La philosophie de l'acculturation dans la pensée française contemporaine
مداخل وحوار ات نقدية بين دو سارتو، وفوكو، وبورديو.
مدخل: التثاقف بوصفه صراعًا على المعنى
لا يقتصر التثاقف على مجرد نقل العادات والرموز وأنماط التفكير بين المجتمعات، لأن هذا النقل لا يحدث في فضاء محايد، ولا بين ثقافات تمتلك بالضرورة القدرة نفسها على التعبير. فكل عنصر ثقافي يُدمج في سياق جديد يواجه ذاكرة سابقة، ونظام قيم، وعلاقات اجتماعية تحدد ما يمكن قبوله أو رفضه أو تعديله. لذا، فإن السؤال الفلسفي الجوهري لا يقتصر على ما يُنقل بين الثقافات فحسب، بل يشمل أيضًا مصير المعنى خلال هذا النقل، ومن يملك سلطة تحديده، وما هي الإمكانيات المتاحة للأفراد لإعادة تشكيله.
في هذا السياق، تكتسب أعمال المفكر الفرنسي ميشيل دو سارتو(Michel de* Certeau) أهمية خاصة، ولا سيما كتابيه "الثقافة بصيغة الجمع"(La Culture au pluriel) و"ابتكار الحياة اليومية (L’Invention du quotidien). ". فهو لا يقدم نظرية مستقلة مكتملة في التثاقف بالمعنى الأنثروبولوجي، لكنه يمنحنا أدوات تحليلية لفهم الكيفية التي يستعمل بها الأفراد المنتجات الثقافية، ويعيدون توظيفها داخل سياقاتهم الخاصة، حتى عندما لا يمتلكون سلطة إنتاجها أو التحكم في تداولها.
لكن قيمة فكر دي سارتو تتضح أكثر عندما يُوضع تصوره للممارسة اليومية في سياق حوار نقدي مع أعمال ميشيل فوكو** وبيير بورديو***. فبينما يُسلط فوكو الضوء على انتشار السلطة داخل الخطابات والمؤسسات والممارسات، ويُحلل بورديو إعادة إنتاج التسلسل الهرمي الاجتماعي من خلال العادة ورأس المال الثقافي، يُركز دي سيرتو على أفعال الأفراد داخل الأنظمة القائمة، وعلى إمكانيات المناورة التي تُتيح لهم إعادة استخدام ما لم يضعوا قواعد إنتاجه بأنفسهم.
أما الإشكالية التي نود الوقوف عنـدها هي كالآتي:
كيف يمكن تفسير التثاقف بوصفه صراعًا على إنتاج المعنى، في ضوء العلاقة بين السلطة والممارسة اليومية وإعادة إنتاج التراتب الثقافي؟ وهل تتيح تكتيكات دو سارتو تجاوز الهيمنة، أم أنها تكشف فقط عن إمكانات محدودة للفعل داخلها؟
سنعتمد منهجًا تحليليًا مقارنًا، بدءًا بمفاهيم دي سيرتو ومقارنتها بمفاهيم فوكو عن القوة ومفاهيم بورديو عن العادة ورأس المال الثقافي، وذلك لبناء فهم نقدي للتثاقف يربط بين الفاعلية الفردية وظروف القوة التي تُحدد نطاق ممارساتها.
1. دو سارتو: من الثقافة بوصفها منتجًا إلى الثقافة بوصفها ممارسة
يبدأ دو سارتو من مساءلة التصور الذي يجعل الثقافة مجموعة من المنتجات التي تنتجها المؤسسات وتوزعها على جمهور لا يملك سوى استهلاكها. فهذه الصورة، على الرغم من قدرتها على وصف جانب من النشاط الثقافي، تحجب مستوى آخر لا يقل أهمية: ما يفعله الأفراد بما يصل إليهم من منتجات ورموز وخطابات.
إن الفرق بين إنتاج الثقافة واستعمالها هو، في هذا السياق، فرق بين مستويين من الفاعلية. فقد تنتج المؤسسة خطابًا موجهًا إلى جمهور واسع، لكنها لا تستطيع ضمان أن يتلقى جميع الأفراد هذا الخطاب بالطريقة نفسها. وقد يضع المنتج الثقافي غاية محددة لعمله، بينما يمنح المتلقي ذلك العمل دلالة أخرى تتصل بتجاربه واحتياجاته وموقعه الاجتماعي. ومن ثم، لا ينتهي فعل الثقافة عند لحظة إنتاجها، بل يستمر داخل الممارسات التي تعيد توظيفها.
