أقلام ثقافية

فاطمة الدفعي: مالك بن نبي في الوعي المعاصر

من البطولة الأسطورية إلى النهضة الفكرية

تمهيد: عن الكتاب

يُعد كتاب "شروط النهضة"، الصادر في عام 1948، حجر الزاوية في مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (مشكلات الحضارة). وفيه يقدم بن نبي تشريحاً دقيقاً لأسباب أفول الحضارة الإسلامية وقابلية الشعوب للاستعمار، مؤكداً أن النهضة ليست "تراكم بضائع" بل هي تفاعل حيوي بين ثلاثة عناصر أساسية: (الإنسان، والتراب، والوقت)، ضمن إطار عقدي ناظم.

في هذا الكتاب أفكارٌ غزيرة تلمس نقاطاً حساسة في جروح حضارتنا التي أصبحت مستعمرة؛ ليس بالسلاح والقوة فحسب، وإنما بتقييد الفكر ومحاولة محو إرادة النهوض. إن جوهر أزمة الشعوب الإسلامية اليوم ليس في نقص الموارد، بل في غياب "البناء الحضاري" والغرق في "دور البطولة الأسطوري.

فخ البطولة وغياب المشروع

يفرق بن نبي بين "عهود الملاحم" و"عهود البناء"؛ فالشعوب التي تعيش على الأمجاد والبطولات دون وعي حقيقي بأسباب التخلف، تظل تائهة في التاريخ. إن البطولة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى مشروع حضاري واعٍ يرتفع بالفكر إلى مستوى الأحداث الإنسانية، ويتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها.

الاستعمار الفكري والوهم الافتراضي

بإسقاط رؤية بن نبي على واقعنا، نجد أننا لا نزال مستعمرين فكرياً؛ مسلوبي العقل الحضاري، ومشغولين بعوالم افتراضية أُتقنت صناعتها لإلهائنا. نحن نتوهم التقدم ونحن في "وضعية الجلوس"، بينما الحقيقة أن الكلمة المؤثرة – كما وصفها بن نبي – هي تلك التي تحول الفرد إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة، كصرخة جمال الدين الأفغاني التي كانت نداءً للاستيقاظ لا لمجرد الثورة المسلحة.

من المقاطعة المادية إلى المقاطعة الفكرية

لقد أثبتت أحداثنا الحالية أن للكلمة والوعي تأثيراً قوياً، تجلى بوضوح في "سلاح المقاطعة". ولكن، لكي تصبح هذه المقاطعة ثورة حضارية حقيقية، يجب أن تتجاوز المنتجات المادية لتشمل "المقاطعة الفكرية".

إن النهضة الحقيقية تقتضي منا نبذ التقاليد الدخيلة، ومقاطعة المحتوى الفكري والسينمائي الأجنبي الذي يطمس هويتنا. كما تخلصت الشعوب قديماً من مظاهر التبعية، علينا اليوم الانتصار على "الذات المستعمرة"، والتخلص من الملهيات الافتراضية للتركيز على بناء حضارة حقيقية تحترم عاداتها ويضرب لها العالم ألف حساب. إن أي نهضة لا تبدأ من السلاح، بل تبدأ من الداخل؛ من الوعي الذاتي والتمسك بالهوية، فلكي تنهض أمتنا، يجب أن ننهض نحن أولاً.

***

بقلم: فاطمة الدفعي

في المثقف اليوم