قضايا
احمد عابر: خيول عربية تتقاتل في إسطبل.. قراءة في الجموح والصبر
وإن ساد الطغام فكن صبورا
فإن الصبر من شيم الرجال
بهذين البيتين لحنا الأسعد يمكن أن ندخل إلى لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) للرسام الفرنسي أوجين دولاكروا...لا من باب الزينة الشعرية بل من باب المعنى. فالصبر هنا ليس استسلاما ولا قبولا بالفوضى بل قدرة على الثبات حين تضطرب الأشياء وتخرج القوة من موضعها.
اللوحة في ظاهرها مشهد صراع بين حصانين عربيين داخل إسطبل، لكنها في عمقها امتحان لهذا المعنى: ماذا يفعل الإنسان حين تقف أمامه قوة جامحة لا تطيع يده ولا تنتظر حكمته؟
حنّا بن أسعد شاعر وأديب لبناني من مشايخ الموارنة ولد في نواحي البترون سنة ۱۲۳۵هـ / ۱۸۲۰م، وتوفي سنة ۱۳۱۵هـ / ۱۸۹۸م. من هذا العالم العربي المشرقي تأتي أبياته لتفتح لنا بابا على لوحة فرنسية ولدت من ذكرى مغربية. هكذا لا يعود الشعر غريبا عن اللوحة ولا اللوحة غريبة عن الشعر؛ فكلاهما يتأمل الإنسان حين يواجه الفوضى والقوة والقدر.
في اللوحة حصانان عربيان يملآن مركز المشهد. حصان رمادي مضاء يكاد بياضه يخطف العين يرتفع بجسده في لحظة توتر قصوى، وحصان داكن يندفع نحوه ككتلة من عضل وغضب. لا نرى صراعا عابرا بل التحاما عنيفا بين جسدين كبيرين في مكان لا يتسع لهذا الانفجار. رأس الحصان الرمادي ملتف وعنقه مشدود وقوائمه في حركة مضطربة؛ أما الحصان الداكن فيهبط فوقه أو يضغط عليه كأن الظل نفسه صار جسدا مهاجما. العنف هنا ليس خارجيا فقط بل يسكن تكوين اللوحة...خطوط مائلة أجساد متداخلة و حركة تكاد تكسر حدود الإطار.
غير أن قوة اللوحة لا تأتي من الخيول وحدها بل من المكان الذي حبست فيه. الإسطبل ضيق...جدرانه خشنة... سقفه منخفض... والهواء فيه ثقيل. في أعلى اليمين نافذة صغيرة يدخل منها ضوء محدود لا يكفي لإنقاذ المكان من ظلمته بل يكفي فقط لكشف الخطر. الملابس المعلقة على الجدران والأدوات المبعثرة على الأرض والظلال الكثيفة... كل ذلك يجعل المشهد إنسانيا وحقيقيا. هذا ليس ميدان بطولة مفتوحا بل غرفة خانقة تحولت فجأة إلى مسرح للفزع. وكأن دولاكروا يقول إن القوة حين تحبس في فضاء أضيق من طبيعتها لا تهدأ بل تنفجر.
أمام الحصانين يظهر الرجال صغارا لا لأن الرسام أهملهم بل لأن ضعفهم هو جزء من المعنى. أحدهم يرفع يده كمن يحذر أو يستغيث وآخر يلوح بعصا وثالث ينكمش في الظل. الرجل الذي يحمل العصا لا يبدو سيدا للمشهد. والعصا نفسها وهي أداة السيطرة المفترضة تبدو هزيلة أمام جسدي الحصانين. هنا تنكشف هشاشة الإنسان حين يواجه طبائع الأشياء في لحظة انفلاتها. فهو حاضر لكنه ليس مسيطرا؛ يرفع يده لكنه لا يوقف العاصفة.
من هنا يصبح بيت حنّا الأسعد مفتاحا حقيقيا للوحة. فالطغام في البيت هم من يعلون حين يضطرب الزمان وينحط الميزان لكن المقال لا يحتاج إلى نقل الكلمة حرفيا إلى الخيول أو إلى الرجال. الطغام هنا حالة لا أشخاص. حالة الفوضى حين تتقدم على النظام وحالة القوة حين تفلت من العقل وحالة الخوف حين يكاد يطغى على الفعل. أمام هذه الحالة لا يكون الصبر ضعفا بل شكيمة. فالذي يصبر لا ينكر الخطر ولا يتظاهر بالسيطرة لكنه لا يسمح للفوضى أن تسلبه وعيه.
