أقلام حرة

محمد غاني: حين تسقي يد النبوة أواني القلوب

انها رحلة القلب إلى نور اليقين في رحاب الروح، حيث تتراقص المعاني وتتسامى الكلمات، نجد أنفسنا أمام مشهد بهي، مشهد الكأس الذي يتغنى بساقيه، ويتلذذ بمشروب هو منتجه.  ليس الحديث هنا عن كأس خمر مادية، ولا عن ساقي للنبيذ، بل هو استعارة بديعة لرحلة القلب في طلبه للوصل، وسعيه نحو النور الاصلي.

هنا، يتجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كساقٍ يملأ الأكواب، بل كـساقي للقلوب، يمد يده الشريفة صلى الله عليه وسلم لتسقي أواني أرواحنا الظمأى من شراب المحبة

انها يد النبوة الممتدة عبر العصور، فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنوية التي حملت مشعل الهداية، لم تنقطع عن العطاء بوفاته الجسدية صلى الله عليه وسلم، بل امتدت لتشمل كل عصر ومصر، تسقي قلوب المؤمنين براح المحبة. فدارت كؤوس الراح وعم الانشراح، لا بشرب مادي، بل بالصلاة على رسول الله، حيث يسقي المؤمن نفسه بنفسه، مستمدا من نوره وهديه. وفي هذا التجلي الروحي، يصدح حال العارف قائلا: شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني أنا الشارب المشروب.

إنها ذروة الفناء في المحبوب، حيث تتلاشى الثنائية، ويصبح الشارب والمشروب واحدا في عين الشهود، في إشارة إلى أن سر المحبة النبوية يتجلى في كل قلب مؤمن، ويصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه.

رحلة التحول: من الظلمات إلى النور

إن هذا الشراب الروحي، شراب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد شعور عابر، بل هو قوة تحويلية عظيمة تنتشل القلب من وهدة الظلمات إلى فسيح الأنوار. إنه رحلة مباركة يقطعها المؤمن، ينتقل فيها من:

- ظلمات الشك إلى نور اليقين: فبمحبته تتجلى الحقائق وتتضح البراهين، ويهدأ القلب المضطرب.

- ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة: حيث تتكشف زيف الدنيا وزخرفها، وتظهر الحقائق الكونية كما هي.

- ظلمات الجهل إلى نور العلم: فسنته صلى الله عليه وسلم بحر لا ينضب من المعرفة والحكمة.

- ظلمات الرياء إلى نور الإخلاص: إذ تصبح الأعمال كلها لوجه الله، خالصة من شوائب المراءاة.

- ظلمات السفاهة إلى نور الخلق الحسن: فيتأدب المؤمن بآدابه، ويتجمل بأخلاقه الكريمة.

- ظلمات القبض إلى نور البسط: فينفرج الصدر وتتسع الروح، وتزول ضيقة الهموم.

ـظلمات الغفلة إلى نور اليقظة: فيستيقظ القلب من سباته، ويدرك عظمة الخالق وجمال المخلوق.

- ظلمات الشرود إلى نور الذكر: فيطمئن القلب بذكر الله، وتستقيم الجوارح على طاعته.

الارتقاء الروحي: الرحيق المختوم وبؤبؤ عين الروح هذا الاتصال العميق بساقي القلوب، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرتقي بالمؤمن إلى درجات عليا من الروحانية، عبر ما يمكن تسميته بـ الرحيق المختوم. إنه رحيق يطهر القلب من وسخ الماديات والتعلقات الدنيوية، ليتحول إلى عطر المسك الفواح، نقاء وصفاء. في هذه المرتبة، يشهد القلب شهادة لا إله إلا الله، ليس مجرد نطق باللسان، بل شهادة شهود بؤبؤ عين الروح. إنها رؤية قلبية تتجاوز البصر، تدرك أن لا محبوب إلا الله، وأن كل محبة دونه هي سراب. هنا، يصبح القلب مرآة صافية تتجلى فيها أنوار الحق، ويغدو المؤمن جزءا من هذا النور المتدفق.

أنين الشوق وحضور الغائب وفي ختام هذه الرحلة الروحية، يبقى الشوق أنينا لا ينقطع، وحضورا لا يغيب. فمهما بلغ العبد من القرب، يظل قلبه يهفو إلى المزيد، وتظل عيناه تذرف الدمع شوقا إلى من كان سببا في هدايته ونوره. وفي هذا المعنى العميق، يتجلى حال المحب في قوله:

وتبكيهم عيني وهم في سوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي.

إنها مفارقة بديعة، فالحبيب حاضر في سواد العين، وفي أعماق القلب، ومع ذلك يشكو المحب النوى والفراق. هذا ليس فراقًا حقيقيا، بل هو شوق الروح إلى الكمال، وتوق القلب إلى المزيد من القرب والوصال. فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مفتاح الحياة الروحية، وهي الجسر الذي يعبر بنا من ظلمات أنفسنا إلى نور الحق، ومن فناء الدنيا إلى بقاء الآخرة. فلنجعل من هذه المحبة زادنا، لنرتوي من كأس لا ينضب، ونسير على درب لا يضل، حتى نلقى الساقي المحبوب من حوضه الشريف، ونفوز بالنظر إلى وجهه الكريم.

***

د محمد غاني - كاتب، المغرب

في المثقف اليوم