أقلام حرة
أكرم عثمان: عندما تضيق الدنيا.. لا تدع الضعف يبلغ قلبك
الحياة ليست شيئاً واحداً، وليست مجرد خط مستقيم من الرخاء أو نهر متدفق من السعادة والهناء الدائم؛ إنها موج يتناوب فيه المد والجزر، والشدة واللين، والضوء والعتمة. في أوقات السعة، ينشغل الإنسان بنجاحاته وتستغرقه الحركة والإنجاز، فيظن للحظات أن الدنيا استقرت له وخضعت لإرادته. لكن ما إن تضيق الأحوال وتشتد الأزمات والكروب، حتى ينكفئ على نفسه ليبدأ بحسابات مرهقة تثقل كاهله، كأنما انقلب العالم عليه فجأة دون سابق إنذار.
المشكلة ليست في تقلب الحياة، فهو من سننها، بل في أن يسمح الإنسان لتقلبها أن ينفذ إلى قلبه ويتسلل الهوان والضعف فيه، فيضعف ثقته ويزرع فيه الهم والغم، ويثقل روحه بالحزن والكآبة. حينئذ لا تكون الأزمة خارجية فحسب، بل تصبح داخلية أيضاً تنال منه ومن قواه ونفسه، فتصيبه في مقتل، وتضاعف أثرها وتسرق منه توازنه وحكمته وأجمل ما فيه.
الإنسان الواعي يدرك أن للحياة وجهين لا ينفصلان: رخاء ونجاحات وهناء وسعادة يختبر فيه بالشكر والامتنان للمنعم والنعمة التي حصل عليها، وضيق قد يحاصره وتضييق به الدنيا يختبر فيه بالصبر والاحتساب والثبات في مواجهة العواصف والأزمات. وما بينهما تتشكل شخصيته وتصاغ قوته وتماسكه وصلابته. فإذا أحسن في زمن السعة والرخاء، فجعل حياته قائمة على حساب وإدارة لوقته وعمره وماله، واستثمر نعمته في الطاعة والتقرب والعمل دون أن ينسى شكر ربه، كان أقدر على الثبات والاستمرار دون معاناة حين تضيق به الدنيا وتتزلزل أركانها وكياناتها. وإذا نزلت به الشدائد، لم ينسَ نفسه، ولم يسلم قلبه للهزيمة والضعف والانكسار، بل تذكر أن ما يمر به مرحلة ستنتهي وتنقضي ساعاتها وأيامها، وما يبقى هو الحضور والقوة بعد صبر وثبات.
أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان في خضم الأزمات والصراعات والحروب ليس الخسارة المادية ولا تعثر الطريق أو فقدان ما امتلكه المرء وجناه، بل أن يخسر نفسه؛ أن يفقد بوصلته، ويستسلم لفكرة الضعف والهوان والهزيمة، ويسلم قياده لليأس والإحباط والسكون. هنا يتحول الألم من تجربة عابرة إلى حالة دائمة تثقله ويتآكل به كيانه ووجوده. أما من يحفظ قلبه، فيبقى-رغم الألم- متماسكاً جلداً قوياً لا تهزه ولا تهزمه مصائب أو خسارات، يرى في المحنة أمل ومنحة ومعنى وقيمة يستحق أن يعيش لأجلها، وفي الضيق درساً وعبرة وعظة، وفي الصبر طريقاً للعبور والخلاص والنجاة.
إن القوة الحقيقية ليست في غياب الضعف، فهذا ممكن وطبيعي للبشر أن ينال منهم ذلك، بل في القدرة على منعه من الوصول إلى القلب والوجدان. أن تتعب نعم، أن تقلق نعم، أن تحزن نعم، لكن أن تظل من الداخل ثابتاً، متماسكاً، مؤمناً بأن بعد الضيق سعة، وبعد العسر يسراً وفرجاً يزيل الهموم والغموم والكربات. هذه هي المعادلة التي تصنع الإنسان الصلب: وعي بطبيعة المرحلة والحياة برمتها وطبيعتها، وثقة بالله عز وجل أن يزيلها ويفرج عن كرباتها، وإرادة لا تنكسر مهما نال منها الزمن والأحداث ومجريات الأمور. " وكما جاء في الحديث - عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ : كنتُ رِدفَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فالتفتَ إليَّ فقالَ : يا غلامُ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ ، تَعرَّف إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ ، يَعرِفْكَ في الشِّدَّةِ قد جفَّ القلَمُ بما هوَ كائنٌ ، فلَو أنَّ الخلقَ كُلَّهُم جميعًا أَرادوا أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ لَكَ ، لَم يَقدِروا عليهِ ، أو أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ علَيكَ ، لَم يقدِروا علَيهِ … واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ ، واعلَم أنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ ، وأنَّ معَ العُسرِ يُسرًا. أخرجه الترمذي وأحمد
نافلة الأمر عندما تضيق الدنيا، لا تضعف فكرياً ولا ذهنياً وتنهزم روحك ونفسيتك عن مواجهة ظروفك وأحوالك وما ألم بك وبمن حولك؛ بل قاتل من أجل هذه اللحظة والفرصة المتاحة، اعمد إلى ما تملكه من قوارب النجاة من ثقة بالله سبحانه وتعالى أن يفرج الكرب، ومن ثم ركز فيما تجيده وتبحر به سفينتك للنجاة والعبور مهما أشتد بك الخطب أو الحال حتى تخرج منها معافى في بدنك ونفسك، ومع من تحبهم ومن أجلهم. لا تسلم قلبك لليأس، كي لا تهزم روحك وتعاني من جراء ضعفك وهوانك. واجه التحديات بما لديك من قيم ومبادئ راسخة، واستدع إيمانك ومعتقداتك، وسخر طاقتك ومهاراتك وخبرتك للتكيف والنهوض مجدداً، رغم الألم والشدة والخسارة التي قد تحدث. فالحياة لا تمنحنا دائماً ما نرغب، لكنها تمنحنا فرصة لنكون أقوى وأشد بأساً مما كنا عليه. وفي المحصلة، الانتصار الحقيقي ليس في تجنب الأزمات، بل في الخروج منها بأقل التكاليف دون أن تفقد ذاتك وقوتك وعزيمتك.
***
د. أكرم عثمان
31-3-2026