تتضح هذه الفكرة في كتاب ابتكار الحياة اليومية، حيث يحلل دو سارتو ممارسات مثل القراءة والمشي والطبخ واستعمال اللغة. ليست هذه الأنشطة مجرد أفعال روتينية هامشية، بل طرائق يتعامل بها الأفراد مع أنظمة سابقة عليهم، ويعيدون من خلالها ترتيب ما تتيحه تلك الأنظمة من إمكانات1.
فالقراءة، مثلًا، ليست تكرارًا آليًا للمعنى الذي قصده المؤلف؛ إذ يربط القارئ النص بذاكرته، وينتقي منه ما يهمه، ويعيد تفسيره انطلاقًا من أسئلته الخاصة. ولا يعني ذلك أن كل قراءة حرة بلا قيود، بل يعني أن المعنى لا يتحدد بالمقصد الأصلي وحده. فالنص يدخل في حياة القارئ، ويصبح جزءًا من شبكة جديدة من العلاقات والدلالات.
وعلى هذا الأساس، يمكن فهم التثاقف باعتباره عملية لا يقتصر فيها المجتمع المستقبل على استقبال العناصر الوافدة، وإنما يعيد تشكيلها عبر الممارسة. فاللباس والموسيقى واللغة والتقنيات وأنماط الاستهلاك لا تحتفظ دائمًا بالمعنى الذي كانت تؤديه في سياقها الأول؛ إذ قد تتحول إلى علامات على الانتماء أو التميز أو الاحتجاج أو التحديث بحسب الوسط الذي يستقبلها.
لكن هذه الفاعلية اليومية لا تعني أن المجتمع يستطيع التحكم في جميع شروط التثاقف. فالأفراد قد يغيرون استعمال المنتجات الثقافية، دون أن يمتلكوا القدرة نفسها على تحديد ما يُنتج منها، وما ينتشر، وما يحظى بالاعتراف. وهنا تحديدًا تظهر ضرورة الانتقال من تحليل الممارسة إلى تحليل السلطة.
2. الاستراتيجية والتكتيك: حدود الفعل داخل مجال الآخر
يقيم دو سارتو تمييزًا أساسيًا بين الاستراتيجية والتكتيك. فالاستراتيجية ترتبط بجهة تمتلك موقعًا خاصًا يمكنها من خلاله تنظيم المجال وتحديد قواعد الحركة داخله. أما التكتيك فيشير إلى ممارسة لا تستند إلى موقع مستقل مماثل، بل تتحرك داخل مجال ينظمه الآخر، مستثمرة الفرص المتاحة والظروف العابرة2.
لا يكمن الفرق، إذن، في أن الاستراتيجية واعية بينما التكتيك عفوي بالضرورة، بل في اختلاف شروط الفعل ومواقع الفاعلين. فالجهة الاستراتيجية تستطيع التخطيط انطلاقًا من موقع مستقر نسبيًا، بينما يضطر الفاعل التكتيكي إلى التصرف داخل شروط لا يملك التحكم الكامل فيها.
وعندما نطبق هذا التمييز على التثاقف، نجد أن المؤسسات الإعلامية والسوق والأنظمة التعليمية تستطيع إنتاج أنماط من التمثيل الثقافي، وتوزيعها، وتحديد معايير الاعتراف بها. لكنها لا تضمن السيطرة الكاملة على استعمالاتها. فالمجتمع قد يتلقى نمطًا ثقافيًا وافدًا، ثم يعيد إدخاله في منظومة محلية من العادات والمعاني، فيصبح العنصر نفسه حاملًا لدلالات مختلفة.
غير أن هذا التغير لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتصارًا تلقائيًا للمجتمع المستقبل. فقد تتغير دلالة المنتج في الحياة اليومية، بينما تظل ملكيته الاقتصادية ووسائل توزيعه وشروط انتشاره خاضعة لجهات خارجية. وقد تتحول ممارسة مبتكرة محليًا إلى سلعة تسويقية تستوعبها المؤسسة التي كانت تبدو في البداية موضعًا للمناورة.
