أقلام فكرية

زهير الخويلدي: فلسفة بول ريكور بين واقعية الحرب وغائية السلم

مقاربة سياسية ايتيقية

في إطار المقاربة السياسية الأخلاقية، تُمثل فلسفة بول ريكور حالة فريدة من التوازن الديالكتيكي بين قطبين يبدوان متناقضين في ظاهر الأمر، لكنهما متداخلان في جوهر الوجود الإنساني: واقعية الحرب التي تُقرّ بقسوة الصراع الإنساني والسلطة والعنف كعناصر بنيوية في التاريخ السياسي، وغائية السلم التي تُوجّه الإرادة الجماعية نحو هدف أخلاقي نهائي يتمثل في العدالة والمصالحة والتعايش السلمي. هذه الفلسفة ليست مجرد تأمل نظري في السياسة، بل هي عملية تأويلية حية تجعل من السياسة مجالاً أخلاقياً يتجاوز الثنائيات الساذجة بين الواقعية السياسية الخالصة (كما عند مكيافيلي أو هوبز) والمثالية الطوباوية (كما عند كانط في سلام دائم)، لتصبح بدلاً من ذلك مساراً يمر عبر الاعتراف بالشر الفعلي نحو إعادة تشكيل الواقع على أساس الرغبة في الخير المشترك.

إن ريكور، بوصفه فيلسوفاً تأويلياً، يرى في السياسة ليس مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في بناء المؤسسات العادلة التي تُحوّل الصراع إلى حوار، والحرب إلى ذاكرة تُفضي إلى سلام مستدام.

تبدأ واقعية الحرب في فلسفة ريكور من الاعتراف العميق بطبيعة الإنسان المتناقضة، حيث يُقرّ بأن العنف والصراع ليسا حادثاً عرضياً بل جزءاً من الرمزية الشريرة التي تشكل الوعي البشري. في تحليله للإرادة والفعل، يُبرز ريكور كيف أن الإنسان قادر على الفعل لكنه في الوقت نفسه عرضة للضعف والشر، فالحرب ليست مجرد مواجهة بين دول بل تجلياً للصراع الداخلي بين الرغبة والقيود، بين السلطة والعنف المقدس. هنا يستلهم ريكور من التقليد الفينومينولوجي والهرمنيوطيقي فكرة أن التاريخ السياسي مليء بـ"الرموز الشريرة" التي تُعبّر عن الإنسان في حالة السقوط: الغزو، الاستعمار، الإبادة، والديكتاتوريات التي تحول السلطة إلى هيمنة مطلقة. واقعية الحرب عنده ليست تشاؤماً بل تشخيصاً دقيقاً للأيديولوجيا كتشويه للخيال السياسي، حيث تُستخدم السلطة لتبرير العنف تحت ستار الدفاع أو التحرير.

في هذا السياق، ينتقد ريكور السياسة الواقعية التقليدية لأنها تُحوّل الصراع إلى قدر محتوم، لكنه في الوقت نفسه يرفض إنكارها، إذ يرى أن تجاهل واقع الصراع يؤدي إلى طوباوية ساذجة تُفشل في مواجهة الشر. فالحرب، في منظوره، هي التعبير الأقصى عن "الصراع من أجل الاعتراف" الذي يشكل جوهر العلاقات الإنسانية، صراع يبدأ بالفرد ويمتد إلى الجماعات والأمم، ويجعل السياسة ميداناً للقوة لا يمكن تجاوزه إلا بالاعتراف به أولاً.

غير أن هذه الواقعية لا تُغلق الأفق بل تفتحه نحو غائية السلم، ذلك البعد الغائي الذي يُشكّل قلب الأخلاق الريكورية السياسية. فالسلم عند ريكور ليس حالة سلبية من غياب الحرب، بل هدفاً أخلاقياً غائياً يتجه نحوه الفعل الإنساني من خلال "الرغبة في العيش مع الآخرين في مؤسسات عادلة". هنا يلتقي ريكور بالتقليد الأرسطي في فكرة "الحياة الجيدة" مع الكانطي في الواجب الأخلاقي، لكنه يتجاوزهما نحو ديناميكية تأويلية: السلم هو عملية إعادة تشكيل للسردية الجماعية، حيث تتحول ذاكرة الحرب من أداة انتقام إلى أساس للمصالحة. في كتاباته عن العدالة والغفران، يُبرز ريكور أن الغفران السياسي ليس نسياناً بل "ذاكرة سعيدة" تُعيد بناء الهوية الجماعية بعد الصراع، فهو يتطلب الاعتراف المتبادل بالضحية والجاني دون إلغاء أي منهما. الغائية هنا تتجلى في مفهوم "الاعتراف المتبادل" الذي يحول الصراع من حالة حرب إلى حالة سلام، حيث تصبح المؤسسات السياسية ليست أدوات قمع بل فضاءات للعدالة التوزيعية والاعترافية.

