قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: الشعر بوصفه حريةً مطلقة للعقل
في أنطولوجيا اللغة حين تتحوّل الروح إلى موسيقى
حين قال الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل إنَّ «الشعر هو الفن المطلق للعقل، الذي أصبح حرّاً في طبيعته، والذي لا يكون مقيّداً في أن يجد تحققه في المادة الحسية الخارجية، ولكنه يتغرّب بشكل تام في المكان الباطني والزمان الباطني للأفكار والمشاعر»، لم يكن يعرّف الشعر بوصفه نوعاً أدبياً فحسب، بل كان يضعه في مرتبةٍ أنطولوجية عليا، تتجاوز حدود التعبير اللغوي إلى تخوم الوعي الإنساني ذاته. فالشعر، عند هيغل، ليس زخرفة للواقع، ولا صناعة لفظية للتسلية الجمالية، بل هو أعلى درجات تحرّر الروح من كثافة المادة، وأقصى أشكال تجلّي العقل في صورته اللامرئية. إنّه الفن الذي لا يحتاج إلى الرخام كما يحتاج النحت، ولا إلى اللون كما يحتاج الرسم، ولا إلى الجسد كما يحتاج المسرح؛ لأن مادته الوحيدة هي الروح حين تتكلّم، والوعي حين يتحوّل إلى إيقاع.
إنَّ الفنون جميعها تبدأ من الخارج لتصل إلى الداخل، إلا الشعر، فإنه يبدأ من الداخل ليعيد خلق الخارج. ولذلك بدا أكثر الفنون التصاقاً بالكينونة الإنسانية، لأنه لا يستعير العالم، بل يعيد ولادته من جديد عبر اللغة. ومن هنا قال الشاعر الألماني فريدريش هولدرلين إنَّ «الإنسان يسكن العالم شعرياً»، لأن الشعر ليس خطاباً إضافياً للحياة، بل هو الطريقة الأكثر عمقاً لفهم الوجود وتأويله. فحين يعجز العقل البرهاني عن ملامسة المناطق الغامضة في النفس والكون، يتقدّم الشعر ليقول ما لا تستطيع الفلسفة قوله بلغة المفاهيم الجافة.
لقد أدرك الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هذه الحقيقة حين رأى أن اللغة ليست أداةً للتعبير، بل «بيت الكينونة»، وأن الشعراء هم حرّاس هذا البيت. فالكلمات الشعرية ليست إشارات تقنية تُستعمل للتواصل، وإنما هي كائنات روحية تفتح المعنى وتكشف المستور في الوجود. ولذلك كان الشعر، عند هايدغر، نوعاً من الإنصات العميق لصوت الكينونة، لا مجرّد بناءٍ بلاغي أو تمرين جمالي. إنَّ القصيدة الحقيقية لا تشرح العالم، بل تخلقه من جديد، وتمنح الأشياء أسماءها الأولى، كما لو أن اللغة تستعيد طفولتها البدئية قبل أن تُفسدها الاستعمالات اليومية المبتذلة.
ولعلّ هذا ما جعل الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور يرى أن الفن، وفي مقدمته الشعر، هو المهرب الوحيد من استبداد الإرادة العمياء التي تحكم العالم. ففي لحظة الشعر يتحرّر الإنسان مؤقتاً من ثقل الرغبات والمصالح والضرورات، ويصعد إلى مستوى التأمل الخالص. وهنا يغدو الشعر خلاصاً روحياً، لا مجرد متعة فنية. إنّه نوع من التطهير الوجودي الذي يعيد للإنسان صفاءه الداخلي وسط عالم ملوّث بالمنفعة والعنف والابتذال.
