قضايا
حاتم حميد محسن: اذا كان التطور واقعيا فلماذا لا يحدث الآن؟
يوضح الأنثروبولوجي مايكل. أ. ليتل Michael A. Little (1) بان الانسان في الحقيقة لايزال يتطور. العديد من الناس يعتقدون اننا كبشر انتصرنا على الطبيعة من خلال التفوق العلمي والتكنلوجي. البعض أيضا يعتقد اننا بسبب كوننا مختلفين عن المخلوقات الأخرى، نمتلك سيطرة تامة على مصيرنا ولا نحتاج للتطور. ولكن حتى لو اعتقد معظم الناس بهذا، فهو غير صحيح.
كباقي المخلوقات الأخرى، تشكّل الناس بفعل التطور. وبمرور الزمن، نحن طوّرنا ولانزال نطوّر السمات التي تساعدنا في البقاء والازدهار في البيئات التي نعيش فيها.
نظر الانثروبولوجي مايكل في الكيفية التي يتكيّف بها الانسان في مختلف البيئات. التكيف جزء هام من التطور وهو سمات تعطي للشخص مزايا في بيئته. الناس الذين يمتلكون تلك السمات لديهم حظ اكبر في البقاء ولديهم القدرة على نقل تلك السمات الى أطفالهم. وبمرور عدة أجيال، تصبح تلك السمات منتشرة على نطاق واسع بين السكان.
دور الثقافة
نحن البشر نمتلك ايادي تساعدنا في استعمال الأدوات والاشياء الأخرى. نحن قادرون على المشي والركض على ساقين الأمر الذي يحرر أيدينا للقيام بتلك المهام ذات المهارة . كما نمتلك أدمغة كبيرة تسمح لنا بالتفكير وخلق أفكار جديدة والعيش بنجاح مع الناس الآخرين ضمن جماعات اجتماعية.
كل هذه السمات ساعدت الانسان على تطوير الثقافة. هذه الثقافة تتضمن كل أفكارنا وعقائدنا وقدراتنا على التخطيط والتفكير حول الحاضر والمستقبل. انها أيضا تتضمن قدراتنا على تغيير بيئتنا، مثلا عبر صنع الأدوات وزراعة المحاصيل . وبالرغم من اننا غيّرنا بيئتنا بعدة طرق عبر آلاف السنين، نحن لانزال نتغير بواسطة التطور. نحن لم نوقف التطور بل نتطور حتى الآن بطرق مختلفة أكثر من أسلافنا القدماء. بيئاتنا تتغير بواسطة ثقافتنا. نحن عادة نفكر بالبيئة مثل الطقس والنباتات والحيوانات الموجودة في مكان معين. لكن البيئات تتضمن الطعام الذي نأكل والامراض المعدية التي نتعرض لها. الجزء الهام جدا من البيئة هو المناخ ونوع الظروف التي نعيش فيها. ثقافتنا تساعدنا ان نغيّر من طريقة تعرّضنا للمناخ . فمثلا، نحن نبني بيوتا ونضع فيها أفرانا وأجهزة تكييف هواء. لكن الثقافة لا تحمينا تماما من الحر الشديد او البرد وأشعة الشمس.
قبائل توركان في كينيا تطورت للبقاء بأقل كمية ماء قياسا بالآخرين، وهذا يساعدها للعيش في البيئة الصحراوية. هنا بعض الأمثلة عن كيفية تطوّر البشر في العشرة آلاف سنة الماضية وكيف استمروا بالتطور اليوم.
قوة أشعة الشمس
بينما تُعتبر اشعة الشمس هامة لحياة كوكبنا، لكن الأشعة فوق البنفسجية يمكن ان تضر جلد الانسان. أولئك ذوي البشرة الشاحبة هم في خطر من حروق الشمس الخطيرة وكذلك من أمراض سرطان الجلد . بالمقابل، البعض من يحملون صبغة الجلد، تسمى ميلانين، لديهم حماية من اضرار الاشعة فوق البنفسجية القادمة من الشمس. الناس في المناطق الاستوائية ذوي الجلد الداكن هم اكثر قدرة على تحمّل اشعة الشمس الحارقة. مع ذلك، عندما انتقل الناس القدماء الى مناطق غائمة وباردة ،لم يعودوا بحاجة الى جلد أسود. الجلد الأسود في الأماكن الغائمة منع انتاج فيتامين D في الجلد الذي هو ضروري لنمو العظام الطبيعية في الأطفال والبالغين.
