أقلام حرة

منى الصالح: الستر

رب استرني بسترك ولا تفضحني بين عبادك، عبارة استوقفتني كثيراً وأنا أنتبه لها رغم مرورها أمام ناظري في ذهابي وإيابي في بلد العتبات المقدسة.

والذي شدني وآلمني هو وجود صورة لامرأة محجبة تماماً، ذكرني الدعاء بموقف وقفت أمامه مدهوشة حيث سمعت: (الله يستر عليك خليهم)، وإذا بشاب خلفي في أحد محلات التغذية يحاول مساعدتي بحمل المشتريات ووضعها عند البائع، ولم أدرك لوهلة سبب الكلمة حيث لم أطلب مساعدة ولم يصدر مني سلوك غير مقبول، ما الذي فعلته ليستِر عليّ؟

خرجت يتملكني الغضب مهزوزة من الأعماق، وأعاد لفكري الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تُشكل شخصياتنا وتُزعزع الثقة والدونية في تكوينها دون أن ندرك أننا نشارك بجريمة التمييز الجنسي الذي ما زالت تعاني منه الأمم.

حين نرتقي بإنسانيتنا ويزداد الوعي والبصيرة حينها ندرك فداحة الفقر والأمية ونحزن كثيراً لطفل يعمل تحت شمس حارقة ليوفر لقمة العيش لعائلة صغيرة يحملها، هذا الوعي ذاته هو الذي يحركنا لرفض هذا التمييز، ألم نصدح بكل منابرنا أن الإسلام دين مساواة لم تصلها القوانين الوضعية إلا بعد معاناة طويلة.

فما زالت أمريكا وهي أم الديمقراطية تعاني من تمييز عنصري بين السود والبيض، وما زالت مجتمعاتنا تعاني وتفقد ملايين البشر نتيجة فوارق دينية ومذهبية قولبت عقولنا فبتنا نستشعر أننا شعب الله المختار ونُدخل النار من نشاء.

وحسب تصوراتنا عن رب محابٍ يختص فئة دون فئة وأمة دون الأمم:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).. البقرة: 113

ومن هذا التمييز المقيت هو هذا التمييز بين الذكر والأنثى، والواقع الأكثر ألماً هو حين تتضخم عندنا المثاليات وندعي أننا أكثر الأمم التي حققت المساواة واحترمت المرأة وأعطتها حقوقها.

قد أكون أنا المخطئة حين تستشعر مثيلاتي أن هذا عناية إلهية وأن الله خلقها هكذا وأن هذه الاختلافات طبيعية، لا أدري هل الخلل في عقلي الذي ربيته على أن يكون حراً ويرفض العبودية والانقياد لما فيه إهانة إنسانية، أم الخلل في هذه الثقافة التي نشأنا وتربينا في ظلالها حتى باتت تشكل فكرنا ونفسياتنا بحيث باتت نساؤنا أكثر دفاعاً عن مثل هذه المعتقدات والأعراف من الرجال.

وإلا لمَ لا يُرفع هذا الدعاء بجانب صورة لذكر؟

لمَ دوماً الدعاء الملازم لهويتي الستر؟

ماذا بي حتى أكون فضيحة وعاراً على الأهل والمجتمع؟

ما الفرق بين الذكر والأنثى بحيث يترتب عليها الشرف دونه؟

ألا يُشكل هذا عقلية ترسمنا ملامح إغواء وشيطنة أينما حللنا بحيث يدعو ذاك الشاب لي بالستر وأنا بمنزلة أمه غير مدرك للإهانة التي وجهها لي؟

ما الفرق الإنساني بيني وبينه بحيث أكون مثار فساد وذريعة لانحراف؟

عليّ أمام هذا أن أتوارى وأن لا أظهر إلا للضرورة، وأن مهمتي الأساسية هي المنزل، فصلاتي في بيتي أفضل، علاقتي بالله تحددت بحدود ماهيتي التي هي بحقيقتها عورة.

من أنا؟

أبسط تعريف: عورة.

العورة ليس من اللائق وليس من الذوق إظهارها، وجهي عورة، جسدي عورة، بل حتى صوتي عورة يجب أن لا يسمعه الآخرون فيفتنون.

ألا يحق لي أن أعترض وأن أطالب بالعدالة الإلهية وقد خلقني للإغواء فقط؟

أين إنسانيتي، ولمَ زاد في خلطتي الآدمية الصفات الشيطانية فبت أقرب له وقرينته التي يُدعى لها بالستر وعدم افتضاح أمرها أمام الملأ؟

ما أفهمه عندما ندعو اللهم استرنا أو اللهم الستر هي دعوة غير مباشرة لممارسة الستر بيننا نحن الناس، وكم المجتمع بحاجة إلى ثقافة الستر وعدم نشر الفضائح، فقد عانينا الكثير من هذا الأمر وهذا ما لا يختلف عليه اثنان.

سأعلن تمردي،

وأتبرأ من كل من لا يعترف بإنسانيتي،

من كل من يراني عورة.

أحد أحد، فإلهي رب الذكر والأنثى.

أحد أحد، فإلهي لا يُحابي ولا يستحي مما خلق.

أحد أحد، فإلهي الغفور الرحيم الذي يحب الستر.

***

منى الصالح

في المثقف اليوم