لذلك ينبغي التمييز بين مقاومة المعنى ومقاومة البنية. فقد يستطيع الفرد رفض الدلالة التي يراد فرضها على منتج ثقافي، لكنه لا يستطيع بالضرورة تغيير البنية التي تحدد كيفية إنتاج ذلك المنتج وتوزيعه. ومن هنا لا تمثل التكتيكات بديلًا مكتملًا عن السلطة، بل تكشف عن عدم قدرتها على احتكار جميع الاستعمالات.
لا يدّعي دو سارتو أن الضعفاء ينتصرون دائمًا، بل يُبيّن لنا أن المجال الاجتماعي، حتى وإن كان مُنظّمًا من قِبل قوى مهيمنة، لا يخلو من ممارسات تُعيد تفسير قواعده وتستغلّ إمكاناته. تُثري هذه النتيجة تحليل التثاقف، لأنها تُفنّد في آنٍ واحد وهم الحرية المطلقة ووهم الخضوع التام.
3. دو سارتو وفوكو: هل يمكن الإفلات من السلطة؟
إذا كان دو سارتو يركز على إمكانات إعادة استعمال الثقافة، فإن فوكو يطرح سؤالًا أعمق عن كيفية تشكل الأفراد أنفسهم داخل علاقات السلطة. فالسلطة، في تحليلاته، لا تعمل فقط من خلال المنع والقمع، بل تنتج أيضًا المعارف والتصنيفات والمعايير التي تساعد على تشكيل السلوك وتحديد ما يبدو طبيعيًا أو مقبولًا أو منحرفًا3.
تكمن أهمية هذا التصور في أنه يمنعنا من التعامل مع الفرد باعتباره ذاتًا مكتملة تقف خارج السلطة ثم تختار الخضوع لها أو مقاومتها. فالذات نفسها تتشكل داخل تاريخ من الخطابات والمؤسسات والممارسات، وتتعلم من خلالها كيف ترى نفسها والآخرين. وبذلك لا تكون السلطة مجرد قوة خارجية تواجه الفرد، بل تدخل في تشكيل شروط فهمه لذاته وللعالم.
وعند النظر إلى التثاقف من هذا المنظور، لا يكفي أن نسأل كيف يستعمل الأفراد المنتجات الثقافية الوافدة؛ ينبغي أن نسأل أيضًا كيف تتشكل رغباتهم وأذواقهم وتصوراتهم عن التقدم والنجاح والجمال والهوية. فقد يتبنى الفرد نمطًا ثقافيًا وافدًا لا لأنه أُجبر عليه مباشرة، بل لأنه تعلم أن يراه علامة على الحداثة أو المكانة الاجتماعية أو الاعتراف.
هنا يظهر اختلاف مهم بين فوكو ودو سارتو. ففوكو يدفعنا إلى تحليل الشروط التي تجعل بعض أنماط السلوك ممكنة ومقبولة، بينما يوجه دو سارتو اهتمامنا إلى ما يفعله الأفراد بهذه الأنماط بعد دخولها في حياتهم اليومية. الأول يساعدنا على فهم كيفية تشكل المجال الذي تتحرك داخله الذات، والثاني يكشف عن طرائق استعمال هذا المجال والانحراف عن بعض وظائفه.
لكن لا ينبغي تضخيم هذا الاختلاف وتحويله إلى تعارض مطلق. ففوكو لا ينفي إمكان المقاومة، بل يرى أن علاقات السلطة تفتح إمكانات متعددة للمقاومة، وأن السلطة لا تكون علاقة مغلقة بصورة نهائية. كما أن دو سارتو لا يفترض أن الأفراد يتحركون خارج علاقات القوة؛ فالتكتيك عنده لا يملك مجالًا مستقلًا، وإنما يعمل داخل مجال الآخر.
ومع ذلك، يبقى السؤال النقدي قائمًا: هل تكفي إعادة استعمال المنتجات الثقافية لتغيير علاقات السلطة التي أسهمت في إنتاجها؟ قد يستطيع الفرد إعادة تأويل صورة إعلامية، لكنه لا يملك بالضرورة سلطة إنتاج الصور التي تهيمن على الفضاء العام. وقد يعيد المجتمع المحلي توظيف تقنية وافدة، لكنه يظل تابعًا للشركات التي تتحكم في بنيتها الاقتصادية والتقنية.
