عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ثامر امين: سرديات مغلوطة

بكثير من الجزم والقناعة، تتردد في سردياتنا بعض المقولات الشعبية المتداولة وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل الاستثناء والشك، بينما يطرح الواقع الإنساني أمثلةً معاكسة لها، ومن هذه المقولات " لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت " التي تعكس خوفًا اجتماعيًا من أن من ذاق الحرمان قد يميل إلى الأنانية حين يمتلك المال والسلطة، ومن المؤكد ان للتحولات الاجتماعية في حياة البعض وسلوكياتهم بعد التحول دورٌا في انتشار هذه المقولة وشيوعها بين العامة، في حين هناك أمثلة وتجارب عديدة تنسف هذا المحتوى ولا تعتبره قاعدة عامة يركن اليها . فكتب التاريخ تذكر أن قادةً وشخصياتٍ تاريخية خرجت من الفقر وأصبحت رموزًا في العدل، وكان أغلبهم ينتمون إلى الطبقات الفقيرة من المجتمع، ومن بينهم الأنبياء والرسل، إذ إن جلّهم خرجوا من الفقر وأصبحوا أكثر إحساسًا بالعدالة والعطاء؛ لأنهم يعرفون معنى الحاجة.

ومن دون شك، فإن الذي ساهم في تكريس هذه المقولة في أذهان العامة وتداولها بينهم هو بعض الحكام الذين أساؤوا استخدام السلطة، وأشاعوا الفساد، وانشغلوا بالتهافت على المغانم، فالسلطة، كما هو معروف، تكشف معادن الناس، ثم لا ننكر أن الفقر قد يدفع البعض الى سلوكيات سلبية، ولكن من الصعب تعميم هذا الاتجاه، فليس كل (ابن خير وعينه شبعانه) هو منزّه من آفة الطمع وليس كل حاكم أو صاحب سلطة صعد من الفقر سيكون فاسدًا، بل هناك العديد من النماذج المضيئة في التاريخ أثبتت أن القيم الفردية أقوى من الخلفية الاجتماعية في تحديد السلوك، وأن الفقر لا يمنع من النبل، وبالتالي من الخطأ ربط الاخلاق بالأصل الطبقي .

وهناك أمثلة تعزز هذه الحقيقة، حيث يذكر المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أنه كانت لدى الخليفة العباسي الثالث والثلاثين (المستظهر بأمر الله، 530–575هـ) جارية تُدعى "بنفشة"، وهي رومية الأصل، اشتراها بعشرة آلاف دينار. وقد ساعدها حُسن وجهها على الوصول إلى دار الخلافة، فأصبحت حظيّة لدى الخليفة وذات مكانة رفيعة في القصر العباسي، وكان حكمها نافذًا في الأمر والنهي. وقد قامت هذه الجارية بأعمال خيرية عديدة، فأعتقت خلقًا كثيرًا من الموالي والجواري والمماليك الذين كانوا في خدمتها، إضافةً إلى ما عُرف عنها من الإحسان والصدقة. وكانت تُخرج في عيد الفطر من كل سنة صاعًا من التمر، وتقول: "هذا ما فرضه الشرع عليّ، وأنا لا أقتنع من مثلي بهذا"، فتُخرج صاعًا من الذهب العين، وتأمر بتفريقه على الفقراء، في حين تجد حاكمًا ينحدر من أسرة غنية يتباهى بتوزيع حفنة من العدس على شعبه في الأعياد.

إن قصة "بنفشة" التي أوردها ابن الأثير في كتاب الكامل في التاريخ مثالٌ لافت على أنه ليس كل من جاء من خلفية فقيرة يكون فاسدًا، بل إن هناك نماذج سياسية واجتماعية مضيئة خالفت في سلوكها وأدائها هذا المفهوم. فالأخلاق لا يحددها الأصل الطبقي بقدر ما يحددها الضمير والتربية والقيم، والتاريخ في كل زمان يجمع بين نماذج مضيئة وأخرى مظلمة. 

***

ثامر الحاج أمين