قضايا

أكرم عثمان: في أتون التحديات.. كيف نستعيد إنسانيتنا في زمن الأزمات؟

تخيل نفسك في عالم يعج بالتحديات والأزمات، عالم تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع الاضطرابات الاجتماعية والشخصية، وتتشابك فيه وتتلاقى المخاوف الأمنية مع القلق النفسي والوظيفي. في هذا الواقع المضطرب، لا يعود الإنسان مهدداً فقط في استقراره المادي، بل في توازنه الداخلي وهويته وصورته الذاتية وكيانه الاجتماعي. تتحول الحياة اليومية إلى ما يشبه “الأتون” الذي يصهر المشاعر والأفكار، ويجعل الفرد يعيش في بوتقة من التوتر المستمر والقلق الدائم، يفقد فيها الإحساس بالأمان، ويبتعد رويداً رويداً عن ذاته وعن الآخرين من حوله وكأنه في عالم لا يتعرف به على أحد.

في مثل هذا السياق، يظهر أثر الأزمات ليس فقط في القرارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا تكاد يدركها إلا من يعيش بقربها ومعها: في نبرة الصوت داخل البيت، في نظرة المدير لموظفيه، في صبر المعلم على طلابه وإنسجامه مع زملائه ومسؤوليه، وفي قدرة الأب أو الأم على الإصغاء لأبنائهم بعد يوم طويل من القلق والتعب. هنا يبدأ الإنسان بالشعور وكأنه يدور في دائرة مغلقة لا نهاية لها، تشبه الرحى التي تطحن القمح بلا توقف، فلا يرى نهاية واضحة لمعاناته ولا أفقاً قريباً للخلاص أو الشعور بالراحة.

الإنسان بين الضغط والانفصال عن الذات

حين تتراكم الضغوط دون مساحات للتفريغ والتعبير عن الأراء والمشاعر وغياب مساحات للتفهم والفهم والتعاطف والدعم، يدخل الإنسان في حالة من الانفصال النفسي والذهني. يصبح حاضراً بجسده وغائباً بإحساسه ومشاعره، يؤدي واجباته اليومية كأنها مهام آلية، بلا شغف أو معنى حقيقي للمهمات واليوميات التي يعيشها. هذا الانفصال لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجياً: يبدأ بضعف وقلة للتركيز، ثم ببرود المشاعر وفقدان الأمل في الحاضر والمستقبل، ليس فقط لنفسه، بل لأبنائه وزملائه ومن يعمل معهم ويعيش بجوارهم ضمن دائرته الاجتماعية والمجتمعية.

في بيئة العمل، قد نرى هذا الانفصال في موظف كان يوماً مبادراً ومبدعاً، ثم أصبح يكتفي بأداء الحد الأدنى من المطلوب. لم يعد يقترح أفكاراً، ولا يشارك في النقاشات، ولا يشعر بأن صوته مسموع أو أن جهده مقدر ومعترف به. هذا الموظف لا يعاني فقط من ضغط العمل، بل من فقدان المعنى في ما يقوم به.

أما في الحياة الأسرية، فقد يظهر هذا الانفصال في أب أو أم يعودان إلى المنزل مثقلين بالتعب والهموم، فيجد الأبناء أمامهم وجوهاً متعبة، صامتة، تفتقر إلى الدفء والاحتواء. ومع مرور الوقت، يتعلم الأبناء بدورهم أن يكبتوا مشاعرهم، وأن يتعاملوا مع القلق كجزء طبيعي من الحياة، دون أن يجدوا نموذجاً حياً للصبر أو الأمل أو التوازن.

البحث عن “الملجأ الآمن”

في خضم هذا الواقع، يبدأ الإنسان بالبحث عن ملجأ نفسي، عن مساحة يشعر فيها بالاستقرار والطمأنينة، حتى لو كانت صغيرة ومؤقتة. قد يكون هذا الملجأ في ابتسامة صادقة تخرج من القلب، كلمة طيبة من زميل، أو في لحظة صمت وتأمل، أو في إنجاز بسيط يشعره بأنه ما زال قادراً على العطاء والتأثير.

في إحدى بيئات العمل التي تعاني من ضغط شديد بسبب الأزمات الاقتصادية، قرر مدير فريق أن يبدأ كل اجتماع أسبوعي بدقائق قليلة لما سماه “دائرة الأمان”. يطلب من كل موظف أن يشارك بشيء إيجابي حدث معه أو أنجزه خلال الأسبوع، مهما كان بسيطاً. في البداية، بدا الأمر غريباً ومستهجناً وغير عملي للبعض، لكن مع الوقت، تحولت هذه الدقائق إلى مساحة إنسانية اشعرت الفريق وأعادتهم فهمهم لأنفسهم ودورهم الإيجابي بأنهم ليسوا مجرد أرقام أو مهام جامدة، بل بشر يحملون قصص نجاح ومشاعر وتجارب ثرية.

وفي الحياة اليومية، قد نجد هذا الملجأ في أسرة تقرر أن تخصص وقتاً ثابتاً يومياً للجلوس معاً دون هواتف أو شاشات، يتحدثون فيه عن يومهم، عن مخاوفهم، وعن أحلامهم وآمالهم حتى لو كانت صغيرة. هذا الوقت، رغم بساطته، قدم معنى مهم واصبح يمثل حصناً نفسياً منيعاً يخفف من حدة الضغوط ويعيد بناء جسور الثقة والتواصل الفعال مع المجتمع الذي يحيط بهم ويعيشون في كنفه.

من الدائرة المغلقة إلى المسار الواعي

الخروج من “الدائرة المغلقة” للأزمات لا يكون غالباً بحلول سريعة أو شعارات كبيرة، بل بخطوات واعية ومتدرجة تعيد للإنسان إحساسه بالسيطرة والمعنى. أول هذه الخطوات هو الاعتراف بالمشاعر بدل إنكارها وكبتها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في تجاهل الألم، بل في فهمه والتعامل معه بوعي وادراك.

الخطوة الثانية هي إعادة ربط الفرد بقيمه ومبادئه الأساسية: ما هي رؤيتهورسالته وغاياته؟ لماذا وكيف يعمل؟ ماذا يريد أن يزرع وينمي في أبنائه؟ ما الأثر الذي يتمنى أن يتركه في مجتمعه؟ حين تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة، يتحول العمل من مجرد عبء وهم إلى رسالة وأهدف سامية وجليلة، وتتحول الحياة من سلسلة أزمات إلى مسار تعلم ونمو.

أما الخطوة الثالثة، فهي بناء شبكات دعم إنسانية، سواء في الأسرة أو في بيئة العمل أو في المجتمع. الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي من الصعب أن يعيش بمعزل عن غيره، وقوته تتضاعف حين يشعر أنه ليس وحده في مواجهة التحديات، بل هناك من يعيش معاناة ويدعمه ويسانده.

الأمل كفعل يومي

الأمل ليس شعوراً عابراً أو ترفاً تقال كلماته في زمن الرخاء والدعة، بل حياة وممارسة يومية. هو قرار يتخذه الإنسان كل صباح بأن يبحث عن معنى وقيمة لحياته ومهماته، مهما كانت الظروف قاسية ومؤلمة. في المدرسة، قد يكون الأمل في معلم يرى في طلابه طاقات مستقبلية رغم ضعف الإمكانيات التي يمتلكونها. في العمل، قد يختار القائد الإنصاف والتقدير بدل القسوة والضغط. وفي البيت، قد يكون مهمة الوالدين التنمية في أبنائهم قيم الصبر والانضباط والرحمة بدل الخوف والتشاؤم والعيش في مربع الألم والشكوى والسوداوية.

في عالم يعج بالأزمات، لا يكون الخروج من الأتون المؤلم هروباً من الواقع، بل إعادة بناء العلاقة معه وتكييفه. أن نتعلم كيف نقف في قلب العاصفة دون أن نفقد إنسانيتنا وحضورنا ودورنا، وكيف نحول الضغوط إلى وعي، والخوف إلى حذر إيجابي، والتحديات إلى فرص للنمو والترقي.

خاتمة: استعادة الإنسان في قلب الأزمة

في النهاية، قد لا نستطيع تغيير العالم من حولنا بسرعة، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نعيش بها داخله. حين يستعيد الإنسان علاقته بربه وعلاقته معه ارتباطاً روحياً قوياً على مستوى التعبد له والصلة والدعاء والتقرب به وتعميق فهم الذات واستثمار قوتها وما تمتلكه كمن نقاط إيجابية ومضيئة، ويجد ملجأه في قيمه وفهمه وأفكاره ومشاعره النبيلة، ويحيط نفسه بدوائر دعم إنسانية، يتحول الأتون من نار تحرق إلى نار تنضج وتشكل وتمنح معنى قوي لمهمته ودوره.

وهكذا، يصبح الخروج من الدائرة المغلقة ليس نهاية للأزمة، بل بداية لمسار جديد من الوعي، يحمل فيه الإنسان نفسه ومن حوله نحو مساحة أوسع من الطمأنينة والاتزان والأمل.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

31-1-2026 

في المثقف اليوم