عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: التوطين المفاهيمي والنسقي للسلطة.. مدخل تفكيكي

تجاوز الثنائيات التقليدية في الفكر السياسي

شهدت الفلسفة السياسية المعاصرة تحولاً جذرياً وعميقاً في مقاربة مفهوم السلطة وفهم آلياتها الحركية، وهو تحول قاده بصورة أساسية النقد الفلسفي الفرنسي المعاصر عبر طرح سؤال بديل وجوهري بدلاً من الأسئلة الجوهرانية القديمة؛ وهذا السؤال هو: "كيف تعمل السلطة؟". يمثل هذا التساؤل المعرفي انعطافاً منهجياً حاسماً يتجاوز التصورات التقليدية التي هيمنت على الفكر السياسي طويلاً، وحصرته في قوالب جامدة.

من ناحية أولى، يتجاوز هذا الطرح الجديد التصور الليبرالي الكلاسيكي الذي ينظر إلى السلطة من منظار قانوني دستوري محض، ويختزلها تالياً في سيادة الدستور ومؤسسات الدولة الرسمية بوصفها أعلى سلطة شرعية متعالية. ومن ناحية أخرى، يتخطى هذا التوجه النقد المادي التاريخي التقليدي الذي يختزل السلطة في كونها مجرد امتياز اقتصادي تحظى به طبقة مسيطرة دون أخرى، أو أداة قمع حصرية تمتلكها تلك الطبقة الاقتصادية لإخضاع الطبقة العاملة المسحوقة.

بدلاً من هذه الرؤى المختزِلة والآحادية، يقدم الفكر الفلسفي التفكيكي، وبنية التشريح الدقيق للسلطة، تصوراً مغايراً يرى في السلطة استراتيجية محايثة ومستمرة تخترق الجسد الاجتماعي بأكمله وتتشابك في عروقه. إن السلطة، وفق هذا المنظور النقدي، ليست شيئاً مادياً يمتلك كالثروة أو العقار أو الأرض، بل هي شبكة معقدة من الممارسات، والنظم، والإجراءات الحيوية التي يتداخل فيها البعد الاجتماعي بالبعد الاقتصادي، والسياسي بالمعرفي.

تعمل السلطة في جوهرها من خلال إنتاج الحقيقة وتوزيعها صعوداً وهبوطاً؛ إذ لا توجد ممارسة فعلية لآليات السلطة دون وجود نوع معين من الاقتصاد المعرفي الموجه لـ "خطابات الحقيقة" التي تمنحها الشرعية الدائمة وتبرر وجودها. بناءً على ذلك، نجد أن الذوات الإنسانية غدت خاضعة للسلطة بواسطة إنتاج الحقيقة التي تفرضها المنظومة كقانون طبيعي أو اجتماعي، نصنف بموجبه ذواتنا والآخرين، ونحاكم بناءً على معاييره سلوكنا العام والخاص.

لذلك، فإن تفكيك السلطة وتعرية آلياتها يقتضي بالضرورة دراستها عند أطرافها الهامشية وملامحها الأخيرة، أي في المواقع واللحظات التي تصبح فيها هذه السلطة دقيقة، ونوعية، وهشة، وحيث تتجاوز القواعد القانونية الكبرى المنظمة لها لتندمج كلياً في تقنيات ومؤسسات محلية وجهوية تمارس الإكراه المادي والرمزي الواقعي على الأجساد البشرية مباشرة.

إن هذا التحول المعرفي من "نظرية السيادة" الفوقية والمركزية إلى "واقع الإخضاع والهيمنة" المجهري الدقيق يمثل الأرضية المعرفية الصلبة التي تتيح للباحث مقارنة الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تبدو متناقضة عقائدياً وأيديولوجياً على السطح الخارجي، وتحديداً الأنظمة الشمولية الكلية من جهة، والمنظومة المالية القائمة على الاقتصاد الحر والإنتاج المتقدم من جهة أخرى، وذلك للكشف عن جوهرهما السلطوي المشترك وآلياتهما المتطابقة في تدجين الذات البشرية.

