قضايا
غالب المسعودي: هندسة الخنوع.. تحالف الرداءة والسلطة
في مأزق الوعي المعاصر
تضرب الأزمة الجوهرية للإنسان المعاصر جذورها في خلل بنيوي عميق يمس آليات تشكل الوعي الفردي والجمعي على حد سواء. يتجلى هذا الخلل في تضاد صارخ بين ما يمكن تسميته بـ "انشغالات العامة" و"تأملات الفيلسوف". إن هذا الانقسام ليس مجرد تفاوت عارض في القدرات الذهنية بين الأفراد، بل هو الثمرة المرة لهندسة اجتماعية واقتصادية شديدة الدقة، تستثمر فيها الرأسمالية الرمزية، بالتحالف الوثيق مع نظام التفاهة، لفرض هيمنة أيديولوجية شاملة على الفضاء العام.
يعتمد هذا النظام في ديمومته على تحويل الرداءة من حالة هامشية إلى معيار وجودي ومؤسسي، وإعادة صياغة الأنماط السلوكية المطبوعة (البنى النفسية الراسخة) لضمان انصياع الجماهير عفوياً لمنطق السوق والسيادة الطبقية. إن الخطورة هنا تكمن في أن هذا الانقياد يحدث دون حاجة إلى وسائل القمع التقليدية الخشنة، بل عبر استغلال ذكي لآليات سيكولوجية الجماهير والتحولات الرقمية التي جعلت من الرقابة فعلاً طوعياً يمارسه الفرد على نفسه.
معمارية الرأسمالية الرمزية: العنف الناعم ومشروعية الهيمنة
تتأسس الرأسمالية الرمزية على قدرة النخب على تراكم "الرأسمال غير المادي"، الذي يشمل السمعة، التقدير الاجتماعي، والوجاهة، ومن ثم تحويل هذا التراكم إلى سلطة فعلية قادرة على توجيه السلوك الجمعي. هذا النوع من السلطة يمارس ما يمكن وصفه بـ "العنف الرمزي"؛ وهو عنف ناعم، خفي، وغير محسوس، يجهله الممارس والضحية معاً. يكمن دهاء هذا العنف في أنه ينتزع اعترافاً بمشروعيته من الضحايا أنفسهم، الذين يرون في تراتبية السلطة نظاماً طبيعياً لا مفر منه.
تعمل مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المدرسة والإعلام، كمصانع لإنتاج هذه المشروعية. فالمدرسة، بدلاً من أن تكون جسراً للتحرر، تعمل غالباً كأداة لفرض ثقافة الطبقة المهيمنة بوصفها الثقافة الوحيدة الرفيعة. هذا "الاعتباط الثقافي" يؤدي بالضرورة إلى أن يستبطن أبناء الطبقات الدنيا شروط دونيتهم، فيعيدون إنتاج تبعيتهم بأنفسهم عبر تبني قيم الانقياد التي رُسخت في لاوعيهم تحت مسمى "النجاح" أو "الاندماج الاجتماعي".
من القوة القسرية إلى الإذعان "الأخلاقي"
إن المسار التاريخي للسلطة انتقل من إخضاع الأجساد بالترهيب إلى إخضاع النفوس بالرموز. تصبح السلطة هنا مبنية على "الهيبة المكتسبة" للرموز والمظاهر، مما يجعل الإذعان فعلاً منعكساً يشبه الاستسلام اللاشعوري لمراسم المحاكم أو أردية القضاة؛ ليس اقتناعاً بالعدالة بالضرورة، بل لأن الرموز تفرض سطوتها على الوجدان. هذا الاندماج الجسدي في بنية العالم يجعل من المستحيل على الفرد التمييز بين رغباته الأصيلة وبين تلك التي تمليها عليه المنظومة المهيمنة. وهنا يكمن التفسير السوسيولوجي لاستمرارية الأنظمة الجائرة؛ فهي لا تُحكم قبضتها على الأجساد فحسب، بل تسكن في مخيلة المحكومين.
عندما تصبح الرداءة نظاماً وجودياً: حكم التافهين
في هذا السياق، يبرز "نظام التفاهة" كمرحلة تاريخية متقدمة، لم تعد فيها الرداءة مجرد استثناء، بل غدت القاعدة المحركة لكافة مفاصل المجتمع. يُطالب الفرد في ظل هذا النظام بأن يكون "متوسطاً" أو "نمطياً" ليحوز القبول المهني والاجتماعي. إن القاعدة الذهبية التي تحكم عصرنا هي: "لا تكن مبدعاً بشكل يربك المنظومة، بل كن بارعاً في إتقان قواعد اللعبة التي وضعها التافهون".
هذا النظام لا يسحق الكفاءة علانية، بل يعيد تعريفها لتصبح مجرد قدرة على التكيف مع البيروقراطية الرتيبة. وحتى الحقول التي يُفترض أنها معاقل للفكر النقدي، كالحقل الأكاديمي، تحولت إلى مصانع لإنتاج "الأوراق البحثية الكمية" التي تخدم مصالح النخب التقنية (التكنوقراط) بدلاً من البحث عن الحقيقة الجوهرية. لقد تحول الباحث من مفكر حر إلى موظف في آلة كبرى لإنتاج التفاهة المسلفنة.