إن المقارنة بين المفكرين تكشف أن التثاقف يتضمن مستويين متداخلين: مستوى تشكل الرغبات والمعايير داخل علاقات السلطة، ومستوى إعادة استعمال العناصر الثقافية في الحياة اليومية. ولا يمكن فهم العملية كاملة إذا اكتفينا بأحدهما وأهملنا الآخر.
4. دو سارتو وبورديو: هل الممارسة اليومية حرة فعلًا؟
يضيف بيير بورديو إلى هذا النقاش بعدًا آخر من خلال تحليله للعلاقة بين البنية الاجتماعية والممارسة. فالأفراد، وفق تصوره، لا يتصرفون عادة بوصفهم ذواتًا تختار بحرية مطلقة من بين إمكانات متساوية، بل تتأثر ممارساتهم بما اكتسبوه من استعدادات عبر التنشئة والخبرة والموقع الاجتماعي. ويعبّر مفهوم «الهابيتوس» عن منظومة من الاستعدادات المكتسبة التي تؤثر في طرائق الإدراك والتقييم والفعل4
كما يبين بورديو أن الثقافة ليست منفصلة عن علاقات التراتب الاجتماعي؛ فالمعرفة والذوق وأنماط التعبير قد تتحول إلى رأسمال ثقافي يمنح بعض الأفراد امتيازات داخل المجتمع. ولا يتحدد الاعتراف بالثقافة وفق قيمتها المعرفية أو الجمالية وحدها، بل يتأثر أيضًا بالمؤسسات التي تمنحها الشرعية، وبقدرة الأفراد على اكتساب الرموز التي يعترف بها المجال الاجتماعي.
ومن هذا المنظور، يطرح التثاقف سؤالًا يتجاوز مجرد قبول العنصر الوافد أو رفضه: من يمتلك الموارد التي تسمح له بتبنيه والاستفادة منه؟ فقد يكون نمط ثقافي جديد متاحًا نظريًا للجميع، لكنه يتطلب تعليمًا أو دخلًا أو معرفة لغوية أو علاقات اجتماعية لا تتوافر للجميع بالقدر نفسه. وهكذا يصبح التفاعل الثقافي مرتبطًا بتفاوت فرص المشاركة، لا بمجرد اختلاف الأذواق.
وهنا يتضح الفرق بين بورديو ودو سارتو. فبورديو يساعدنا على تفسير الكيفية التي تستمر بها البنى الاجتماعية من خلال الممارسات التي تبدو عادية وطبيعية، بينما يلفت دو سارتو 5 النظر إلى قدرة الأفراد على ابتكار استعمالات لا تتطابق بالضرورة مع الوظائف التي تحددها البنية.
اهتم بورديو بتناول أنماط السيطرة الاجتماعية بواسطة تحليل مادي للإنتاجات الثقافية يَكفُل إبراز آليات إعادة الإنتاج المتعلقة بالبنيات الاجتماعية، وذلك بواسطة علم اجتماعي كلي يستنفر كل العتاد المنهجي المتراكم في مختلف مجالات المعرفة عبر التخصصات المتعددة للكشف عن البنيات الخفية التي تُحدِّد أنماط الفاعلية على نحو ضروري، مِمّا جعل نُقّاده ينعتون اجتماعياته بالحتمانية، على الرغم من أنه ظل، عبر كتاباته وتدخلاته، يدفع عن تحليلاته مثل ذلك النعت.
لكن الإشكال الذي ينبغي إثارته هو كالآتي: هل يعني ذلك أن الممارسة اليومية عند دو سارتو أكثر حرية من الممارسة عند بورديو؟ ليس بالضرورة. فالتكتيك نفسه يتشكل داخل مجال من الإمكانات المحدودة، ولا يستطيع الفاعل أن يبتكر أي استعمال يشاء من دون قيود مادية أو اجتماعية. وفي المقابل، لا ينبغي فهم الهابيتوس عند بورديو بوصفه آلة تلغي كل اختلاف أو مبادرة فردية؛ فالاستعدادات المكتسبة توجه الممارسة، لكنها لا تحدد جميع تفاصيلها بصورة ميكانيكية.
