عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

زهير ياسين شليبه: الفنان التشكيلي العراقي هادي الصكر!

خمسة عقود من الغربة!

يا لها من مفاجأة! وجدتُ في دفتر ملاحظاتي في الموبايل مقطعًا من انطباعاتي كتبتها بمناسبة اختيار الدكتور هادي الصكر كأفضل فنان تشكيلي في مدينة سفينبورج الدنمركية عام 2005 وعن معرضه قبل عقدين من السنين، أقدّمه إلى القارئ الآن!

وفكّرتُ أن أرفق معه بعضَ لوحاته الفنيّة، لنشرها بعد إجراء بعض التعديلات و"التدقيقات"، وصورة شخصية له!

الفنّان هادي الصكر شديد التواضع، لا يتحمس كثيراً لمثل هذه "المبادرات"، فلا بدّ من إعداد المقال ونشره دون إحاطته بالأمر، لتكون مبادرتنا مفاجئةً له!

إليكم ما كتبته عنه آنئذ:

هادي اسم على مسمى، يعمل بهدوء لساعات عديدة في الليل، ويتأمل أعماله في النهار، صموت، لا يتكلم كثيراً، لكن أغلب لوحاته تنطق أفكاراً عديدةً، متنوعةَ الموضوعات، وأخرى تشبه القصص، ومنها تتميز بسرديات قد تذكّرنا أحياناً بأحلامٍ متناثرة المقاطع!92 hadi alsagher

لا يبدو ذلك في لوحاته بوضوحٍ، إذ إن كلّ تفصيل من تفاصيلها مُصاغ بتقنية فنيّةٍ عاليةٍ، بعيدةٍ عن البساطةِ أو "المباشرة والتقليدية" رغم تلقائيّتها أحياناً! يمكن النظر إلى أغلب لوحاته من مختلف الجوانب والاتجاهات، وغير مهم أن يشاهدها المتلقي من فوق أو من تحت، ويمكن تعليقها أفقياً أو عموديّاً!

ولهذا، قد يغرق المتلقي الحاذق في بحورها إذا غاصَ متمعّناً فيها، ويقع في عشقها وشغفها وأسرِها الساحر، ولن ينفكَّ منها إلّا بعد أن يُشبعَ خياله بتأويلاتها. قد يبدو في اللوحة وجه مختفٍ، وقد يتصور بعضهم أنه لشهريار، وعينان تطلّان من خلال الألوان يُحار المرء في وصفها!  

أو كبوة جواد، وحوافر فرس، وعينان لفارسٍ بدوي يتسم وجهه باعتداد النفس والفخر والكرامة، أو بالقساوة والتعب!

يقول الفنان هادي عن طريقة عمله، بمناسبة افتتاح معرضه الشخصي عام 2006 في مدينة روسكيلده، بأنه يبثُّ أفكاره ومشاعره في لوحاته!

وأتذكّر أني علّقتُ بين نفسي قائلاً: "يا له من خيال واسع كبير يحلّق هادي في سمائه: أحلام وتلميحات وإلهام وأفكار متنوعة تنطبق عليها فكرة النقد الرائعة: "أكذبُه أصدقُه"!، هل هي حقّاً "أكاذيب" تتجسّد في خيال إبداعي؟93 hadi alsagher

 افتتح هادي الصكر عدة معارض في الدنمرك، كان أهمّها معرضان نظمتهما جمعية الفن الحديث في مدينة روسكيلدة الدنمركية بالتعاون مع جمعية "أصدقاء عبر الحدود" التي كنتُ نائباً لرئيستها

الدكتورة آلمَه راسموسين، الأول: جنباً إلى جنب مع أكثر من عشرين فناناً وفنان تشكيلي من مختلف الخلفيات الإثنية والثقافية من المقيمين في الدنمرك وإسكندنافيا، والثاني: شخصي لوحده.

وقد كُتبتْ عدة أخبار عن أعماله الفنية في الصحافة المحلية.

ولا بدّ من الإشارة أيضاً مرةً أخرى إلى معرضه الشخصي الأخر في عام ٢٠١٨ الذي ضمَّ عددا كبيرا من لوحاته الزيتية ذات الأحجام المختلفة.94 hadi alsagher

يتميز أسلوب هادي الصكر في العمل التشكيلي بطول البال والصبر والتأنّي، ولهذا فإنَّ أعماله ذات صبغةًٍِ احترافيةٍ عالية ٍ تجسّد موهبتَه الفنية وخلفيته الأكاديمية، بحسب رأي الدكتورة آلمه راسموسِن، التي قالت لي عنه مبتسمةً: "سألني هادي مرّةً متحرّجاً: "ألا ترين سهولةَ أن يصير المرء رسّاماً في الدَنمرك؟"! ثم أردفت قائلةً: هو يطرحُ مثلَ هذا التساؤل كونه أكاديمياً درسَ الفن لعدة سنوات، وليس مجرّد هاوٍ!"، ويدرك مدى صعوبة الفن الحقيقي.

