أقلام حرة

فاطمة الدفعي: شيفرة الحياة

كيف تتحقق المعجزات خارج حدود التفسير المادي؟

نحن نعيش في عالم يقدس 'الأسباب المادية' ويحاصرنا بأرقام الحسابات وتوقعات المستقبل، لدرجة أننا نسينا أن هناك 'قوانين أخرى' تحكم هذا الوجود؛ قوانين لا تدركها لغة الأرقام ولا تفهمها حسابات الأرباح والخسائر.

ونسينا أن ثمة أمم تعيش بيننا، تخترق كل الثوابت التي درسناها، وترى الحقيقة من منطقها.

تلك الكائنات لا تحمل خرائط للغد، ولا خزائن للمستقبل، لكنها تمتلك 'سرّاً' غامضاً جعلها تتجاوز حدود العجز البشري لتُعلمنا درساً لم تستطع أرقى الجامعات تلقينه لنا.

في السطور التالية، سنغوص في عالمٍ يبدو مألوفاً، لكن أسراره المذهلة ستعيد ترتيب مفاهيمك عن الرزق، البصيرة، واليقين الذي يتحدى المستحيل.

العالم الآخر: رحلة في الأمم الموازية لعالم البشر

من بين كل الكائنات، هناك كائنات لها منطق خاص، ولها تسبيح خاص، ولها ألوان وأشكال وأحجام مختلفة.  عرفنا أنها ذكية وأن لها حنكة من نبي الله سليمان -عليه السلام- لأنهم كانوا جنودًا في جيشه العظيم.

هذه المرة أنا لا أتكلم عن الجن الذي أثار عالمهم فضول بني جيلي، هذه المرة أنا أتكلم عن مخلوقات تستحق أن نشغل فضولنا بها وبعالمها؛

 إنها الطيور بأشكالها الجميلة وبأصواتها العذبة وتسبيحها الذي لا نفقهه. تلك المخلوقات التي تعلمنا منها حسن التوكل على الله والسعي لأرزاقنا، تلك الكائنات تُعلمنا كيف نعيش لحظتنا دون أن نخاف من الغد أو نحمل هموم الأمس.

 عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال، قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». أخرجه الترمذي والأمام أحمد

لطالما تساءلت في نفسي: كيف أتعلم التوكل منها وهي مخلوقات سخرها الله للإنسان؟ لكنني عندما عرفت أنها مخلوقات ذات منطق سليم وفهم صحيح للحياة، أيقنت أن التسخير كان في التعليم أيضاً.

دروس اليقين من جنود سليمان عليه السلام

وجدت هذه الحقيقة في أحد مقالات الدكتور علي محمد الصلابي: (الطير أمة من الأمم: الطير أمة من الأمم خلقها الله تعالى، وألهمها سبل الحياة، وجعلها برهاناً على عظمته وقدرته. قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].

وفي قوله: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} أي: أصناف، وكل صنف من الدواب أو الطير مثل بني آدم في المعرفة بالله وطلب الغذاء وتوقي المهالك، وفي قوله: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} أي: كما لكم حياتكم الخاصة بكم كأمم وشعوب، فهذه العوالم من الدواب والطيور مثلكم، لهم حياتهم الخاصة بهم كأمم مختلفة ألوانها وأشكالها، كل أمة تتميز عن أختها بما خصها الله تعالى من الخصائص والصفات، وهي جماعات مماثلة لكم في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر، ينتابها ما ينتابكم من الحسرة أو الحزن أو الألم أو المرض أو الشفاء، وهي ستحاسب يوم القيامة إن طغى بعضها على بعض وظلم بعضها البعض، كما سيحاسب الإنسان، وتقتص كل منها من الآخر، وإن لم يكن من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها، بل قصاص مقابلة كما في الحديث الشريف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله ﷺ: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».

منطق الطير:

قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16]. ومنطق كل شيء: صوته، وقد يقع لما يُفهم بغير كلام، وقد علم الله تعالى سليمان -عليه السلام- فهم أصوات الطير ولغاتها التي تسبح بها وتصلي: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41].

وبهذه اللغة تتفاهم الطيور مع بعضها، وقد عكف العلماء على دراسة الطير وطباعه ولغته فوجدوا أنه بواسطة هذه اللغة يتفاهم الذكر مع الأنثى، وأن بعضها يحذر بعضاً كما تفعل العصافير بالزقزقة، ولاحظوا أن الطيور تغرد في فترات الصباح أكثر من فترة الظهيرة فتطرب الآذان وتأنس النفوس.)

ليس الإنسان وحده الذي يعرف الكلام ويفهمه، فكل المخلوقات تفهم بعضها وتتواصل مع بني جنسها، وما نحن إلا مخلوقات ممن خلق الله -عز وجل- ميزنا وسخر الكون كله لنا، ليس لأننا مميزون بل لأننا مكلفون.