 العقيدة، الدولة، والجماهير في المنظومة الشمولية الكلية

تتميز الأنظمة الشمولية بقدرتها الفائقة على فرض سيطرتها الكلية والشاملة على أبعاد الحياة الإنسانية كافة، سواء أكانت هذه الأبعاد عامة ترتبط بالفضاء المشترك أم خاصة ترتبط بالوجدان الفردي. ولا تكتفي هذه الأنظمة بإدارة الشأن العام الخارجي وضبط الأمن، بل تتغلغل عميقاً إلى داخل الفضاء الخاص للأفراد لتدمير ملكة الاختيار النقدي والتفكر المستقل لديهم، محولة إياهم إلى أجزاء في آلة ضخمة.

وتاريخياً، حاولت هذه الأنظمة الشمولية تطويع أفكار فلسفية تنويرية قديمة وتوظيفها عقائدياً لتبرير وحدتها العضوية القسرية؛ ومثال ذلك الاستدعاء الشمولي للأطروحات الفلسفية المثالية الألمانية حول التربية القومية القادرة على تحقيق حرية الأمة الشاملة، وصياغة مواصفات نوعية وروحية كبرى لها لتمكينها من حمل رسالة تمدين العالم وتثقيف المجتمعات الأخرى.

في هذا الفضاء المغلق، تطرح الدولة الشمولية نفسها كعنصر توحيد مطلق يضع حداً حاسماً لكل الانقسامات والتعددية الاجتماعية، بحيث لا تعود تمثل شعباً سابقاً عليها في الوجود التاريخي، بل تغدو هي الشعب نفسه في صورته المثالية؛ وبالتالي فهي لا تحتاج إلى أي مشروعية خارجية تبرر أفعالها، وتصبح إرادتها السياسية المحضة هي القانون الأسمى والوحيد المعترف به.

على الرغم من التماسك النظري الظاهري لهذا النموذج التوصيفي للشمولية، فقد واجه نقداً فلسفياً لاذعاً لكونه يقدم صفات بنيوية ثابتة لنظام سياسي واجتماعي هو في أصله ديناميكي ومتغير باستمرار، فضلاً عن تأسيسه لثنائية مفرطة البساطة تسطح المشهد السياسي عبر اعتبار الشمولية النقيض المباشر والمعزول للديمقراطية الإجرائية.

الهيمنة الناعمة والاستلاب في منظومة الإنتاج المتقدمة

في المقابل، يتبدى النمط الاقتصادي الحر والإنتاج المتقدم كمحرر ظاهري للفرد من الروابط التقليدية الأولية والقرابات العشائرية التي كانت تمنحه الأمن النفسي والمعنى الوجودي في المجتمعات القديمة، لكن هذا التحرير غير المكتمل ألقى بالفرد المعاصر في خضم عالم موحش تسوده المنافسة الضارية والصراع المفتوح على الاستهلاك، مما أنتج لديه شعوراً حاداً بالوحدة، والعزلة، والقلق الوجودي، والشك المستمر، والعجز أمام المؤسسات العابرة للقارات.

إن هذه التناقضات الصارخة تظهر بوضوح لدى الطبقة الوسطى التي تعيش فصاماً بنيوياً؛ فهي تميل للمحافظة على النظام القائم خوفاً من فقدان مكتسباتها من جهة، وتحتج على التفاوت الطبقي والاجتماعي النامي باطراد من جهة أخرى، مما يولد لديهما خوفاً عميقاً من الحرية الحقيقية وتبعاتها، يدفعها دوماً للهروب نحو التبعية العمياء والخضوع الطوعي لمتطلبات السوق.

هنا يتقاطع مسار المنظومة القائمة على الاستهلاك مع مسار المنظومة الشمولية؛ ففي المجتمع التقني الصناعي المتقدم، ينحو الإنتاج ونمطه منحى الكلية والإحاطة ليحدد سلفاً الحاجات الفردية ونشاطات الحياة الاجتماعية بشتى تفاصيلها. وتندمج الحاجات الفردية الأصيلة بالحاجات الاجتماعية المصنوعة بالكامل، فتزول الحدود الفاصلة بين عالم الحياة الخاص والعميق وعالم الحياة العام والسطحي. هذا الاندماج القسري والنزوع نحو الكلية يمثلان السمة الشمولية المشتركة والخفية التي تربط الرأسمالية المتقدمة بالأنظمة الشمولية الشرقية القديمة.