ان كمية صبغة الميلانين في جلدنا يتم التحكم بها بجيناتنا. لذا في هذه الطريقة، كان تطور الانسان خاضعا للبيئة – مشمس او غائم – في مختلف أجزاء العالم.
الطعام الذي نأكل
قبل عشرة آلاف سنة، قام أسلافنا البشر بترويض وتدجين الحيوانات مثل الأغنام
والماعز ليأكلوا لحمها. وبعد حوالي 2000 سنة، هم تعلموا كيف يحلبون الابقار والماعز للحصول على هذا الغذاء الغني. لسوء الحظ، كما في معظم الثدييات الأخرى في ذلك الوقت، لم يكن البشر البالغون قادرين على هضم الحليب بدون الشعور بمرض. لكن قلة من الناس كانوا قادرين على هضم الطعام لأن جيناتهم تسمح لهم القيام بهذا.
كان الحليب مصدرا هاما للغذاء في تلك المجتمعات حيث ان الناس الذين يستطيعون هضم الحليب هم اكثر قدرة على البقاء وانجاب الأطفال . وهكذا ازدادت بين السكان الجينات التي سمحت لهم بهضم الحليب حتى اصبح كل واحد تقريبا يستطيع شرب الحليب .
العملية التي حدثت وانتشرت قبل الاف السنين هي مثال لما يسمى التطور الثقافي البايولوجي المشترك co-evolution . ان الممارسة الثقافية في استخراج الحليب من الحيوانات هي التي قادت الى هذه التغييرات الجينية او البايولوجية.
ناس آخرون مثل شعب الانويت Inuit في غرينلاند لديهم جينات تمكّنهم من هضم الدهون بدون المعاناة من امراض القلب. جماعات توركانا Turkana ترعى الماشية في كينيا في أماكن جافة جدا من افريقيا. هم لديهم جين سمح لهم للترحال لفترات طويلة بدون شرب الماء. هذه الممارسة تسبب ضررا بالكلية لدى ناس آخرين لأن الكلية تنظّم الماء في الجسم.
هذه الأمثلة تبيّن كيف ان التنوع الملحوظ في الطعام الذي يتناوله الناس حول العالم يمكن ان يؤثر على التطور.
الأمراض التي تهددنا
كما في كل المخلوقات الحية، كان البشر معرضين للعديد من الامراض المعدية. خلال القرن الرابع عشر انتشر مرض مميت سمي طاعون الدبلي ضرب وبسرعة منطقة اوربا واسيا و قتل حوالي ثلث السكان في اوربا. العديد من أولئك الذين نجوا كان لديهم جين خاص منحهم مقاومة ضد المرض. أولئك الناس وذريتهم كانوا اكثر قدرة على النجاة من الأوبئة التي أعقبت لعدة قرون.
بعض الامراض تفشت مؤخرا مثل كوفيد 19 الذي اكتسح العالم عام 2020. اللقاحات انقذت العديد من البشر. بعض الناس لديهم مقاومة طبيعية للفايروس معتمدة على جيناتهم. ان التطور يزيد هذه المقاومة في السكان ويساعد البشر على مقاومة الفايروسات المعدية في المستقبل.
الناس عرضة لمختلف التغيرات البيئية. وهكذا يستمر التطور في عدة مجموعات سكانية عبر الأجيال بما فيها الآن.
***
حاتم حميد محسن
........................
الهوامش
(1) بروفيسور في الأنثروبولوجي في جامعة ولاية نيويورك في مقال له في The conversation بتاريخ 17 نوفمبر 2025.






