عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

غريب دوحي: النشاط النازي في العراق 1930-1943

بدأت الدعاية النازية في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكان هدفها التأثير على عقول الشباب وبعض الاحزاب السياسية المعادية للإنكليز وايهام العراقيين بان انتصار النازية في الحرب العالمية الثانية هو من صالح العراق وتحرره من السيطرة البريطانية.

وهكذا بدأت بعض الصحف العراقية في بغداد منذ عام 1930 بترجمة ونشر مقالات عن الزعيم النازي هتلر ورفع صوره اثناء المسيرات التي تقام في شوارع بغداد وبعد تسلم هتلر للسلطة عام 1933 زاد اهتمام هذه الصحف بالدعاية النازية وتم ترجمة كتاب (كفاحي) ونشر في الصحف العراقية بشكل حلقات متتالية، وكان للسفير الالماني (غروبا) دور كبير في الترويج للسياسة الالمانية. من جهة اخرى، عرضت دور السينما في بغداد أفلاماً لهتلر وهو يلقي إحدى خطاباته النازية مما أثار حماسة الجماهير التي أخذت تصفق وتهتف لهتلر اثناء خطابه، كما قامت وزارة المعارف بإرسال عدد من الشباب الى المانيا للاشتراك في مؤتمر الشبيبة النازية المنعقد في برلين وبعد عودتهم صرحوا بأنهم يتمنون ان يحكم العراق رجلا مثل هتلر كما أعربوا عن رغبتهم في زيارة هتلر للعراق لكي يرى مدى الاستقبال العظيم الذي سيقام له.

وقد أهدى هتلر محطة اذاعة الى الملك غازي عام 1936 توثيقا لعلاقة المانيا بالحكومة العراقية حيث أصبحت تبث الدعاية النازية.

ان استقراءً لتاريخ الاحزاب السياسية في العراق لم يؤشر على وجود حزب أو تكتل أو حتى تيار سياسي يحمل اسم الحزب النازي فكل ما في الامر لا يتعدى مجرد وجود بعض الساسة العراقيين المعجبين بهتلر وافكاره القومية الممزوجة بالاشتراكية والتي تتلائم نوعا ما مع الافكار القومية العربية التي يؤمن بها هؤلاء الساسة مثل رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة ذات الميول القومية بالإضافة الى الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين والذي كان يتردد على العراق بين فترة واخرى والذي قيل عنه انه كان معاديا للانكليز وذات ميول نازية وقد وضح دوره خلال حركة مايس 1941 ثم لقاءاته بهتلر.

وقد تبنى رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي نظاما طبق في المدارس العراقية اطلق عليه نظام (الفتوة) الا ان الانكليز عارضوا هذا المشروع باعتباره يمثل حركة نازية تستمد تعاليمها من المانيا الهتلرية وتدعوا الى التمييز العنصري واضطهاد اليهود وقد قررت الحكومة العراقية حل هذا التنظيم من المدارس بعد فشل حركة مايس.

وهكذا ازداد الناس اعجابا بهتلر حتى انهم كانوا يصفقون لهتلر اثناء خطاباته واخذ كل نجاح تحرزه المانيا في الحرب يقابل بالترحيب في العراق.

في عام 1935 تأسس في بغداد نادي المثنى وكان يونس السبعاوي احد قادة ثورة مايس وثيق الصلة بهذا النادي ومن المعجبين بشخصية هتلر، كما ان بكر صدقي قائد اول انقلاب عسكري عام 1936 كان ذو احلام نازية وكان يهدف الى عزل الملك غازي واقامة نظام جمهوري اشبه ما يكون بالنظام الالماني الا ان مصرعه في الموصل عام 1937 احال دون تحقيق هذا الهدف.

وقد بلغ التدخل العسكري الالماني ذروته خلال حركة مايس 1941 ذلك لان قادة الحركة كانت لهم ميول نحو هتلر وبما ان الحركة كانت موجهة ضد الانكليز في العراق فقد استند هؤلاء القادة الى قاعدة تقول (عدو عدوي صديقي) اما بريطانيا فأنها كانت تتخوف من احتلال المانيا للعراق واتخاذه قاعدة للانطلاق لاحتلال الشرق الاوسط الامر الذي يهدد مصالح بريطانيا النفطية ومصالحها في الهند بالإضافة الى سقوط كل من فرنسا وهولندا بيد الالمان عام 1940 حيث ظلت بريطانيا وحدها في الميدان، وقد اجتهد زعماء حركة مايس للحصول على دعم ومساندة المانيا لهم، ومن جهة اخرى اذاع هتلر تعليماته الخاصة بمساندة العراق على شكل رسالة جاء فيها (.. ان حركة التحرر العربية في الشرق الاوسط حليفنا الطبيعي ضد بريطانيا لهذا فان للثورة في العراق اهمية خاصة فهي تعزيز للقوى المعادية للإنكليز في الشرق الاوسط..) الا ان المساعدات الالمانية لم يكن لها سوى تأثير محدود رغم ان (15) طائرة المانية وصلت بغداد كما ارسلت الحكومة الالمانية الى حكومة رشيد عالي الكيلاني بعض الشحنات من الاسلحة الخفيفة و(30) طائرة مقاتلة الى مدينة الموصل، وكانت المانيا قد انشأت اذاعة كبرى في احدى ضواحي مدينة برلين تبث برامجها الخاصة بالوطن العربي وتركيا وايران وكان من ابرز وجوهها يونس بحري الذي اشتهر بمقدمته المعروفة (هنا برلين، حيي العرب))كما وصل ضابط الماني بمهمة استطلاع المدرجات الصالحة للطيران وقد قتل فوق بغداد حيث ظن العراقيون انها طائرة انكليزية والطيار هو ابن قائد القوة الجوية الالمانية وقد وصل دعما لحركة العقداء الاربعة، غير ان الدور الالماني في فتح جبهة عسكرية في العراق لم يكن جاداً لان هدفه الاساس هو مشاغلة الانكليز وارباك خططهم. وقد فشلت خطط الالمان لاسباب منها قصر عمر الحركة التي لم تستمر سوى (30) يوما نتج عنها انتقال قادة الحركة الى كركوك ثم هروبهم خارج العراق ثم هرب السفير الالماني (غروبا) من بغداد الى الموصل تبعه هروب العقداء الاربعة الى ايران وتركيا الا ان سلطات كلا البلدين قامت بتسليمهم الى الحكومة العراقية التي نفذت فيهم احكام الاعدام بعد فشل الحركة، وقد اشرف الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق على اعدامهم وامر بتعليق جثة صلاح الدين الصباغ على باب وزارة الدفاع، وقد تمكنت المخابرات الالمانية من تهريب رشيد عالي الى ايران ثم المانيا حيث استقبله هتلر في مقره ببرلين.

***

غريب دوحي