أما الضوء في اللوحة فهو بطل صامت. إنه يسقط على الحصان الرمادي لا ليجعله رمزا، بل ليجعله مركز الخطر المرئي. البياض هنا ليس سلاما بل عنف مضاء. وفي المقابل ينسحب الحصان الداكن والرجال والجدران إلى طبقات من البني والأسود والرمادي. هذا التوتر بين الضوء والظل أو ما يعرف بتقنية الكياروسكورو...يمنح المشهد قوة مسرحية. فالضوء لا يهدئ العنف بل يفضحه؛ والظل لا يخفي الفزع بل يضاعفه. كأن اللوحة كلها معلقة بين كشف وكتمان... بين ومضة حياة واحتمال موت.
دولاكروا لا يرسم الخيل ككائنات مستأنسة أو مزخرفة بل كقوى بدائية نبيلة. وهذا من صميم روحه الرومانسية. فالمدرسة الرومانسية في الفن لم تكن تبحث عن النظام البارد وحده بل انجذبت إلى العاطفة والحركة والخطر والغرابة والانفعال.
كان أوجين دولاكروا من كبار وجوه الرومانسية الفرنسية لأنه جعل اللون والحركة والاضطراب وسائل للتفكير في الإنسان لا مجرد أدوات للتزيين. في هذه اللوحة لا يرسم حصانين فحسب بل يرسم لحظة يتراجع فيها العقل خطوة أمام اندفاع الحياة.
وقد ارتبطت هذه الرؤية برحلته الشهيرة إلى المغرب سنة ۱۸۳۲م، حين سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا ضمن بعثة دبلوماسية إلى المغرب بعد احتلال فرنسا للجزائر. لم تكن الرحلة بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي بل صدمة بصرية وروحية. رأى هناك عالما مختلفا عن باريس. وقد تركت تلك الرحلة أثرا عميقا في فنه حتى صارت مشاهد شمال أفريقيا جزءا أساسيا من أعماله.
ومن عباراته الدالة عن تلك التجربة أنه رأى في اهل المغرب بلباسهم وهيئاتهم شبها برجال اليونان وروما القدماء. قال بمعنى العبارة:
إن اليونان والرومان هنا على بابي في العرب الذين يلتفون بوشاح ابيض ويبدون مثل كاتو أو بروتوس.
تكشف هذه العبارة عن افتتانه بالوقار الجسدي والأخلاقي الذي تخيله في الناس الذين رآهم لكنها تكشف أيضا عن نظرة أوروبية رومانسية واستشراقية في القرن التاسع عشر كانت تميل إلى رؤية الشرق فضاءا للأصل. لذلك ينبغي أن نقرأ اللوحة بإعجاب وحذر معا. إعجاب بعبقرية اللون والحركة وحذر من تحويل الشرق إلى أيقونة رومانسية.
وقد شهد دولاكروا أثناء وجوده في المغرب قتالا بين فحول الخيل ترك في نفسه أثرا عميقا. كتب إلى أصدقائه عن ذلك في ۸ شباط ۱۸۳۲م، ورسم له تخطيطا أوليا ودون أن الحصان الرمادي أدخل رأسه تحت عنق الحصان الآخر. لكن هذه الذكرى لم تتحول فورا إلى اللوحة النهائية. ثم بدأ على الأرجح بتنفيذ لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) نحو سنة ۱۸٥۶م وأتمها في حزيران ١٨٦۰م. هكذا تقف بين المشهد الأصلي واللوحة النهائية قرابة ثلاثة عقود.
