أقلام حرة

رابح بلحمدي: حين انكشفت النخبة.. وتكلمت الغفلة

كنتُ، كعادتي، أقرأ سورة الكهف صباح الجمعة. قراءةُ المألوف لا تُفاجئك غالبًا؛ تمضي فيها كما تمضي في طريق تعرف كل منعطفاته غير أنّ الطريق هذه المرة توقّف بي فجأة، لا بعثرةً في اللسان، بل ارتجافًا في القلب.

آياتٌ بعينها بدت كأنها خرجت من المصحف وجلست قبالتي. قرأتها، ثم عدت إليها، ثم أعدتُها مرة ثالثة.. لا لأن لفظها استعصى، بل لأن معناها كان ينظر إليّ مباشرة

﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾

تساءلت

لماذا الصبر؟

وهل مجالسة الذاكرين تحتاج صبرًا؟

أغلقت المصحف قليلًا، وفتحت كتب التفسير، لا طلبًا للعلم وحده، بل بحثًا عن نفسي بين السطور. هناك، أدركت أن الخطاب لم يكن للرسول ﷺ وحده، بل لكل من ظنّ يومًا أن القيمة في اللمعان، وأن النخبة تُعرف من المقاعد الأمامية، لا من سجود الفجر

فكتبت

إليّ أولًا: رسالة حين تخدعك العيون

اكتشفتُ أن العين خائنة لطيفة؛ لا تخونك فجأة، بل تُزيِّن لك الخيانة

ترى الوجوه المصقولة، والكلمات اللامعة، والضحكات الواثقة، فتظن أنك في حضرة الصفوة. لكن الآية تقول بهدوء صارم

﴿ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾

كأن الله يقول لي احذر.. فالعين إن قادتك، أضاعتك.

ليس كل من علا صوته صاحب قيمة، ولا كل من كثر أتباعه دليل هداية

الغفلة قد تلبس بدلة أنيقة، وتتحدث بلغة المثقفين، وتجلس في الصف الأول.. لكنها تظل غفلة.

رسالة إلى الأصدقاء: من تصحبون؟ ومن يُنقذكم؟

عدت أفكر في صداقاتي

من أجلس معهم؟

هل يذكرني أحدهم بالصلاة حين أنسى؟

هل يوقظني أحدهم إذا نعست روحي؟

أم نضحك معًا.. ونغفل معًا.. ونتسابق في اللهو وكأننا نملك الغد؟

قال أحدهم قديمًا: الصديق مرآة

والقرآن قال أبعد

الصحبة إمّا نجاة.. أو غرق جماعي أنيق

﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾

ليس كل صديق شريرًا، لكن الخطر في الصديق الغافل الذي لا يشعر بغفلته، ويجرّك بلطف نحو الفراغ

رسالة لعامة المسلمين: النخبة ليست كما تتوهمون

نحن نعيش زمنًا غريبًا؛

يُقاس فيه الوعي بعدد المتابعين، ويُقاس الفكر بجرأة التصريحات،

ويُقاس التقدم بالتحرر من القيم لا بالسموّ بها

لكن القرآن يقلب المعادلة بهدوء رهيب

النخبة الحقّة لا تغفل عن الله، لا تستهين بالصلاة، لا تتصالح مع الفواحش باسم الواقعية، ولا تجعل القرآن زينة رفٍّ لا نبض حياة

النخبة الحقيقية قد تكون صامتة، لكنها ثابتة. قد لا تُرى، لكنها لا تضيع

رسالة إلى الإنسانية جمعاء: الغفلة أخطر من الكفر

الخطر ليس في أن تقول: لا أؤمن

الخطر في أن تنسى لماذا وُجدت أصلًا

الغفلة ليست لهوًا بريئًا، هي انسحاب بطيء من المعنى، وتعوّد على العيش بلا سؤال، وبلا خشية، وبلا بوصلة. ﴿وكان أمره فُرُطًا﴾

كلمة صغيرة، لكنها مرعبة

الفُرُط هو التفلت.. أن تعيش بلا حدود، ثم تتفاجأ أنك تجاوزت نفسك

عودة إلى سورة الكهف.. بعيون أخرى

أغلقت كتب التفسير، وعدت إلى المصحف. لكنني لم أعد القارئ نفسه

صرت أفهم أن سورة الكهف ليست حكايات نجاة فقط، بل إنذارًا ناعمًا من الغفلة المقنّعة، ومن نخبة زائفة، ومن حياة تُعاش بكاملها.. خارج المعنى

كلما قرأت: ﴿وقل الحق من ربكم﴾

أدركت أن الحق لا يطلب تصفيقًا، بل شجاعة أن تبقى يقظًا

في زمنٍ يحتفل فيه الجميع بالنوم.

***

بقلم: بلحمدي رابح – البليدة / الجزائر

في المثقف اليوم