 هكذا تُصبح السياسة عند ريكور غائية بامتياز، إذ تتوجه نحو "السلم الدائم" ليس كوهم مثالي بل كمهمة أخلاقية مستمرة تتطلب الحكمة العملية التي تُوازن بين الواقع والمثال.

الجسر بين هذين القطبين في فلسفة ريكور هو الهرمنيوطيقا السياسية الأخلاقية، تلك الدائرة التأويلية التي تمر عبر ثلاث مراحل: الوصف (الواقعية)، التفسير (النقد)، وإعادة التطبيق (الغائية). في المرحلة الأولى، يُقرّ ريكور بواقع الحرب من خلال "الهرمنيوطيقا المشبوهة" التي تكشف الأيديولوجيا والسلطة المخفية وراء الخطاب السياسي. أما في المرحلة الثانية، فيأتي النقد الذي يُفكك بنى الصراع دون الوقوع في اليأس، ليفتح المجال في المرحلة الثالثة لإعادة تشكيل الواقع نحو السلم. هذا التوازن يتجلى بوضوح في نظريته عن "الأخلاق الصغيرة" التي تجمع بين هدف الحياة الجيدة (غائي)، والقاعدة الأخلاقية (واجبي)، والحكمة في السياقات الخاصة (عملي). في السياسة، يعني ذلك أن الديمقراطية ليست نظاماً مثالياً بل ممارسة هشة تتطلب الاعتراف بالصراعات الداخلية والخارجية، ثم توجيهها نحو مؤسسات تضمن العدالة. هكذا يرفض ريكور الواقعية السياسية النقية التي تُبرر الحرب إلى الأبد، كما يرفض الغائية الطوباوية التي تتجاهل الشر، ليقدم بدلاً منهما سياسة أخلاقية واقعية تُقرّ بأن السلم هو مهمة لا تنتهي، تتطلب الذاكرة والغفران والخيال السياسي الذي يُعيد صياغة المستقبل.

في تطبيقاتها السياسية المعاصرة، تُقدم فلسفة ريكور أداة قوية لفهم الصراعات الدولية والداخلية: من حروب الشرق الأوسط إلى النزاعات العرقية، حيث يصبح الغفران السياسي ليس رفاهية أخلاقية بل شرطاً للاستقرار. فالاعتراف بالضحايا، وإعادة بناء الذاكرة الجماعية، وإقامة مؤسسات عادلة، كلها خطوات تحول واقع الحرب إلى غائية سلام. هنا يبرز دور "الخيال السياسي" عند ريكور كقوة إبداعية تُتيح للمجتمعات تخيّل سلاماً يتجاوز الثأر، دون أن ينكر الجراح. إنها فلسفة تُذكّرنا بأن السياسة ليست مجرد إدارة للقوة بل فنّاً في تحويل الشر إلى خير مشترك، والحرب إلى درس يُفضي إلى سلام أعمق.

هكذا تكتمل دائرة فلسفة بول ريكور في السياسة الأخلاقية: واقعية الحرب تمنحنا الصدق مع الواقع، وغائية السلم تمنحنا الأمل في المستقبل، والهرمنيوطيقا تجمع بينهما في عملية تأويلية مستمرة. إنها ليست حلاً سحرياً للصراعات الإنسانية، بل دعوة للعمل الدؤوب الذي يجعل من السياسة مجالاً للإنسانية الكاملة، حيث يصبح السلم ليس نهاية التاريخ بل غايته الأخلاقية التي نتوجه نحوها بوعي كامل بقسوة البدايات. في عالم يتردد بين الحروب والسلام الهش، يقدم بول ريكور طريقاً ثالثاً: طريق الاعتراف والمصالحة الذي يحوّل السياسة من ساحة معركة إلى فضاء للعدالة الحية، ويجعل من كل صراع فرصة لإعادة بناء الإنسان مع الآخر في سلام يستحقه. هذا هو جوهر المقاربة السياسية الأخلاقية عند ريكور: واقعية لا تُيأس، وغائية لا تُطوب، بل ديالكتيك حي يُعيد للسياسة كرامتها الإنسانية.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

في المثقف اليوم