إن الاختلاف الأهم يتعلق بزاوية النظر. فبورديو 6 يشرح كيف تتغلغل البنية الاجتماعية في الممارسة، بينما يساعد دو سارتو على رؤية ما قد تفعله الممارسة بما تتلقاه من بنى وقواعد ومنتجات. ويتيح الجمع بينهما فهم التثاقف بوصفه عملية يجري فيها إعادة استعمال العناصر الثقافية، ولكن داخل شروط اجتماعية غير متكافئة.
فقد يعيد الفرد توظيف عنصر ثقافي وافد، لكن قدرته على تحويل هذا التوظيف إلى اعتراف اجتماعي أو رأسمال رمزي تختلف بحسب موقعه. وقد تبتكر جماعة مهمشة أساليب ثقافية مميزة، لكنها تظل محرومة من المنابر التي تجعل ابتكارها مرئيًا ومعترفًا به. وهكذا لا يكفي أن ندرس ما يبتكره الأفراد؛ بل ينبغي أن ندرس أيضًا من يملك سلطة الاعتراف بهذا الابتكار.
5. التثاقف والهوية: بين التهجين وإعادة إنتاج التراتب
تكشف المقارنة السابقة أن التثاقف لا يمكن اختزاله في مواجهة بسيطة بين ثقافة أصلية وثقافة وافدة. فكل ثقافة تتضمن اختلافات داخلية، وكل عملية استقبال تجري في سياق تحدده علاقات القوة والذاكرة والمصالح. ولذلك قد يؤدي العنصر الوافد إلى تحولات مختلفة داخل المجتمع نفسه، بحسب الفئة الاجتماعية أو الجيل أو الموقع الجغرافي أو الموارد المتاحة.
وقد تتخذ هذه التحولات شكل التهجين، أي إنتاج صيغ ثقافية جديدة من تفاعل عناصر متعددة. لكن التهجين ليس في ذاته دليلًا على المساواة أو التحرر؛ فقد تنشأ أشكال ثقافية هجينة داخل علاقات غير متكافئة، وقد تستفيد منها فئات اجتماعية أكثر من غيرها. إن اختلاط العناصر لا يؤدي تلقائيًا إلى اختفاء التراتب الذي يحدد قيمتها.
ويمكن، في هذا السياق، الاستفادة من أعمال هومي بابا حول التهجين والموقع الثقافي، مع الحفاظ على التمييز بين مشروعه النظري ومشروع دو سارتو. فبابا هومي7 يساعد على مساءلة التصورات التي تتعامل مع الهوية باعتبارها نقاءً ثابتًا، بينما يكشف دو سارتو عن كيفية تجسد التحول الثقافي في الممارسات اليومية والاستعمالات التي يعيد الأفراد من خلالها إنتاج المعنى.
ومن ثم، لا تكون الهوية مجرد جوهر محفوظ في الماضي، ولا مجرد نتيجة آلية للثقافة المهيمنة. إنها علاقة تاريخية تتشكل عبر الانتقاء والتأويل والتفاوض، لكنها تتأثر أيضًا بحدود القوة والموارد والاعتراف. وقد تعيد الجماعة صياغة بعض عناصر موروثها بعد استقبال ثقافة جديدة، أو تستعمل العنصر الوافد لتأكيد خصوصيتها بدل التخلي عنها.
إن التثاقف، بهذا المعنى، لا يلغي الهوية بالضرورة، بل يكشف أنها ليست مكتملة ونهائية. فالهوية تستمر من خلال التحول، وتعيد بناء علاقتها بماضيها حين تواجه الآخر. غير أن هذا التحول لا يجري في فضاء حر تمامًا؛ إذ يمكن للهيمنة أن تجعل بعض صور الهوية مرغوبة ومقبولة، وأن تدفع صورًا أخرى إلى الهامش.
6. نحو تركيب نقدي: من فاعلية الاستعمال إلى سياسة الاعتراف
تتيح المقارنة بين دو سارتو وفوكو وبورديو بناء تصور أكثر تركيبًا للتثاقف. فمن دو سارتو نتعلم أن الأفراد لا يستهلكون الثقافة بصورة سلبية، وأن الممارسة اليومية تستطيع إعادة توظيف المنتجات والرموز. ومن فوكو نتعلم أن السلطة لا تعمل بالقمع وحده، بل تشارك في تشكيل الرغبات والمعايير والذوات. ومن بورديو نتعلم أن الممارسة لا تنفصل عن الاستعدادات المكتسبة والتفاوت في الموارد والرأسمال الثقافي.
