قضايا
الكاتب نبيل عيدو: هل نحن نرى ونفكر بالضوء؟
في لحظة عادية من يوم عادي، يكفي أن تنطفئ الكهرباء لثوانٍ حتى يتغير كل شيء في الغرفة؛ فرغم أن الأشياء نفسها، والوجوه نفسها، إلا أن الإحساس بها يتبدل بشكل كامل. إن الضوء، إضافة إلى كونه الوسيلة التي تجعلنا نرى الأشياء من حولنا، يحدد كذلك طريقة رؤيتنا لها. هذه الحقيقة البسيطة التي يعيشها الإنسان يومياً، هي ذاتها التي يستند إليها العقل وهو يحاول فهم أكثر الأفكار تجريدًا.
العقل عندما يفكر يستعير من العالم الذي يراه أمامه. وعندما يحاول أن يفهم معنى مثل الهداية أو المعرفة، فإنه يعود بشكل تلقائي إلى أكثر تجربة حسية رسوخًا فيه: الرؤية. هنا يظهر الضوء، لا كظاهرة فيزيائية فقط، بل كنموذج إدراكي يعيد العقل استخدامه لتنظيم المعنى. وقد أشار لايكوف إلى أن الأنظمة المفاهيمية لدى الإنسان ترتكز جزئيًا على أنماط حسية متجذّرة في بنيته العصبية (Lakoff, 2012)، وهو ما يجعل الضوء أحد أكثر النماذج حضورًا في التفكير الإنساني.
لهذا السبب، عندما يتحدث الإنسان عن الفهم، فإنه يقول اتضحت الصورة، وعندما يعجز يقول الأمر غامض. تمثل هذه التعابير آثارًا مباشرة لطريقة عمل الإدراك، وتتجاوز كونها مجرد استعارات لغوية عابرة. وقد بيّنت دراسات في علم النفس المعرفي أن الارتباط بين الضوء والمعرفة، وبين الظل والغموض، ليس اعتباطيًا، بل يدخل في تشكيل الأحكام العاطفية والمعرفية (Crawford, 2009).
في نظرية النظم العامة عند برتالانفي (1968)، التي تشير إلى إمكانية وجود تماثلات بنيوية بين أنظمة مختلفة رغم اختلاف طبيعتها، حيث يمكن ملاحظة تشابه في أنماط التنظيم دون افتراض وحدة القوانين أو تطابقها. هذا يفتح المجال لفهم كيف يمكن لنموذج مثل الضوء أن يُستخدم كإطار إدراكي لفهم مجالات غير فيزيائية. وهو ما عبر عنه بالتشاكل البنيوي.
ومن هنا، نفهم نقطة جوهرية كيف يتجلى في القرآن الكريم التشاكل البنيوي بين البصر كبصيرة معرفية والنور كضوء فيزيائي، حيث يستخدم القرآن النور والظلمات كأدوات معرفية لبناء المعنى. حين يرد النور في سياق الهداية، فهو لا يقدّم صورة شعرية عابرة، إنما يستدعي تجربة إدراكية كاملة يعيشها الإنسان في كل مرة يرى فيها الطريق بعد عتمة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن مفهوم النور في القرآن يعمل كمجال دلالي ينقل معاني معرفية وروحية تتجاوز المعنى الحسي المباشر (Elamin & Alhazmi, 2021).
والمعجز في البلاغة أن هناك نظامًا داخليًا دقيقًا غير ملاحظ في الحالة العادية للفهم والتفسير ولكن الكشف العميق يظهر أن النور يأتي في كثير من المواضع بصيغة المفرد، بينما تتكرر الظلمات بصيغة الجمع، في إشارة دلالية إلى وحدة الحقيقة في مقابل تشتت مسارات الضلال، وهو ما رصدته تحليلات لغوية حديثة بوصفه بنية تنظيمية داخل النص (Ramadan, 2023). هذا النوع من البناء، يكشف عن انسجام عميق مع الطريقة التي يعمل بها العقل البشري.
ومع تطور العلوم المعرفية، بدأ الباحثون يلاحظون أن الدماغ لا يتعامل مع المفاهيم المجردة بمعزل عن الخبرة الحسية، حيث تشير بعض الدراسات إلى وجود تداخل بين معالجة المفاهيم والنشاط في مناطق مرتبطة بالإدراك الحسي، خاصة البصري (Landau et al., 2010). هذه النتائج لا تعني أن التفكير هو مجرد صورة ضوئية داخل الدماغ، لكنها توضح أن الإدراك يعيد استخدام أنماط مألوفة لبناء معانٍ جديدة.
هذا ما أسميته بـ “التفكير الضوئي”، حيث يعمل العقل على تنظيم الخبرة عبر نماذج مثل الضوء والظل، فيحوّل الرؤية إلى أداة للفهم. وعندما يستخدم القرآن هذه اللغة، فإنه يخاطب الإنسان من داخل بنيته الإدراكية، فيجعل المعنى قريبًا دون أن يفقد عمقه.
الأمر يمتد إلى الطريقة التي يفكر بها الإنسان في حياته اليومية، حيث يستخدم الضوء ليحكم على الأشياء، وعلى الناس، وعلى نفسه أحيانًا. ومع أن الدراسات الحديثة تشير إلى أن الإدراك يعتمد على أنظمة متعددة تشمل التمثيل الحسي والتجريد والتنبؤ (Kiefer & Pulvermüller, 2024)، فإن حضور النماذج الضوئية يبقى من أكثرها تأثيرًا واستقرارًا.
بهذا المعنى، لا يكون الضوء مجرد أداة للرؤية، بل يصبح طريقة في التفكير، ولا يكون الظل غيابًا، بل مساحة يتشكل فيها المعنى. وبين الضوء والظل، يتحرك العقل وهو يحاول أن يفهم، وأن يفسّر، وأن يجد طريقه وسط هذا العالم المعقّد.
***
الكاتب نبيل عيدو