ولفهم التطور التاريخي لآليات الهيمنة وتغول السلطة في المجتمعات الحديثة، يبرز تمييز فلسفي بالغ الأهمية بين نمطين من المجتمعات: مجتمعات الانضباط ومجتمعات التحكم. لقد أسس الفكر النقدي المعاصر لنظرية "مجتمعات الانضباط" التي ازدهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ووصلت أوج تمددها في القرن العشرين؛ إذ تعمل هذه المجتمعات من خلال فضاءات احتجاز مادية، ومغلقة، ومحددة جغرافياً.

وتستهدف السلطة الانضباطية في هذا النموذج تنظيم وقت الأفراد بدقة، وضبط أجسادهم وحركاتهم عبر المراقبة البصرية المباشرة، لضمان تحقيق أقصى كفاءة إنتاجية ممكنة، وضمان خضوع تام وتام للمنظومة الاقتصادية الصاعدة التي تتطلب عمالة مطيعة ونمطية.

إلا أن التحليل الفلسفي اللاحق يرى أن المجتمعات المعاصرة تعيش اليوم صيرورة الانتقال السريع نحو "مجتمعات التحكم" الرقمية التي حلت كبديل متطور عن الأشكال الانضباطية القديمة. لم تعد السلطة المعاصرة بحاجة إلى فضاءات الاحتجاز المادية والمغلقة لإخضاع الجسد الإنساني وتدجينه؛ بل أصبحت تمارس هيمنتها الناعمة والكاملة في الهواء الطلق وبفضاءات مفتوحة لا متناهية الحدود، ترتكز على التدفقات الرقمية، وشبكات الاتصال فائقة السرعة، والمنطق الرياضي للمنظومة المالية المفتوحة.

لقد انتقل الإنسان المعاصر بفعل هذه التقنيات من وضع "حيوان الانضباط" (الذي يشبه الخلد الذي يتحرك في ممرات أرضية مغلقة ومعلومة) إلى وضع "حيوان التحكم" (الذي يشبه الأفعى التي تتحرك بتموج وانسياب مستمر في فضاء مفتوح لكنه مراقب بدقة).

تنعكس هذه الصيرورة الجوهرية مباشرة على بنية الاقتصاد وعلاقات العمل الحديثة؛ ففي حين كانت المنظومة الانضباطية تركز على الإنتاج المادي والتجميع البدني للعمال داخل المصانع المغلقة وتأسيس نقابات عمالية كبرى تواجه أصحاب العمل مواجهة مادية مباشرة، تحول النظام الاقتصادي في مجتمعات التحكم إلى منظومة من الدرجة العليا والأكثر تجريداً. لم يعد النظام معنياً بالإنتاج المباشر للمواد الخام أو التصنيع الثقيل الذي جرى ترحيله جغرافياً إلى دول الهامش والبلدان النامية، بل غدا نظاماً خدمياً ومعلوماتياً يبيع المنتجات الجاهزة، والرموز، والخدمات، ويتحكم في الأسواق العالمية عبر المضاربات المالية العابرة للحدود، ومعدلات الصرف الآلية، والتقنيات المعلوماتية الرقمية الخوارزمية.

وداخل المؤسسات الاقتصادية الجديدة، حل مفهوم "الشركة الاستثمارية" أو "المقاولة المرنة" محل "المصنع التقليدي" الصلب. ولم تعد المنافسة الطبقية تجري بين كتل عمالية متضامنة في مواجهة رأس المال، بل تحولت المنافسة إلى حافز ونظام سيكولوجي يقسم العمال داخلياً، ويضع الفرد في حالة مواجهة دائمة وصراع مع زميله في العمل ومع ذاته لتحقيق معدلات الإنتاج المطلوبة.