لكن الجمع بين هذه التصورات لا يعني دمجها في نظرية واحدة؛ فلكل مفكر جهازه المفهومي ومشكلته الخاصة. إنما تكمن فائدة المقارنة في توزيع الأسئلة على مستويات متكاملة: كيف تتشكل المعايير الثقافية؟ كيف يعيد الأفراد استعمالها؟ ولماذا تحظى بعض الاستعمالات بالاعتراف بينما تظل أخرى مهمشة؟
إن الإجابة عن السؤال الأخير تفتح النقاش على سياسة الاعتراف. فليس كافيًا أن تمتلك جماعة ما القدرة على إنتاج معانٍ جديدة؛ ينبغي أن تمتلك أيضًا إمكانات إيصالها إلى المجال العام، والدفاع عن مشروعيتها، والمشاركة في تحديد المعايير الثقافية المشتركة. وقد تكون الممارسة اليومية غنية بالابتكار، لكنها تظل محدودة الأثر إذا لم تجد شروطًا اجتماعية ومؤسسية تسمح لها بالظهور والتداول.
وبذلك يصبح التثاقف مسألة تتعلق بتوزيع القدرة على إنتاج المعنى، لا بمجرد انتقال العناصر الثقافية. فمن يمتلك المنابر الإعلامية والتعليمية؟ ومن يحدد ما يعد ثقافة راقية أو شعبية أو هامشية؟ ومن يملك الموارد التي تحول الابتكار المحلي إلى قيمة معترف بها؟ هذه الأسئلة تكشف أن الصراع الثقافي لا يدور فقط حول مضمون الرموز، بل حول شروط ظهورها والاعتراف بها.
وعليه، فإن القراءة النقدية لدو سارتو لا تكتمل بالاحتفاء بالتكتيكات اليومية، بل ينبغي أن تسأل عن إمكان تحول هذه التكتيكات إلى أشكال مستدامة من الفعل الجماعي، وعن الشروط التي تجعل الابتكار الثقافي قادرًا على التأثير في المؤسسات. فالمناورة قد تفتح ثغرة في النظام، لكن تحويل الثغرة إلى تغيير يتطلب موارد وتنظيمًا واعترافًا وقدرة على الاستمرار.
الخاتمة: الثقافة بين السلطة وإمكانات التأويل
تكشف المقارنة بين ميشال دو سارتو وميشال فوكو وبيير بورديو أن التثاقف ليس عملية بريئة تنتقل خلالها الرموز من ثقافة إلى أخرى، بل سيرورة تتداخل فيها السلطة مع الاستعمال، والهوية مع الاختلاف، والإبداع اليومي مع شروط التراتب الاجتماعي.
يمنحنا دو سارتو أدوات لفهم الفاعلية التي يمارسها الأفراد حين يعيدون توظيف ما يتلقونه من منتجات ثقافية. ويكشف فوكو أن هذه الممارسات تجري داخل علاقات سلطة تسهم في تشكيل الرغبات والمعايير. أما بورديو فيوضح كيف تؤثر الاستعدادات المكتسبة والموارد غير المتكافئة في فرص الأفراد والجماعات وقدرتهم على تحويل الممارسة إلى اعتراف اجتماعي.
ومن ثم، لا يمكن اعتبار التثاقف خضوعًا كاملًا للثقافة المهيمنة، ولا مقاومة ناجزة لها. إنه مجال تتقاطع فيه أشكال التأثير مع إمكانات إعادة التأويل، وتتجاور فيه الفاعلية اليومية مع استمرار البنى غير المتكافئة. فالناس يستطيعون أن يغيروا معاني ما يتلقونه، لكنهم لا يمتلكون دائمًا القدرة نفسها على تحديد شروط إنتاجه وتوزيعه والاعتراف به.
