أقلام حرة
احمد راضي: هندسةُ "الأخلاق" الوراثية
يقولون إنّ الخبز لم يعد ذاك الخبز الذي عرفته البيوت القديمة، فقد امتدّت إليه أيدي المختبرات، تعبث بجينات القمح كما تعبث الرياح بسنابل الحقول، فتغيّرَ لونه، وخبا طعمه، وفقدت الأرغفة شيئًا من روحها الأولى.
وكذلك الجبن، والدجاج، والغنم، والبقر، كلّها أصابتها يد الاقتصاد حين تحالفت الرأسمالية مع العلم، فصار الشيء يشبه نفسه في الصورة فقط، بينما تبدّلت حقيقته في العمق، إلا ما استعصى على التغيير واحتفظ ببعض براءته الأولى.
غير أنّ الكارثة الكبرى لا تبدو في الطعام، بل في الإنسان نفسه. فكأنّ هندسة الجينات لم تتوقف عند النبات والحيوان، بل انسحبت خفيةً إلى الأخلاق. حتى غدت النفوس لا ترتجف أمام الظلم، ولا تنفر من القبح، ولا تثور في وجه الباطل.
صرنا نرى هذا السيل الهائل من القتل والإجرام يمرّ أمام العيون بلا دهشة، وبلا غضب، وبلا ذلك الوجع الإنساني الذي كان يومًا علامة على وجود حياة ووجود حياء.
ولعلّ العرب كانوا من أكثر الشعوب تعرضًا لهذه “الهندسة الأخلاقية”، حتى بدا كثير منهم بلا مذاق عربي، ولا حسّ إنساني، ولا هوية أخلاقية واضحة.
وحين أقول “العرب”، فأنا لا أعني قوميةً بعينها، بل هذا العالم الممتدّ الذي جمعته الجغرافيا والتاريخ والحضارة. العالم الذي يضمّ المسلمين والمسيحيين والصابئين والأيزيديين واليهود والملحدين وغيرهم، ويضم العرب والأكراد والأمازيغ والنوبيين والكلدان والآشوريين وسائر القوميات التي اختلطت دماؤها وتشابكت حكاياتها وتعانقت أعراقها وامتزجت ثقافاتها عبر القرون.
وإذا كان خمود عامة الناس مؤلمًا، فإنّ ما يثير الصدمة حقًا هو حال بعض من يُفترض أنهم أهل الوعي والثقافة؛ أولئك الذين مضت سنوات على المآسي المشتعلة في المنطقة، ولم يقطر لقلم أحدهم دمعٌ، ولو كان كَذبًا.
ومع ذلك، لا يكفّ بعضهم عن الغرق في هويات ضيقة، يستحضرون مناسبات غابرة، وكأنّ التاريخ منفصل عن حاضر الدم والنار، مع أنّ تلك الوقائع نفسها كانت وما تزال جزءًا من هذا الواقع الاجتماعي والسياسي المضطرب.
إنّ أكثر ما يبعث الخوف، أن تمتدّ هذه الهندسة الوراثية المرعبة إلى جوهر الإنسان ذاته، إلى تلك المنطقة الخفية التي تحفظ في دواخلنا الرحمة وتحافظ على الشفقة و تحمي زرع المودة.
وعندها لن نغدو كالحيوانات التي تتجاور وتتعايش في الطبيعة بقدر واضح من الإنسجام، بل سنصبح وحوشًا ينهش بعضنا بعضًا بلا قلب ولا ذاكرة ولا رحمة.
***
أحمد راضي







