عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: على عتبة الثمانين.. قراءة ثانية لصور العمر

وفّر لي التقاعد فسحةً من الوقت، تلك النعمة التي طالما افتقدتها في سنوات العمل، ومنحني فرصة الالتفات إلى أمورٍ كثيرة كانت مؤجلة. كنت أشتري الكتب بشغف، وأكدّسها على الرفوف دون أن أجد الوقت الكافي لقراءتها، وها أنا اليوم أعود إليها؛ أفتح صفحاتها بهدوء، فأستمتع ببعضها، وأكتشف أن بعضها الآخر لم يكن يستحق ذلك الاهتمام، لكنه كان انعكاسًا لذائقتي وتفكيري في تلك المرحلة من العمر.

ومن بين أحبّ الهوايات إلى نفسي توثيق نشاطاتي، ولا سيما الاجتماعية منها، في صورٍ أحتفظ بها بعناية ضمن ملفاتٍ مرتبة على حاسوبي الشخصي. كنت أسعى إلى تحويل بعض هذه الصور إلى أفلامٍ قصيرة لكل مناسبة، أُطعّمها بالموسيقى المناسبة، بحيث أستطيع الرجوع إليها بسهولة، فأستعيد لحظاتٍ جميلة وأعيشها من جديد. لديّ رصيدٌ كبير من الصور التي لا تزال تنتظر إعادة ترتيبها وتجميعها في أفلام، ومعظمها يوثّق مراحل سابقة من حياة الأبناء والأحفاد. كما أحرص على مشاركتها مع من عاصروا تلك المناسبات وشاركوني فيها، سواء كانت مفرحة أم محزنة، استذكارًا لتلك اللحظات؛ ولعل في الذكرى ما يُبهج أو ينفع.

حين أقف أمام تلك الصور، أرى فيها عمرًا كاملًا يمضي أمامي. أرى نفسي كيف كنت، ثم كيف أصبحت اليوم جدًّا أخطو بهدوء نحو الثمانين، مثقلًا بذكرياتٍ تختلط فيها أفراح الأيام بأحزانها، وبعضها كان بالغ القسوة. ولطالما تمنّيت أن تُمحى من الذاكرة تلك اللحظات المؤلمة، وأن تبقى وحدها الصور المضيئة.

أستعيد وجوه أبنائي ووجوه أحفادي وهم صغار ببراءتهم الأولى، ثم أراهم كيف كبروا، وكيف تغيّرت ملامحهم، حتى صار بعضهم اليوم أربابَ أُسر، يحملون مسؤولياتهم، ويربّون أبناءً أصبحوا بدورهم طلبةً في كلياتٍ مرموقة.

وفي خضمّ هذا الاسترجاع، تتوارد إلى ذهني تساؤلاتٌ صادقة: هل أثمر ما بذلته من جهدٍ ومال؟ وهل كنت موفقًا في تربيتهم؟ غير أن قلبي يطمئن حين أرى ما صاروا إليه؛ فأحمد الله الذي حباني أبناءً نجباء أوفياء، أبرارًا بي، متراحمين فيما بينهم، وتلك نعمةٌ عظيمة تستحق الشكر.

قد يتبادر إلى الذهن أن النجاح يُقاس بالشهادات والمناصب والمكانة الاجتماعية التي بلغوها بفضل الله، لكنني وجدت نفسي أتأمل في أمورٍ أعمق من ذلك. فكّرت في المنظومة القيمية والأخلاقية التي اكتسبوها من البيئة التي نشأوا فيها: قيم الصدق، والأمانة، والشرف، والاحترام. ومن أجمل ما أعتزّ به أننا لم نتداول بيننا إلا الكلام الطيب، وكان الاحترام المتبادل بيننا سلوكًا يوميًا انعكس بدوره على تصرفاتهم وحسن سلوكهم في البيت والمجتمع. كما أن هناك قيمًا أخرى لا تقل أهمية، مثل القناعة، والثقة بالنفس، والنظافة، والذوق العام في الملبس والمأكل والمشرب، وغيرها من تفاصيل الحياة التي تُشكّل الإنسان؛ إذ اجتمعت فيهم قيم الحداثة مع قيمنا وتقاليدنا الاجتماعية.

لقد وجدت في ترتيب الصور والذكريات متعةً خاصة، حتى أصبحت أقضي جزءًا كبيرًا من وقتي اليومي في هذا العمل، مؤمنًا بأنها ستكون يومًا ما مصدر سعادة وحنين للأبناء والأحفاد، كما هي اليوم مصدر سعادتي.

لقد حاولت مرارًا أن أكتب بعض مذكراتي، لا بقصد نشرها، بل لنقل تجارب حياتي وأفكاري. غير أنني كثيرًا ما شعرت أن هذه التجارب قد لا تنسجم مع روح العصر الحالي، وأن الأبناء والأحفاد قد لا يجدون فيها ما ينفعهم. ومع ذلك، كنت أحرص على أن أصوّر لهم البيئة التي نشأت فيها، والفروق الكبيرة بينها وبين بيئتهم اليوم، من حيث أسلوب الحياة والتقاليد التي تمسّكنا بها، وما زلنا نراها الأقرب إلى الصواب.

ورغم أنني قطعت شوطًا لا بأس به في الكتابة، فإن بعض الذكريات كانت تعيد إليّ شعورًا بالإحباط، خاصة حين أتذكر بعض التصرفات التي أندم عليها؛ ولعل من أبرزها عادة التدخين التي أنهكت صحتي وتركت أثرها عليّ. فكلما نظرت إلى صوري القديمة، أجد السيجارة لا تفارقني. وقد بدأت هذه العادة في سنٍ مبكرة، في وقتٍ كنا نعتقد فيه – خطأً – أن التدخين مظهرٌ من مظاهر الرجولة، ناهيك عن عاداتٍ أخرى لا مجال لذكرها الآن.

وهكذا، أرى أن مرحلة التقاعد ليست نهاية طريق، إنما بداية وعيٍ مختلف بالحياة؛ وعيٌ يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها التي غابت طويلًا في زحام الأيام. أدركتُ أن الزمن يُقاس بما نملأه به من معنى، وأن الذكريات مرآة نرى فيها حقيقتنا. وحين نتأملها، قد نتمنى لو نعود لنُصلح بعض المسارات، غير أن ما مضى لا يُستعاد، فلا يبقى لنا إلا أن نتصالح معه ونمضي بسلام.

لقد أقنعتُ نفسي، لأتخفّف من وطأة الندم وأستعيد راحتي، بأن تِركة الإنسان الحقيقية هي ما يغرسه في القلوب من محبة، وما يزرعه في النفوس من قيم. هناك، في دفء العلاقات الأسرية والمجتمعية، يتجلّى الأثر الصادق للحياة. ومع كل صورة أستعيدها، أرى نفسي كما كنت؛ أفهمها أكثر، وأسامحها أكثر. عندها فقط أدرك أن العمر، بكل ما حمله من أفراحٍ وتعب، لم يمضِ سدى… بل كان رحلةً جديرة بأن تُعاش، وتُروى، ويُطمأن إليها.

***

سعد عبد المجيد إبراهيم