فلسفة الوجود: المعرفة والجزاء في "أمم" الطير

الطيور مخلوقات عجيبة ذكية، وبعضها ماكره

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» رواه البخاري ومسلم

 ومعنى "فاسق" مؤذٍ؛ فالحدأة التي أحل رسول الله ﷺ قتلها في الحل والحرم، أثبت العلم الحديث أنها تمتلك سلوكاً إجرامياً غريباً، فهي "تتعمد" نشر الحرائق؛ حيث تلتقط الأغصان المشتعلة من حريق قائم وترميها في أماكن أعشاب يابسة لم تصلها النار بعد، لتوسع دائرة الحريق وتجبر الحيوانات المختبئة على الخروج فتصطادها بسهولة. هذا الطائر "محرّق الغابات" أخطر مما كنا نعتقد، وقتله يعني الحفاظ على توازن البيئة، وإنقاذ حيوانات كثيرة من شر أفعاله.

وكذلك الغراب، ذلك الطائر "الأبقع" الذي سماه النبي ﷺ من الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم. وسبب تصنيفه "فاسقاً" يرجع لطباعه العدائية؛ فهو طائر غادر، يسرق بيض الطيور الأخرى، ويهاجم عيون الدواب وضعفاء الكائنات، بل إنه يُعرف بفكره التخريبي وذكائه الموجه للأذى، وهو ما يفسر "خروجه" عن طبع الطيور المسالمة، وهذا هو المعنى اللغوي للفسق (الخروج عن الاستقامة).

هذا العالم فيه الخير وفيه الشر، في الدهاء والمكر، ولكن الغاية تبقى واحدة (الرزق) ومهما كان فهي لا تبرر الوسيلة، وكما أن للمجرم عقاب يناله جزاء أفعاله، فإن تلك الطيور التي اختارت أن تكون فاسقة أصبح قتلها حلال؛ بل أصبح واجب لما تسببه من تخريب وتدمير لما خولها.

ثنائية الخير والشر في الطبيعة

ما زال هناك أسرار غامضة تحملها تلك المخلوقات الطائرة، وسر التوكل هو الذي حيرني، والعلم الحديث أزال بعضًا من حيرتي، فقد اكتشفوا أن الطيور -بعكس كل الكائنات- لا تعتمد على الأكسجين في عملية النظر كما نتصور.

بينما تُعد شبكية العين في معظم الكائنات أكثر الأنسجة استهلاكاً للطاقة وتحتاج أكسجيناً دائماً، فإن شبكية عين الطيور تخلو تماماً من الأوعية الدموية.

ولقد ظل العلماء قروناً يظنون أن بنية غامضة تسمى "المشط العيني" (Pecten Oculi) هي التي تمد الشبكية بالأكسجين، لكن الاكتشاف الجديد أثبت أن المشط العيني لا يزودها بالأكسجين نهائياً، بل يعمل كـ "محطة إمداد غذائي" تضخ السكر للشبكية وتتخلص من الفضلات الأيضية السامة الناتجة عن عملية إنتاج الطاقة لاهوائياً.

فكما هيأ الله لعين الطائر "مشطاً" يطهرها من فضلات الاحتراق لتستمر في الرؤية، يهيئ الله للمتوكل "مخرجاً" من ضيق الأسباب ليستمر في الحياة؛ فالمسبب واحد والسنن في الكون والشرع تتطابق.

فيزياء التوكل: الرؤية من ثقب الحرمان

هل هذا هو التوكل؟! أم إن العلم حصره في كلمة "اكتشاف"؟ ربما يحاول هذا الاكتشاف أن يعلمنا كيف نتوكل على الله وألا نركن فقط إلى الأسباب أو نخشى المسببات. التوكل على الله حياة رغيدة تشبه حياة تلك الطيور التي تحلق بأجنحتها عالياً في السماء؛ تستيقظ في الصباح وبطونها خالية، ولكنها تخرج بأروع الألحان وتغرد في انسجام، وتجعل للصباح رونقاً مختلفاً وتضيف إليه الجمال.

خاتمة اليقين: أن تعيش يومك بقلب طائر

تنطلق مع بزوغ الضوء محلقة بأجنحتها، لا تفكر في كيف وأين ومتى تأكل؛ ليست معقدة كالإنسان، هي فقط تطير بحرية في سماء الرحمن وكلها نشاط وحيوية، فتأكل ما تجده أمامها طوال اليوم حتى تشبع، دون همٍّ أو قلق، فقط انسجام وسعي وبحث. تغدو خماصاً وتروح بطاناً؛ هكذا هي الحياة: يومك يومك. تلك الكائنات لا تدخر ولا تخزن الطعام للشتاء، وكأنها أخذت عهداً من الله سبحانه أن لن ينقص عليها شيء ولن تجوع أبدًا. وهذه هي الحقيقة، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تحمل رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60].

هذا هو وعد الحق؛ أيقنت به الطيور وارتاحت من حمل هم رزقها، وقررت أن تعيش حياتها آمنة مطمئنة. ليتنا نستطيع أن نفعل مثلها، ألا نخشى ضيق الرزق وأن نعيش يومنا فقط، لا نخاف المستقبل ولا نحمل هم الماضي.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

في المثقف اليوم