أقلام حرة
صابر الحميدي: النيّة وحدها لا تكفي
ليست المشكلة في غياب النيّات، فنحن نغتسل كلّ صباحٍ بنيّاتٍ طيّبة، ونعد أنفسنا بحياةٍ أجمل، وبقراراتٍ أكثر حكمة.
لكن النيّة، مهما كانت صادقة، تبقى فكرةً ساكنة ما لم تتقدّمها الأولويّة وتضعها في صدر الفعل.
كم مرّةً قلنا: سأبدأ، وسأعتني، وسأقترب ممّن أحبّ، وسأهتمّ بصحّتي، وسأكتب، وسأغفر… لكنّ “سأفعل” ظلّت مؤجّلة، لأنّها لم تصبح أولوية.
الأولويّة ليست كلمةً تُقال، بل ترتيبٌ داخليّ للأشياء، ميزانٌ خفيّ نضع عليه ما نريد حقًّا، فنقدّم ما نمنحه قيمة، ونؤجّل ما لا نراه ضروريًا.
نحن لا نفعل ما ننويه فقط، بل نفعل ما نقدّمه في سلّم اهتمامنا. فالوقت لا يخوننا، بل يكشف ترتيبنا الحقيقي. إذا كانت الراحة أولى من الصحّة، سنؤجّل الرياضة. وإذا كان الخوف أولى من الحلم، سنبقى في أماكننا. وإذا كان الانشغال أولى من المحبّة، سنخسر القلوب ونحن نظنّ أننا مشغولون فقط.
النيّة بذرة، لكنّ الأولويّة هي اليد التي تغرسها في التربة، والماء الذي يسقيها بانتظام. ومن دون هذا الالتزام الهادئ، تبقى البذور في الجيب ولا ترى الضوء. أن تغيّر حياتك لا يبدأ بكثرة الوعود، بل بصدق الترتيب. اسأل نفسك:
ما الذي أضعه أوّلًا؟
ففي الإجابة تتشكّل حياتك كلّها.
النيّة طيّبة… لكنّ الأولويّة صادقة. وما يُحرّك السلوك حقًّا ليس ما نتمناه، بل ما نمنحه المكان الأوّل في قلوبنا وأيامنا.
***
د. صابر الحميدي