ولأن الشعر هو الفن الأكثر تحرّراً من المادة، فقد كان أيضاً الفن الأكثر اقتراباً من الحرية. فاللغة الشعرية لا تخضع بالكامل لمنطق العقل الأداتي، بل تتمرّد عليه باستمرار. إنها تكسر النحو أحياناً لتُنقذ المعنى، وتخرق المألوف لتعيد اكتشاف الحقيقة. ولذلك كان الشعراء الحقيقيون غالباً غرباء عن مجتمعاتهم، لأنهم يرون ما لا يراه الآخرون، ويسمعون ما لا تستطيع الضوضاء اليومية التقاطه. لقد كان الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه يرى أن الشاعر كائنٌ يخلق قيماً جديدة، لأنه يمتلك القدرة على تحويل الألم إلى جمال، والفوضى إلى إيقاع، والعدم إلى معنى. ومن هنا فإن الشعر ليس انعكاساً للحياة، بل مقاومة ضد ابتذالها وانحدارها.
إنَّ أخطر ما يهدّد الإنسان المعاصر ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الرمزي أيضاً؛ أي موت الخيال، وجفاف الروح، وتحويل اللغة إلى أداة استهلاكية باردة. ففي عصر التقنية الهائلة، حيث تتحوّل الكلمات إلى بيانات، والمشاعر إلى رموز إلكترونية، يبدو الشعر آخر حصون الإنسان الداخلية. إنه الدفاع الأخير عن هشاشة الروح ضد صلابة الآلة، وعن الحلم ضد هيمنة الواقع النفعي. ولهذا لم يكن غريباً أن يقول الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو إنَّ الفن الحقيقي هو شكل من أشكال المقاومة ضد التشيؤ. فحين يتحوّل الإنسان إلى رقم في منظومة اقتصادية أو سياسية، يأتي الشعر ليعيد إليه فردانيته وفرادته الإنسانية.
إنَّ الشعر العظيم لا يصف الأشياء كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى. إنه يحرّر العالم من رتابته، ويمنح الوجود أفقاً أكثر اتساعاً. ولذلك فإن القصيدة الحقيقية ليست مجرد نص، بل تجربة وجودية كاملة، يدخلها الإنسان ليخرج منها أكثر وعياً بنفسه وبالعالم. إنها لحظة التقاء الفكر بالموسيقى، والعقل بالحدس، واللغة بالصمت. فالشاعر الحقيقي لا يكتب الكلمات، بل يوقظ ما كان نائماً داخلها.
ولعلّ هذا ما جعل الشاعر والمفكر المكسيكي أوكتافيو باث يقول إنَّ الشعر «معرفة وخلاص وسلطة وتخلٍّ». فهو معرفة لأنه يكشف أعماق الإنسان، وخلاص لأنه ينقذه من قسوة العالم، وسلطة لأنه يعيد تشكيل الوعي، وتخلٍّ لأنه يحرّر الذات من أنانيتها الضيقة.
في هذا المعنى يصبح الشعر فعلاً وجودياً بامتياز، لا ترفاً لغوياً. إنه محاولة الإنسان الدائمة لتجاوز محدوديته، والانتصار على موته الرمزي. فالقصيدة ليست كلمات تُقرأ فقط، بل روح تُعاش. وكلما انحدرت اللغة في المجتمع، انحدرت معها الروح الإنسانية، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل صورة الوعي ذاته. ولذلك فإن الدفاع عن الشعر هو، في جوهره، دفاع عن الإنسان نفسه.
إنَّ الحضارات لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن وأسواق ومصانع، بل أيضاً بما تنتجه من شعر، لأن الشعر هو المقياس الأعمق لحيوية الروح البشرية. وحين تموت القصيدة داخل أمة، يبدأ الخراب بصمت، حتى لو ظلّت الأبنية قائمة والضوضاء مستمرة. فالأمم التي تفقد شعرها، تفقد تدريجياً قدرتها على الحلم، والأمم التي تفقد قدرتها على الحلم، تتحوّل إلى جماعاتٍ تدير حياتها بالغريزة لا بالبصيرة.
وهكذا يبقى الشعر، كما رآه هيغل، الفن المطلق للعقل الحر؛ الفن الذي لا يحتاج إلى مادة سوى الإنسان نفسه، ولا إلى فضاء سوى ذلك الكون الخفي الذي يسكن في أعماقنا. إنه النداء الأخير للروح كي لا تتحوّل الحياة إلى آلة، ولكي يبقى الإنسان أكثر من مجرد كائن يستهلك الوقت ويمضي.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







