قضايا
جمال العتّابي: جغرافيا الجمال
كنت والصديق الكاتب ـ الطبيب ـ حيدر المحسن نتبادل الحديث عن جمال المرأة، الجمال لا يخصّ مظهراً بعينه فيها، بقدر ما يعود إلى رؤية جمالية وثقافية كاملة، تعكس ذائقة مجتمع، وخبراته الفنية، وتصوراته عن الرقة والفتنة والعذوبة. لذلك بدا لافتاً لي ما أشار إليه المحسن حين يرى أن كفّ المرأة معيار دقيق لجمالها، في رقّته، وتناسق أصابعه، ورشاقة حركته، وحتى في علاقته غير المرئية بعذوبة الصوت. كأن الجمال مستور لا يعلن عن نفسه، إنما نستدلّ عليه. ظل هذا الرأي عالقاً في ذهني منذ سنوات، صار الإحساس مقيماً فيّ لا عارضاً، ولهذا لم يغادرني. والمحسن نقلني من حيث لا أدري من مناطق الجمال المعروفة، إلى أخرى، أسميها: الجمال الهامس. لقد وجدت ما هو أصدق منها، حينما لا تجيد الكفّ التمثيل، بينما تحسنه الملامح الأخرى. أراقب المرأة كيف تحرك يدها، كيف تتركها تستريح، أو تمشط شعرها، أو حين تضعها في جيب معطفها، أو تشتبك بيد حبيبها.
الحديث عن كفّ المرأة بوصفه مؤشراً للجمال ليس شائعاً في التداول الثقافي، ومن النادر أن يتناوله الشعراء، لكنه رأي ذكي ودقيق، وينتمي إلى ما يمكن تسميته بالجماليات الخفية. الكف لا تتجمّل، ولا تتباهى، لا تطلب الإعجاب، تفعل ما تفعل، الوجه يتعلّم الأقنعة، أما اليد فتبقى الأقرب إلى حقيقتها الأولى. وحقيقة الأمر هي غير ما نتوهم، لا معيار واحد يمكن ترجيحه دون أن نظلم سواه. فالجمال ليس مسابقة قياس، بل تجربة إحساس. وما يجمع عليه البشر، على اختلاف ثقافاتهم، هو أن الجمال الأعمق هو ذاك الذي يستمر: جمال الذكاء، واللطف، والحضور، والقدرة على الإشراق في حياة الآخرين. والجمال الحقيقي يعمل بصمت بعيداً عن الضوء، وحين نتحدث عن جمال المرأة، فإنَ أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو لغة السوق: القياس، المقارنة، وكأن الجمال سلعة موضوعة على رفّ، والعيون زبائن، والإعجاب فعل شراء.
الجمال حالة وجود، شيء آخر حين تكون المرأة على طبيعتها، تمارس حضورها في الحياة بلا ادّعاء، فلم نعد نبحث عمّا يرضي ذائقتنا، بل عمّا يكشف جوهر حضورها الإنساني. جمال المرأة، بهذا المعنى ليس شيئاً نمتلكه بنظرة، بل تجربة نستدعى إليها، هو جمال لا يقبل التصنيف. هو ليس موضعاً جغرافياً في الجسد، بل حالة انسجام. في الكفّ حين تمنح، وفي الساق حين تخطو بثقة، وفي الوجه حين يبتسم بصدق، وفي العقل حين يضيء. أما أجمل ما فيه، فهو قابليته الدائمة لأن يُرى بعيون مختلفة، ويُعاد اكتشافه في كل ثقافة، وكل زمن، وكل قلب.
في الثقافة الصينية، ذائقة جمالية حديثة تشكّلت مع التحوّل الحضري، والأزياء، والإعلام، وصناعة الموضة. الساق لدى الصينيين تُعدّ رمزاً للرشاقة، والصحة، والتوازن الجسدي، وتُستثمر بقوة في تلك الميادين حتى باتت جزءاً من «الهوية الجمالية» الشائعة، لاسيما في المدن الكبرى. تعرفت على هذا المزاج حين زرت الصين، وتحديداً مدينتي «شنغهاي» و»أوهان» أثناء وجود نجلي فرات هناك لإكمال دراسة الدكتوراه في مجال تخصصه الجمالي. كنت أمارس دهشتي بصمت أب يزور عالماً آخر، كانت عيناي ـ على عادتهما القديمة ـ تذهبان إلى الوجوه، تلتقطان الملامح كما تعودتا، أعود بخيبة سريعة: الجمال هنا لا يشبه ما خزّنته الذاكرة. يراقبني فرات من طرف خفي، يعرف تلك النظرة التي تسبق السؤال ولا تبوح به، ابتسم، ثم قال بنبرة العارف الذي اكتشف سراً صغيراً: بابا: أنت تبحث في المكان الخطأ، الصينيون لا يضعون جمال المرأة في وجهها، بل في سيقانها. توقفت لحظة، ضحكت، أدركت أنني في حضرة الولد، كنت ما أزال تلميذاً في جغرافيا الجمال. لكن الأهم، يتابع فرات القول: ليست الساق وحدها. فالجمال في الصين يتوزّع أيضاً على نعومة البشرة، والانسجام العام، وخفّة الحركة. أي أن الساق اختُيرت بوصفها «علامة» دالّة لا كجوهرٍ وحيد.
هل توجد حالات مماثلة لدى شعوب أخرى؟ سألته، بوصفه طالباً يدرس علم الجمال:
نعم، وبكثرة. كل ثقافة تميل إلى إبراز عضو أو سمة بوصفها معياراً مفضّلاً للجمال، وفق تاريخها وبيئتها وقيمها: يُحتفى بالطول والقامة في دول أوروبا الشمالية (الإسكندنافية مثلاً). وتتقدم العيون في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وفي ثقافات افريقية ومتوسطية تبدو كثافة الشعر وقوّته وتموّجه علامة جمال وحيوية، بينما ارتبط الشعر الأشقر تاريخياً بالأنوثة المثالية في المخيال الغربي. أدركت حينذاك أن لكل شعب بوصلته الجمالية، والجمال مثل الحقيقة لا يقيم دائماً حيث نظن ونعتقد.
***
جمال العتّابي