ولهذا وليس صدفةً تم اختياره فنّان سفينبورج لعام 2006

هادي يرسم لوحاتِه كما يقول، دون مخططاتٍ مسبقةٍ وبتلقائيةٍ، لكنه قد يمسحها ويطليها كلّها بلون آخر ويعيد صياغة أفكارِه الجديدة، ويشذبها فيما بعد، ويعمل عليها، لأنه كما لاحظتُ شخصيّاً، يغيّر في لوحاته عدة مصائر، وقد تبقى الخطوط وبقايا الوجوه الأصليّة في اللوحة، بحيث تعطي فرصة أيضا للتأويل التي يستمتع بها المتلقّون من مختلف المستويات.

وهو بذلك لا يختلف عن السارد الذي ينقّح سرديّتَه ويصحّحها عدّة مرات قبل نشرها! إذن، اللوحة عند الفنان هادي الصكر كائن حي ينمو ويتطور في مشغله ويظهرها للمتلقي بعد أن يعتقد انها وصلت الى درجة الفنية العالية.

وبعد العمل النهائي تصبح اللوحة عنده مرآةً لروح الفنان، الذي يبث "أفكارَه" الإبداعية في لوحاته، كما يبدو في تأويلات المتلقي المتأمل العميق.

 قد يعتقد بعضُهم بأنّ الوجوهَ مثلاً، او الملامح المتقاطعة والمتناثرة هنا وهناك منفصلة بعضها عن بعض ولا علاقة فنية لها، لكني اعتقد انها مترابطة وتكوّن مغزى عمله كله، فهي تشكل لوحةً فنية كبرى مؤطرة تذكرنا بالقصص الإطارية التي يقف وراءها راوٍ واحد.95 hadi alsagher

مفاجأة لهادي الصكر!

في معرضه الأخير عام ٢٠١٨ في كوبنهاجن فاجأ أحدُ الحضورِ الفنانَ هادي بأنه تعرّفَ إليه منذ أكثر من خمسين سنة عندما كان نزيلاً سياسياً معه في سجن "نقرة السلمان"، وهذه اول مرة يلتقي به الآن بعد خمسة عقود ونيّف.

وهذا أمر مهم في حياة الفنان المرتبط بشعبه، ويبقى وفيّاً له وتراثه وأساليب فنونه التشكيلية، وليس غريباً انه يحاول ان يعكس الحس الشعبي، فاختار "الواسطي" موضوعاً لأطروحة الدكتوراة التي دافع عنها في موسكو.

لا يتكلم هادي الصكر كثيراً عن نفسه ولوحاته، لكنه يعاني من الألم والفرح والشغف والحب لها، تموج موضوعاته في أعماله مختلطةً بألوانه المتنوعة يضخّها فيها ليُحييها من معاناة "الحنين إلى الوطن"! صموت كما يبدو عليه، لكنّ مَن يعرفه عن قرب يرى الأمر عكس ذلك تماماً: فهو يتكلّم بصمت، ينطق بهدوء بعيداً عن الأضواء، قد يبدو الأمر لبعضهم صعبَ الفهم، لكن، مع ذلك، كل شيء هنا رائع جدّاً، أنا أعرف ذلك وآخرون كُثر يدركون الأمر ذاته، فهو غارق في النظرات العميقة للوحاته متأملاً خطوطها وألوانها   واشخاصها!

لا يرسم هادي الصكر لغرض الشهرة ولا التكسب، بل للمتعة الذاتية وشعوراً منه بالواجب في تحسين الذوق الفني العام وهو في غربته الطويلة داخل الوطن وخارجه!

ومع ذلك، لا يحب هادي الحديث عن نفسه وأعماله، أو الكتابة عنه، ولهذا "تحايلتُ" لأمسك العصا من وسطها في عمل ذلك قبل أن أتم هذه السطور عنه!

ومن المؤسف أنّ أغلب مجايليه من الفنانين والمبدعين العراقيين المنتجين، وحتى من أجيال "الشباب" الذين دخلوا السبعينات وهم في غربتهم وصاروا أجداداً ولهم أحفاد، مبعثرون في الشتات منذ نصف قرن أو أكثر، يعانون من مختلف الضغوط!

لكن، ربّ ضارة نافعة، فها هم الفنانون السومريون منتشرون في مختلف أصقاع العالم، ينتجون منها، ويتقنون لغات الكون ويطّلعون على ثقافاته ويكتبون ويرسمون ويغنّون من منطلقات هجينها، لتبرز الثقافةُ العراقيةُ من خلال نتاجاتِهم وبفضلها ناصعة ً عريقةً تلمع بألوان الماضي الميسوبوتامي على أمل أن يكون الحاضر أكثر ازدهاراً وإبهاراً ولمعاناً بإنجازات العراقيين الشباب وإنتاجاتهم.

عزاء هادي الصكر في غربته الطويلة بشريكة حياته ورفيقة دربه وأفراد عائلته ودفئها: أبناؤه وأحفاده وأصدقاؤه، ترى وجوههم في لوحاتٍ منتشرةٍ هنا وهناك في مسكنه الدافىء والمشرق دوماً رغم برد الشمال الإسكندنافي وسمائهِ الغائمةِ!

***

د. زهير ياسين شليبه