أقلام حرة
محمد غاني: جميل الستر حِبّي
كان احد الصالحين بمدينة فاس يردد متجولا في المدينة العتيقة بصوت جهوري: يا جميل الستر. كلمة دخلت اعماق القلب فتركت في تساؤلات عدة من اجل فهم تجلياتها المتعددة التي جعلت هذا الصالح يردد طول حياته فقط هاته الكلمة ويشير للآخرين لقيمتها ان هم فهموا اشاراته
ان كلمة "جميل الستر": لهي فعلا من تجليات المحبة الإلهية ولباس كمالات الإفضال وأقمشة النوال، حيث إن العلاقة بين العبد وربه تتجلى في أسمى صورها من خلال مفاهيم عميقة تلامس الروح والوجدان، ومن أروع هذه المفاهيم وأجلها هو كلمة "جميل الستر". فهي ليست مجرد غطاء مادي يستر العيوب، بل هو فيض من المحبة الإلهية، وعطاء رباني يحيط بالإنسان في دنياه وآخرته، فيحميه من عورات النقص والزلل، ويزينه بجمال الكمالات والافضال فالله، عز وجل، هو الحبيب الذي يستر عباده، ويحب الستر، كما ورد في الحديث الشريف: "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر" أخرجه أبو داوود في سننه والنسائي .
فالستر في الدنيا والآخرة: رحمة إلهية متواصلة، حيث يتجلى جميل الستر الإلهي في حياة الإنسان على مستويين: الدنيا والآخرة. ففي الدنيا، يستر الله عيوب عباده وذنوبهم، فلا يفضحهم أمام الخلق، ويمنحهم فرصة التوبة والإنابة. وهذا الستر ليس تفضلا فحسب، بل هو دعوة للتأمل في عظمة الخالق الذي يمهل ولا يهمل، ويستر ليعطي الفرصة للإصلاح. وفي الآخرة، يكون الستر الإلهي أوج العطاء، حيث يستر الله على المؤمنين ذنوبهم ويغفرها لهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" رواه مسلم.
وهذا يؤكد أن الستر المتبادل بين العباد هو انعكاس لصفة الستر الإلهية.
لقد أشار القرآن الكريم إلى لباس التقوى كأعظم لباس يستر الإنسان، فقال تعالى: ﴿ولِباس التَقوى ذَلك خير﴾ [الأعراف: 26]. وهذا اللباس ليس من القماش، بل هو من الإيمان والعمل الصالح، يستر الإنسان من عورة الفجور والانحراف. وعلى هذا المنوال، تتعدد ألبسة الستر التي تحمي الإنسان من عورات النقص والضعف:
ـ لباس التقوى يستر من عورة الفجور: وهو اللباس الروحي الذي يحصن النفس من الوقوع في المعاصي والآثام، ويجعلها تتزين بالطاعات والفضائل.
ـ لباس العافية يستر من عورة السقم: فالعافية الشاملة في البدن والدين هي ستر من كل بلاء ومرض، وهي نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة" .
ـ لباس الصحة يستر من عورة المرض: فصحة الجسد هي ستر من آلام الأسقام وضعف البدن، تمكن الإنسان من أداء واجباته والتمتع بنعم الحياة.
ـلباس الغنى يستر من عورة الفقر: فالغنى الحلال يقي الإنسان ذل الحاجة وسؤال الناس، ويحفظ كرامته وعزته.
-لباس العلم يستر من عورة الجهل: فالعلم نور يبدد ظلمات الجهل، ويرفع قدر صاحبه، ويحميه من الوقوع في الأخطاء بسبب عدم المعرفة.
ـ لباس الفرقان يستر من ظلمة الالتباس: وهو القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، كما قال تعالى: ﴿إِن تتَقوا الله يجعل لكم فرْقانا﴾ [الأنفال: 29]. وهذا اللباس يحمي العقل من الحيرة والشك.
ـلباس اليقين يستر من عورة الوهم: فاليقين بالله تعالى وبوعده الصادق يثبت القلب ويطمئنه، ويحميه من التخبط في أوهام الشكوك والظنون.
ـ لباس الأمن يستر من عورة الخوف: فالأمن من أعظم النعم التي يمن بها الله على عباده، يزيل عنهم القلق والاضطراب، ويمنحهم الطمأنينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَآمنهم من خوف﴾ [قريش: 4].
ـ لباس النعمة يستر من عورة النقمة: فالشكر على النعم يحفظها ويزيدها، ويقي الإنسان من الوقوع في سخط الله الذي يجلب النقم.
تتوالى ألبسة الستر لتشمل جوانب أخرى من حياة الإنسان، فكل فضيلة هي ستر من رذيلة تقابلها:
ـ لباس الرضا يستر من عورة السخط: فالرضا بقضاء الله وقدره يمنح النفس سكينة وطمأنينة، ويحميها من التذمر والاعتراض.
ـ لباس الصبر يستر من عورة الجزع: فالصبر عند الشدائد والمحن هو حصن يحمي القلب من الانهيار واليأس، ويقويه على مواجهة التحديات.
ـ لباس التواضع يستر من عورة الكبر: فالتواضع يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويحميه من آفة الكبر التي تحبط الأعمال وتفرق القلوب.
ـ لباس الحلم يستر من عورة الغضب: فالحلم وكظم الغيظ يزين الإنسان بالوقار والرزانة، ويحميه من عواقب الغضب المدمرة.
ـ لباس الأنس يستر من عورة الوحشة: فالأنس بالله وبذكره، وبالصالحين، يملأ القلب طمأنينة وسعادة، ويطرد عنه وحشة الوحدة والضياع.
ـ لباس القناعة يستر من عورة الطمع: فالقناعة بما قسم الله تحرر النفس من عبودية المادة، وتجعلها غنية بالله، بعيدة عن شقاء الطمع والجشع.
ـ لباس العزة يستر من عورة الذل: فالعزة بالله ومنه، لا من المخلوق، ترفع الإنسان وتحفظ كرامته، وتحميه من الخضوع لغير الله.
ـ لباس الحياء يستر من عورة الوقاحة: فالحياء زينة للمرء، يمنعه من فعل ما يشين، ويحفظ له كرامته وهيبته.
ـ لباس الإخلاص يستر من عورة الرياء: فالإخلاص لله في الأقوال والأعمال هو جوهر العبادة، يحميها من شوائب الرياء والسمعة، ويجعلها مقبولة عند الله.
إن الله حِبّي جميل الستر لهو مفهوم شامل يمتد ليشمل كل جوانب حياتي كلها، في علاقتي بربي إلى تعاملي مع نفسي ومع الناس. إنها دعوة للتأمل في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وحث على التحلي بالفضائل التي تستر عورات النفس وتزينها بالكمال. فمن أراد أن يستر الله عليه في الدنيا والآخرة، فليستر على إخوانه، وليتزين بألبسة التقوى والعافية والعلم واليقين، وليجعل الله حبيبه وستيره في كل أحواله.
***
د. محمد غاني – كاتب من المغرب