وهنا يعود الصبر بمعناه الأعمق. فالفنان لم ينقل ما رآه نقلا سريعا ولم يرسمه وهو ما يزال أسير الدهشة الأولى. ترك الصورة تختمر في ذاكرته حتى تحولت من حادثة واقعية إلى رؤية فنية. ثم أجرى عليها تحويلا حاسما فالقتال الذي ألهمه كان في الخارج لكنه وضعه داخل إسطبل. لو بقيت المعركة في الهواء الطلق لأصبحت جزءا من فضاء واسع أما حين أدخلها إلى مكان مغلق فقد جعلها أكثر اختناقا وشراسة. الإسطبل هنا ليس خلفية، بل فكرة... إنه المكان الذي يكشف عجز الجدران عن احتواء ما هو أكبر منها.
وعند هذه النقطة يمكن أن ندخل إلى اللوحة من باب أبي الحسن التهامي:
ومكلّف الأيام ضدّ طباعها
متطلب في الماء جذوة نار
*
وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبني الرجاء على شفير هار
*
فالعيش نوم والمنية يقظة
والمرء بينهما خيال سار
هذه الأبيات لا تلغي معنى الصبر بل تكشف حدوده. فهناك فرق بين الصبر على الفوضى وبين الوهم بأننا نستطيع إلغاء طبائع الأشياء. الحصانان في اللوحة لا يتصارعان لأنهما اختارا العنف اختيارا أخلاقيا بل لأن طبيعتهما الفائرة انفجرت في لحظة ضيق واحتكاك. ومن يطلب من هذه القوة أن تكون هادئة في ذروة اشتعالها يشبه من يطلب من الماء جذوة نار. لذلك لا تبدو اللوحة درسا في السيطرة المطلقة بل في معرفة أن السيطرة نفسها لها حدود.
الرجاء المستحيل في اللوحة هو رجاء أن يستطيع الإنسان بعصا مرفوعة أو صرخة خائفة أن يوقف فورا اندفاع جسدين كبيرين تحركهما الغريزة والقوة.
الرجال يقفون على شفير هار...خطوة واحدة بين النجاة والسحق بين الإسطبل بوصفه مكانا للتدريب والإسطبل بوصفه مسرحا للموت. ومن هنا يصبح بيت التهامي عن النوم واليقظة قريبا من المشهد... كانت الحياة اليومية نائمة في مكان مألوف ثم استيقظت المنية فجأة في هيئة صهيل وعضلات وقوائم مرتفعة. والإنسان، وسط ذلك، يبدو كأنه (خيال سار) بين قوتين أكبر منه: قوة الحياة الجامحة وقوة الفناء المتربصة.
لكن التهامي لا ينبغي أن يأخذنا بعيدا عن حنا الأسعد بل يعيدنا إليه من طريق آخر. فإذا كان التهامي يذكرنا بأن تكليف الأشياء ضد طباعها طلب للمستحيل فإن حنا الأسعد يذكرنا بما يبقى للإنسان حين يعترف بهذا الحد... الا و هو الصبر.
لا صبر العاجز الذي يسلم للفوضى ولا صبر الغافل الذي لا يرى الخطر بل صبر العارف بطبائع الأشياء. فالإنسان لا يستطيع دائما أن يمنع العاصفة لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تسلبه بصيرته.
لذلك تبدو «خيول عربية تتقاتل في إسطبل» أكثر من لوحة عن حصانين. إنها لوحة عن القوة حين تحبس وعن الجمال حين يصبح خطرا وعن الإنسان حين يكتشف أن أدواته أصغر من الطبيعة التي يحاول تهذيبها. وهي أيضا لوحة عن الذاكرة الفنية... مشهد رآه دولاكروا في المغرب ثم ظل كامنا في داخله حتى عاد بعد سنوات طويلة في هيئة لون وضوء وحركة. وما بين المشاهدة والرسم وبين الخارج والإسطبل، وبين الحصان والإنسان، يتشكل المعنى الأعمق... ليس كل ما نراه يكتمل في لحظته؛ بعض الصور تحتاج إلى صبر طويل حتى تنطق.
ومن هنا يعود البيتان الأولان لا كافتتاحية فقط بل كخاتمة أخلاقية:
وإن ساد الطّغام فكن صبورا
فإن الصبر من شيم الرجال
فهل كان دولاكروا يرسم حصانين يتقاتلان، أم كان يرسم الإنسان نفسه حين يقف بين نار الطبع وفضيلة الصبر؟
***
د احمد عابر







