الصراع لأجل الوجود بين المجتمعات، بقاء الاصلح هو بقاء أولئك الذين تكون فيهم  قوة التعاون العسكري هي الأكبر، والتعاون العسكري هو النوع الرئيسي للتعاون الذي يمهد الطريق للأنواع الأخرى. لذلك فان هذا التكوين لمجتمعات اكبر بواسطة اتحاد مجتمعات اصغر في الحرب، وهذا التحطيم او امتصاص المجتمعات الصغيرة غير الموحدة من جانب المجتمعات الموحدة الأكبر هو عملية حتمية من خلالها حل تكيف مختلف الناس لحياة اجتماعية محل الأنواع الأقل تكيفا"(ص78).

نقاش سبنسر للمجتمعات الصناعية العسكرية يقدم رؤى لنظرياته التطورية. بالتأكيد تمثل الحرب اكثر الاشكال تطرفا لبقاء الاصلح.

سبنسر مقابل دارون

موضوع دارون الرئيسي للدراسة كان العالم الطبيعي للنباتات والحيوانات، بينما موضوع سبنسر الرئيسي كان المجتمع البشري. هذا الادراك يقودنا رجوعا للسؤال المطروح في بداية المقال هذا – لماذا نستعمل تعبير "الدارونية الاجتماعية" بدلا من القول "سبنسرية اجتماعية"؟ الدارونية الاجتماعية تستلزم تطبيق أفكار دارون البايولوجية (الاختيار الطبيعي) على العالم الاجتماعي – لكن هربرت سبنسر عمل ذلك سلفا بعمله بقاء الاصلح من خلال التطور الثقافي.

ان شعار "الدارونية الاجتماعية "جرى تطبيقه على أفكار كثيرة نوقشت في علم اجتماع سبنسر. فمثلا، جرى تطبيقه على الصراع بين الجماعات، والمنافسة، خاصة دور السلطة والثروة، الكولنيالية والامبريالية، مبادئ عدم التدخل في الاقتصاد، العسكرتاريا، وبرامج تحسين النسل. عالج سبنسر كل هذه المجالات من منظور التطور الثقافي وبقاء الاصلح.

دراسات دارون الطبيعية الملفتة اثّرت على العديد من العلماء في الماضي والحاضر وتستحق أوسمة التقدير. لكن الفكرة التي نطرحها هنا هي ان سبنسر أيضا أعطى رؤى عظيمة حول الطبيعة الثقافية. باختصار، مفاهيم "الاختيار الطبيعي" و "بقاء الاصلح" هي بالتأكيد مترابطة، لكن هناك أيضا بقاء الاصلح في عبارات او سياقات ثقافية. لابد من الاعتراف بمساهمات سبنسر عبر استخدام مصطلح "السبنسرية الاجتماعية" حينما يطبق التفكير التكيفي بشكل خاص على المجتمع الإنساني.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم