أقلام حرة
شاكر عبد موسى: أزمة الطاقة العالمية وتأثيرها على القطاعات الأخرى
بعد مرور أكثر من شهرٍ على الصراع المسلح في إيران، شهد العالم تفاقمًا ملحوظًا في أزمة نقص النفط الخام، مما يهدد بتحوّل هذه المشكلة إلى نقصٍ شامل ليس فقط في الوقود، ولكن في مجموعة واسعة من المنتجات الأساسية.
تؤكد البيانات الحالية أن النزاع الدائر في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع كبير في تدفقات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو ما تسبّب بدوره في انخفاض الإمدادات العالمية بنسبة تُقدّر بخُمس الإنتاج العالمي من هذه الموارد الحيوية.
هذا الانخفاض في الإمدادات لم يقتصر تأثيره على ارتفاع أسعار الوقود فقط، بل أثّر بشكل عميق على توفر المواد البتروكيماوية الضرورية لتصنيع عدد كبير من السلع اليومية، مثل الملابس، والأحذية، والأكياس البلاستيكية.
وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا مع تصاعد الأسعار المرتبطة بالمواد الأولية مثل البلاستيك والمطاط والبوليستر، الأمر الذي فرض ضغوطًا إضافية على الأسواق الاستهلاكية، خاصة في آسيا، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي وتعتمد بشكل أساسي على الواردات النفطية والبتروكيماوية.
1- في كوريا الجنوبية، شهدت الفترات الأخيرة ذعرًا بين المواطنين الذين اندفعوا لشراء أكياس القمامة بسبب مخاوف متنامية من نفادها. في مواجهة هذه الأزمة، سعت الحكومة الكورية إلى تقليل استهلاك المواد ذات الاستخدام الواحد.
الحكومة الكورية سارعت إلى استغلال قرار تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على المنتجات النفطية القادمة من روسيا، إذ استوردت أولى شحناتها من النافثا الروسية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.
وفي إطار مواجهة الأزمة الداخلية للإمدادات النفطية، فرضت الحكومة الكورية حظرًا على تصدير النافثا للحفاظ على المخزون المحلي.
2- وعلى صعيد مشابه، أعلنت - تايوان - إطلاق خط ساخن للمصانع المتضررة من شح المواد البلاستيكية، بينما أعرب مزارعون محليون عن احتمالية رفع أسعار الأرز نتيجة لعدم توفر الأكياس المخصصة لتعبئته.
3- أما في اليابان، فقد أثارت أزمة النفط مخاوف جدّية بشأن إمكانية حصول مرضى الفشل الكلوي المزمن على العلاج اللازم، حيث عانت البلاد من نقص في الأنابيب البلاستيكية المستخدمة في عمليات غسيل الكلى.
4- وفي ماليزيا، تواجه شركات تصنيع القفازات الطبية أزمة تهدد الإمدادات العالمية بسبب نقص أحد مشتقات البترول الضرورية لإنتاج مطاط اللاتكس.
على الصعيد الأوسع، يُظهر تحليل أجرته (شركة ديزان شيرا ) وشركاه أنّ الأزمة تفاقمت لتؤثر على مجموعة متنوعة من الصناعات، بدءًا من المواد الغذائية مثل البيرة ورقائق البطاطس ووصولاً إلى مستحضرات التجميل.
والسبب يكمن في النقص الحاد بالمواد المستخدمة في التعبئة والتغليف كالأغطية البلاستيكية والصناديق والعبوات. هذا الوضع يعكس تحول التداعيات الاقتصادية بسرعة من اضطراب قطاع النفط والشحن إلى تأثيرات أعمق طالت الصناعات الاستهلاكية والبتروكيماويات.
وقد دفع هذا التدهور السريع إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمي، حيث يواجه المصنعون تكاليف أكبر للطاقة والمواد الخام، ما يضعف هامش أرباحهم ويرفع الأسعار على المستهلكين النهائيين.
في الوقت نفسه، يتسبب ارتفاع أسعار الوقود في اضطرابات كبيرة لقطاعي النقل والخدمات اللوجستية، لا سيما مع نقص إضافي ملحوظ في مواد قادمة من الشرق الأوسط مثل الأسمدة والهيليوم، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والإلكترونيات. كما أشار صندوق النقد الدولي مؤخرًا إلى أن هذه الأزمة متعددة الجوانب تأتي في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات من محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. وبيّن أن هذه التداعيات تؤدي بشكل حتمي إلى ارتفاع الأسعار والتأثير السلبي على معدلات النمو الاقتصادي.
في ظل هذه الأوضاع المقلقة، لجأت العديد من الدول إلى إطلاق كميات قياسية من النفط المخزن ضمن احتياطاتها الاستراتيجية لتخفيف حدة الأزمة. ومع ذلك، يُعد النقص الملحوظ في النافثا، وهو أحد المشتقات الأساسية للبترول المستخدمة في إنتاج المواد الاصطناعية، أحد أبرز المشكلات التي تؤثر على الإمدادات العالمية. وأدى هذا النقص إلى اضطرار بعض الشركات البتروكيماوية في آسيا إلى تقليل معدلات إنتاجها أو حتى إعلان حالة القوة القاهرة بسبب العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نتيجة انعدام البدائل للنافثا.
***
شاكر عبد موسى/ العراق