إن الرهان الفلسفي الأعمق هنا هو الانتقال من السؤال عن هوية الثقافة إلى السؤال عن سياسة المعنى: من ينتجه؟ ومن يستعمله؟ ومن يمنحه الشرعية؟ وأي جماعات تمتلك القدرة على جعل تأويلها حاضرًا في المجال العام؟
في هذه الأسئلة تتحدد دلالة التثاقف بوصفه أكثر من تبادل ثقافي؛ إنه صراع على الحق في التأويل، وعلى القدرة على تحويل الممارسة اليومية إلى حضور اجتماعي معترف به. فالسلطة قد تؤثر في إنتاج الثقافة وتداولها، لكنها لا تستطيع ضمان تطابق جميع استعمالاتها مع المعاني التي أرادت فرضها؛ غير أن الإفلات من المعنى المهيمن لا يصبح تحررًا فعليًا إلا حين يجد شروطًا تسمح له بتجاوز حدود المناورة الفردية نحو تغيير أوسع في علاقات القوة والاعتراف.
***
بقلم: الدكتور معروفي العيد.
...........................
الهوامش والمراجع:
* ميشال دوسارتو: (بالفرنسية: de Certeau Michel) فيلسوف ومؤرخ فرنسي، مهتم بالدراسات الدينية وبالتحليل النفسي. من بين منشوراته، نذكر كتاب: "غياب التاريخ" (1973)، و"كتابة التاريخ" (1975). توفي سنة 1986.
** ميشال فوكو: (بالفرنسية: Michel Foucault) (1926 -1984) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح «أركيولوجية المعرفة». أرّخ للجنس أيضاً من «حب الغلمان عند اليونان» وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في «تاريخ الجنسانية».
*** پيير بورديو (الفرنسية: Pierre Bourdieu) (1 أغسطس 1930 – 23 يناير 2002) عالم اجتماع فرنسي، أحد الفاعلين الأساسيين بالحياة الثقافية والفكرية بفرنسا، وأحد أبرز المراجع العالمية في علم الاجتماع المعاصر، بل إن فكره أحدث تأثيرا بالغا في العلوم الإنسانية والاجتماعية منذ منتصف الستينيات من القرن العشرين. بدأ نجمه يبزغ بين المتخصصين انطلاقًا من الستينيات بعد إصداره كتاب الورثة عام 1964 (مع جون-كلود پـاسرون) وكتاب إعادة الإنتاج عام 1970 (مع المُؤلِّف نفسه)، وخصوصا بعد صدور كتابه التمييز/التميز عام 1979. وازدادت شهرته في آخر حياته بخروجه في مظاهرات ووقوفه مع فئات المُحتجِّين والمُضربين.
1. Michel de Certeau, L’Invention du quotidien, 1. Arts de faire, Paris, Union générale d’éditions, 1980؛ وأعيد نشره لدى Gallimard، Paris، 1990.
المرجع الأساسي لتحليل الممارسات والاستراتيجيات والتكتيكات، وعلاقة الاستعمال بإنتاج المعنى.
2. Michel de Certeau, La Culture au pluriel, Paris, Union générale d’éditions, 1974.
مرجع لفهم نقد اختزال الثقافة في نموذج واحد، ومساءلة العلاقة بين الثقافة والمؤسسات والشرعية الاجتماعية.
3. Michel Foucault, Surveiller et punir: Naissance de la prison, Paris, Gallimard, 1975.
مرجع لتحليل السلطة التأديبية، والمؤسسات، وكيفية تنظيم الأجساد والسلوك. ينبغي عدم اختزال مفهوم السلطة عند فوكو في القمع المباشر وحده.
4. Michel Foucault, Histoire de la sexualité, 1. La volonté de savoir, Paris, Gallimard, 1976.
مرجع مساعد لفهم السلطة بوصفها منتجة للخطابات والمعارف، ولتحليل العلاقة بين السلطة وتشكيل الذات.
5 . Pierre Bourdieu, La Distinction: Critique sociale du jugement, Paris, Les Éditions de Minuit, 1979.
مرجع أساسي في تحليل الذوق والتراتبات الاجتماعية، وكيف تتحول الممارسات الثقافية إلى أدوات للتمييز وإعادة إنتاج الفوارق.
6. Pierre Bourdieu, Le Sens pratique, Paris, Les Éditions de Minuit, 1980.
مرجع لتحليل العلاقة بين الاستعدادات المكتسبة والممارسة، ولتفسير كيفية حضور البنية الاجتماعية داخل الفعل اليومي.
7. Homi K. Bhabha, The Location of Culture, London and New York, Routledge, 1994.