ديناميكيات التحول المؤسسي: خصخصة السيادة وتسليع الوعي
تسلل التافهون إلى مفاصل السلطة عبر استبدال السياسة الحقيقية بمفهوم "الحوكمة" التقنية. هؤلاء الخبراء يمارسون دوراً تجميلياً لفساد المنظومات، مستخدمين لغة إدارية معقدة وجوفاء تهدف إلى حجب الحقائق الاقتصادية عن الجمهور. ويمكن رصد هذا التحول عبر أربع مسارات:
تحويل الحرفة إلى وظيفة: فقدان العامل لصلته الروحية بمنجزه، وتحوله إلى برغي في ماكينة لا يدرك غاياتها.
سيادة النخب التقنية: استخدام المصطلحات "المعقمة" لشل القدرة على التفكير النقدي.
خصخصة السيادة: إدارة الدولة بمنطق الشركات الكبرى، حيث المواطن هو "مستهلك" والوطن هو "سوق".
تسليع الوعي: تحويل المثقف والفنان إلى "مؤثر رقمي" يقاس نجاحه بعدد المتابعين لا بعمق الأثر.
تصنيع الرضا: الفلاتر البنيوية للهيمنة الإعلامية
لا تكتمل منظومة الانقياد دون جهاز إعلامي يصنع الرضا طوعاً. إن نموذج "تصنيع الرضا" يكشف كيف تقوم وسائل الإعلام بخدمة مصالح الشركات والنخب عبر "مرشحات" بنيوية خفية. هذه المرشحات تضمن بقاء النقاش العام محصوراً في تفاهات يومية، بعيداً عن القضايا المصيرية التي تمس جوهر الهيمنة. الإعلام هنا لا يملي عليك "ماذا تفكر"، بل ينجح ببراعة في إملاء "ما الذي يجب أن تفكر فيه"، محيداً بذلك أي صوت معارض حقيقي.
من مجتمعات الانضباط إلى مجتمعات التحكم الرقمي
لقد انتقلنا من عصر "السلطة الانضباطية" التي كانت تراقب الأجساد داخل جدران السجن أو المصنع، إلى عصر "مجتمعات التحكم" المرنة. في هذه المرحلة، لم يعد الفرد بحاجة إلى جدران مادية ليكون سجيناً؛ بل أصبح ملاحقاً بهويته الرقمية، وتقييماته المستمرة، وأكواد الوصول. السلطة اليوم شبكية، تعمل عبر تعديل السلوك اللحظي من خلال الخوارزميات، مما ينتج طاعة بنيوية "ذكية" تستبق حتى رغبة الفرد في التمرد.
الجهل البنيوي وسيكولوجية الإنسان المقهور
يمثل "الجهل البنيوي" الركن الثالث في هذا المثلث؛ وهو جهل مصمم مؤسسياً، ليس ناتجاً عن نقص المعلومات، بل عن وفرة المعلومات التافهة التي تحجب الوعي النقدي. في الفكر العربي، حلل مصطفى حجازي سيكولوجية الإنسان المقهور الذي يتبنى "وعياً زائفاً" كآلية دفاعية لتجنب مواجهة واقعه الأليم. هذا الإنسان يتحول إلى كائن منغلق معرفياً، يفضل الانتماءات الضيقة (القبلية أو الطائفية) على التحليل العقلاني، مما يجعله فريسة سهلة للرأسمالية الرمزية التي تحول جهله إلى "مادة خام" للاستثمار السياسي.
خطاب السلطة: من "الحكمة" إلى "الوعظ الجماهيري"
تاريخياً، ميز خطاب السلطة بين "الخاصة" و"العامة" لاستقرار الحكم. فبينما يرى ابن رشد ضرورة مخاطبة الجمهور عبر "الخطاب الإنشائي" المعتمد على الصور الخيالية لضمان الاستقرار، نجد في الخطاب المعاصر توظيفاً مشوهاً لهذه الفكرة. السلطة اليوم تستخدم "التفاهة" كخطاب وعظي حديث، حيث يتم إغراق الجمهور بتمثيلات زائفة عن النجاح والسعادة الاستهلاكية لضمان انشغالهم عن تفكيك بنى الهيمنة.
انشغالات الفيلسوف كفعل مقاومة
في مواجهة هذا التحالف الشرس بين الرأسمالية الرمزية ونظام التفاهة، تبرز "انشغالات الفيلسوف" كفعل مقاومة وجودي. إن المقاومة لا تبدأ من الشارع فحسب، بل من استعادة السيادة على الوعي. إنها تبدأ بـ "التعليم النقدي" الذي يعلم الأجيال كيف يفككون شيفرات الخطاب السلطوي، وكيف يرفضون القيم المعلبة التي يفرضها السوق.
إن إنقاذ "الإنسان الأخير" من براثن التفاهة يتطلب ثورة فكرية تعيد الاعتبار للقيم الأخلاقية، وتستعيد حق الإنسان في أن يكون سيد نفسه، لا جزءاً من قطيع يساق نحو حتفه بإغراءات الاستهلاك السطحية. إن المعركة اليوم هي معركة استعادة "الخيال السياسي"؛ القدرة على تصور عالم لا تحكمه الرداءة، ولا تُقاس فيه قيمة الإنسان بمدى انصياعه للنظام، بل بمدى قدرته على التفكير الحر.
***
غالب المسعودي







