أقلام حرة

بشرى الهلالي: حين تُغلق الجهات الأربع.. هل ما زال "أعلى" ننظر إليه؟

قال طالبٌ لأستاذه: "لا أعرف أين أذهب، فالاتجاهات الأربعة أمامي مسدودة: يسار، يمين، خلف، أمام.

أجابه الأستاذ بهدوء: الأعلى مفتوح… انظر إلى الأعلى". مقولة معروفة من فلسفة الزن البوذية

ليست هذه جملة عابرة، بل مرآة لزمنٍ كامل. زمنٍ يشعر فيه الإنسان، في العراق كما في غيره، أن الخرائط لم تعد تقوده، وأن الطرق التي اعتادها صارت متاهاتٍ مغلقة. يسارٌ مثقلٌ بخيبات السياسة، يمينٌ مثقلٌ بخيبات أخرى، أمامٌ يكتنفه الغموض، وخلفٌ يثقل الذاكرة بما لا يُحتمل. فإلى أين يمضي؟

هنا، لا يقترح الأستاذ طريقًا خامسًا على الأرض، بل يفتح بُعدًا جديدًا: الأعلى.

كأنما يقول: المشكلة ليست في قلة الطرق، بل في طبيعة النظر إليها.

في معناها الأول، تعكس هذه العبارة حالة الانسداد الوجودي التي يعيشها الفرد حين تضيق به الخيارات. كثير من الشباب في العراق اليوم يقفون عند هذا المفترق: فرص محدودة، واقع ضاغط، وإحساس بأن كل الاتجاهات استُهلكت. لكن "الأعلى" هنا ليس هروبًا، بل دعوة إلى كسر أفق الأزمة، إلى البحث عن معنى لا تتيحه الحسابات الضيقة.

أما في بعدها الروحي، فإن "الأعلى" يتجاوز الجغرافيا. هو ليس جهة، بل قيمة. هو الإيمان بأن ما لا يُحلّ على مستوى الواقع المادي، يمكن تجاوزه بالاتكاء على معنى أسمى: كرامة، حق، أمل، أو حتى يقين داخلي بأن الإنسان أكبر من شروطه. في بلدٍ عانى ما عاناه العراق، لم يكن البقاء ممكنًا لولا هذا "الأعلى" الذي ظلّ، بطريقة ما، مفتوحًا.

لكن لعلّ المعنى الأعمق يكمن في تغيير زاوية النظر. الطالب حصر نفسه في أربعة اتجاهات، بينما الأستاذ حرّره من هذا الحصر. كم مرة نفعل نحن الشيء ذاته؟ نحاصر أنفسنا بخيارات نعتقد أنها الوحيدة، ثم نُعلن انسداد الفرص. بينما الحقيقة أن العالم لا يضيق، بل رؤيتنا له هي التي تضيق.

في الواقع العراقي، يتجلّى هذا بوضوح:

حين تُختزل الحلول في ثنائيات قاتلة، هذا أو ذاك، معهم أو ضدهم، ماضٍ أو حاضر، يصبح "الأعلى" فعل مقاومة. مقاومة للابتذال، وللاستسلام، وللإيمان بأن لا جديد ممكن. "الأعلى" هنا هو القدرة على تخيّل ما لم يُجرَّب بعد، وعلى إعادة تعريف الممكن.

وهنا نصل إلى البعد الرابع: فلسفة الأمل والإبداع.

حين تُغلق الأبواب، لا يعني ذلك نهاية الطريق، بل ربما بداية اختراع طريق جديد. "الأعلى" ليس معطًى جاهزًا، بل فعل خلق. أن تكتب رغم الضجيج، أن تعمل رغم الإحباط، أن تؤمن رغم كل ما يدفعك لليأس، ذلك هو الصعود.

في النهاية، ليست القضية أن ننظر إلى الأعلى مرةً واحدة، بل أن نتعلّم كيف نحتفظ بهذه القدرة في أكثر اللحظات ظلمة.

لأن الأمم، مثل الأفراد، لا تسقط حين تُغلق أمامها الطرق، بل حين تفقد الجرأة على رفع رؤوسها.

في العراق، ربما أُغلقت جهات كثيرة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: أين نذهب؟

بل: هل ما زلنا قادرين أن ننظر إلى الأعلى؟

***

بشرى الهلالي - بغداد

 

في المثقف اليوم