عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

محمد البغدادي: حسن البنا والنظام العالمي.. صدام الرؤية أم اختلاف الزمن؟

حين أسّس حسن البنا حركته في مصر عام 1928، لم يكن مصطلح "النظام العالمي الجديد" قد وُلد بعد، لكن البنية التي سينبثق عنها هذا المفهوم كانت تتشكّل بالفعل. العالم الخارج من الحرب العالمية الأولى كان يتجه نحو إعادة تنظيم دولي تقوده القوى الاستعمارية، قبل أن يترسخ لاحقًا بعد الحرب الباردة في صورة نظام دولي أكثر وضوحًا. في هذا السياق، يظهر فكر البنا كاستجابة مبكرة، بل واعتراض تأسيسي، على المسار الذي سيقود إلى النظام العالمي بصيغته الحديثة.

البنا لم يكن مجرد داعية ديني، بل كان صاحب مشروع سياسي-حضاري يرى أن الخلل في العالم الإسلامي ليس داخليًا فقط، بل هو نتيجة اندماجه القسري في نظام دولي تهيمن عليه قوى خارجية. لذلك، فإن طرحه لمفهوم "شمولية الإسلام" لم يكن وعظًا روحيًا بقدر ما كان محاولة لبناء إطار بديل للنظام الدولي القائم. في مقابل عالم يتجه إلى تكريس الدولة القومية كفاعل أساسي، كان البنا يستدعي مفهوم "الأمة" ككيان عابر للحدود، يتجاوز التقسيمات التي فرضها الاستعمار.

هذا التباين ليس شكليًا، بل يمس جوهر الرؤية السياسية. فالنظام العالمي، كما تبلور عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة، يقوم على مبدأ السيادة الوطنية والتوازن بين الدول، حتى وإن كان هذا التوازن مختلًا لصالح القوى الكبرى. أما عند البنا، فالدولة ليست غاية نهائية، بل مرحلة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية دينية. هنا يتجلى التناقض: نظام دولي يسعى إلى إدارة الاختلاف، مقابل مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريفه من الأساس.

الأهم من ذلك أن البنا قرأ مبكرًا مسألة الهيمنة، وإن بلغة عصره. فقد رأى أن الغرب لا يفرض سيطرته فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا عبر الثقافة والاقتصاد وأنماط الحكم. وهذه القراءة تتقاطع مع تحليلات لاحقة للنظام العالمي، لكنها تختلف في الاستنتاج: فبينما يدعو النظام الدولي إلى الاندماج في منظومته، يدعو البنا إلى الانفصال عنها وبناء بديل مستقل.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مشروع البنا بقي نظريًا جزئيًا في علاقته بالنظام الدولي. فهو لم يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية إدارة علاقات دولية معقدة في عالم متعدد القوى، بقدر ما ركّز على إعادة بناء الداخل كمدخل للتغيير الخارجي. وهذا ما يجعل الفارق بينه وبين النظام العالمي ليس فقط في الأهداف، بل في مستوى الاشتغال: البنا يتحرك في حقل الفكرة والتعبئة، بينما يتحرك النظام العالمي في حقل المصالح والتوازنات.

اليوم، وبعد تحولات كبرى وصعود قوى مثل الصين وروسيا، لم يعد النظام العالمي أحاديًا كما كان، لكن جوهره لم يتغير: ما زال قائمًا على الدولة، السيادة، والمصالح. في المقابل، تستمر أفكار البنا بأشكال مختلفة في تمثيل تيار يرفض هذا الأساس من جذوره، لا من تفاصيله.

في الخلاصة، العلاقة بين حسن البنا والنظام العالمي ليست علاقة تفاعل مباشر، بل علاقة "اختلاف بنيوي". إنه اختلاف بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تنظيم العالم كما هو، والآخر يسعى إلى إعادة تعريفه كما ينبغي أن يكون.

***

محمد البغدادي