كما يحل مفهوم "التعليم المستمر" والتأهيل المهني الدائم مدى الحياة محل الاختبارات والشهادات الأكاديمية التقليدية المغلقة، مما يضع نظام التعليم والتربية بالكامل تحت وطأة الشركات الاحتكارية الكبرى ومتطلبات السوق المتغيرة، ويحرم المعرفة من قيمتها الإنسانية المستقلة.

بناءً على ذلك، يتغير مفهوم الكائن الإنساني في مجتمعات التحكم الرقمي؛ فلم يعد الفرد هو ذلك الكائن المحتجز في مكان ما، بل أصبح هو "الإنسان المدين" الخاضع بنيوياً لنظام القروض والديون والرموز الرقمية وبنوك المعطيات الضخمة التي تسلب السيادة الفردية وتستبدلها بهويات رقمية جزئية خاضعة للتحكم والمراقبة الخوارزمية المستمرة على مدار الساعة. وتغدو النقابات العمالية والمهنية التقليدية، التي ارتبط تاريخها البنيوي بالنضال الانضباطي داخل الفضاءات المغلقة والمصانع، عاجزة تماماً عن التكيف مع هذه التحولات التكنولوجية العميقة، مما يستوجب على المجتمعات الحية البحث عن أسلحة مقاومة فكرية وعملية جديدة قادرة على اختراق جدار التحكم الرقمي السميك.

معضلة الديمقراطية في السياق العربي والتمايز الإجرائي

يكتسب البحث في البديل الديمقراطي حساسية سياسية وتاريخية قصوى عند إسقاط هذه المفاهيم التفكيكية على الواقع السياسي العربي المعاصر؛ حيث تعاني المنطقة العربية من معضلات بنيوية وعقبات عميقة ترتبط بعدم التمييز الدقيق والمعرفي بين مفهومين مركزيين في النظرية السياسية: مفهوم "التداول السلمي على السلطة" ومفهوم "انتقال السلطة".

لقد تبنت بعض الأنظمة والبلدان العربية إصلاحات سياسية شكلية مقتصرة حصراً على جوانبها الإجرائية، والتقنية، والانتخابية الصورية، دون أن ترقى هذه الممارسات الموسمية إلى تحقيق تداول حقيقي، وفعلي، ومؤسسي على السلطة يتيح إنتاج بدائل سياسية واقتصادية واجتماعية حقيقية من شأنها تحرير المواطن من التبعية والفقر.

إن هذا الإخفاق البنيوي في استيعاب جوهر الديمقراطية كرس أزمة الاستبداد السياسي، وأدى تاريخياً إلى تفجر الاحتجاجات الشعبية العارمة والمطالبة الجذرية بإسقاط الأنظمة الحاكمة، نتيجة لفشل هذه الأنظمة في تبرير سياساتها التنموية وتآكل قاعدتها الشرعية والشعبية.

بناءً على ذلك، فإن الانتقال الفعلي والحقيقي نحو الديمقراطية الحقة في المنطقة العربية لا يمكن استيراده كقطع غيار أو كوصفة جاهزة من الخارج، ولا يمكن الاعتماد فيه على الخطاب السياسي الفج والسطحي للقوى السياسية المحلية أو الإقليمية؛ بل يتطلب ابتداءً إجراء دراسة تفكيكية مستفيضة ومستوعبة للبنى الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والجيواستراتيجية المعقدة القائمة في المنطقة.

يتطلب التغيير الحقيقي المنشود تجاوز النماذج التمثيلية المشوهة والديمقراطيات الواجهية نحو بناء فضاء عمومي محلي، نشط، ومستقل، يمارس الرقابة الشعبية الصارمة على مؤسسات السلطة وينتج الوعي النقدي ديمقراطياً من الأسفل إلى الأعلى. كما يتطلب هذا الانتقال الموازنة الدقيقة بين حرية السوق والمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للدولة تجاه الفئات الضعيفة، مع ضمان حق النقد، والمعارضة، والاختلاف بوصفها مقومات أساسية وأعمدة لا غنى عنها لبناء مجتمع حر، ومتضامن، ومتوازن.

***

 غالب المسعودي