أقلام حرة
أكرم عثمان: وتبقى عقليتنا كما هي عندما لا تغيرنا الابتلاءات والمحن
كثيراً ما نتوقع أن تكون المحن والأزمات الكبرى نقطة تحول في حياة الإنسان، وأن المرض الشديد أو الإصابة الخطيرة أو الاقتراب من الموت كفيل بإعادة تشكيل نظرته إلى الحياة والناس ونفسه. ونعتقد أن من يمر بهذه التجارب سيخرج منها أكثر حكمة وهدوءاً وامتناناً، وأكثر قدرة على فهم ما هو مهم وما هو عابر في هذه الحياة. غير أن الواقع يكشف لنا صورة مختلفة في كثير من الأحيان، إذ نرى أشخاصاً مروا بظروف قاسية هددت حياتهم أو غيرت مجرى أيامهم ثم ما لبثوا أن عادوا إلى الأفكار ذاتها والسلوكيات ذاتها والانفعالات ذاتها التي كانوا يعيشونها قبل الأزمة، وكأن شيئاً لم يكن.
إن الأكثر إثارة للتأمل أن بعض هؤلاء لا يعودون فقط كما كانوا، بل يزداد لديهم الشعور بالاحتقان والمرارة واللوم تجاه الآخرين. فينشغلون بمن لم يزرهم أثناء مرضهم، أو بمن تأخر في السؤال عنهم، أو بمن لم يقدم لهم الدعم الذي كانوا يتوقعونه. وتتحول التجربة التي كان يمكن أن تكون فرصة للنضج وإعادة النظر في الحياة إلى مناسبة جديدة لتغذية مشاعر الغضب وخيبة الأمل والاستياء. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا لا يتغير بعض الناس رغم ما مروا به من ابتلاءات وتجارب قاسية؟.
الحقيقة أن الأحداث لا تغير الإنسان من تلقاء نفسها، بل إن طريقة فهمه لهذه الأحداث هي التي تحدد أثرها عليه ومآلها. فالألم وحده لا يصنع الحكمة، والخسارة وحدها لا تصنع النضج، والمرض وحده لا يصنع الوعي. هناك من يمر بالتجربة نفسها فيخرج منها أكثر قرباً من ذاته وأكثر فهماً للآخرين وأكثر تقديراً للحياة، وهناك من يخرج منها مثقلاً بالغضب والشكوى واللوم. فالفارق لا يكمن في حجم المعاناة، بل في العقلية التي تستقبل تلك المعاناة وتفسرها ونستوعب الدروس والعبرمنها.
بعض الناس يعيشون بعقلية تجعلهم يرون أنفسهم دائماً في موقع الضحية. فهم ينظرون إلى الحياة من زاوية ما فقدوه أكثر مما ينظرون إلى ما بقي لديهم وما يمتلكونه، ويركزون على تقصير الآخرين أكثر من تركيزهم على مسؤولياتهم الشخصية ودورهم. وعندما تحل بهم أزمة ما، فإنهم لا يتساءلون عما يمكن أن يتعلموه منها أو كيف يمكن أن يطوروا أنفسهم بعدها، بل ينشغلون بحسابات طويلة حول من وقف معهم ومن لم يقف، ومن أهتم ومن تجاهل، ومن حضر ومن غاب. وبدل أن تتحول الأزمة إلى فرصة للنمو، تتحول إلى ملف جديد يضاف إلى أرشيف الشكاوى والعتاب.
إن التجارب الصعبة لا تمنح دروسها تلقائياً، بل تحتاج إلى قدر من التأمل والصدق مع النفس. فهناك من يمر بالحدث ثم يجلس مع ذاته متسائلاً عن الرسائل التي يحملها له هذا الألم، وعن الأشياء التي كان يركض خلفها واكتشف أنها لا تستحق كل ذلك الجهد، وعن العلاقات التي تستحق أن يحافظ عليها، وعن العادات التي يجب أن يغيرها ويتخلص منها وهناك من يمر بالتجربة نفسها دون أن يمنح نفسه فرصة للتأمل، فيعود إلى حياته القديمة بمجرد زوال الخطر، وكأن شيئاً لم يحدث.
ولعل المشكلة الأعمق تكمن في أن كثيراً من الناس ينتظرون أن تغيّرهم الظروف دون أن يبذلوا جهداً في تغيير أنفسهم. فهم يعتقدون أن الاقتراب من الموت أو مواجهة المرض سيجعلهم تلقائياً أكثر وعياً، بينما الحقيقة أن الوعي قرار، والنضج اختيار، والتغيير عملية داخلية تحتاج إلى شجاعة ومراجعة ومحاسبة للنفس. فالإنسان لا يصبح أفضل لأنه تألم، بل لأنه فهم معنى ألمه واستثمره في إعادة بناء ذاته.
إن أجمل ما يمكن أن يخرج به الإنسان من أزماته ليس الشعور بالانتصار على المرض أو تجاوز المحنة فحسب، بل اكتساب رؤية أكثر وضوحاً للحياة. رؤية تجعله أقل انشغالاً بأخطاء الآخرين وأكثر اهتماماً بتطوير نفسه، وأقل تمسكاً بالغضب وأكثر قدرة على التسامح، وأقل تركيزاً على ما فاته وأكثر تقديراً لما يملكه الآن. فالحياة قصيرة بما يكفي لأن ندرك أن استنزافها في اللوم والعتاب لا يغير شيئاً، وأن الطاقة التي ننفقها في مراقبة الآخرين أولى أن تستثمر في فهم أنفسنا وتحسينها.
إن الابتلاءات قد تكون من أعظم المعلمين، لكنها لا تعلم الجميع بالقدر نفسه، فلكل وعيه وتفسيره للأحداث والأزمات التي تحدث في حياته. فهناك من يخرج منها أكثر نضجاً واتزاناً ورحمة، وهناك من يخرج منها أكثر تصلباً واستياء. وما يصنع هذا الفرق ليس الحدث ذاته، بل الطريقة التي يقرأ بها الإنسان الحدث، والمعنى الذي يمنحه له، والقدرة التي يمتلكها على تحويل الألم إلى درس، والتجربة إلى حكمة، والمحنة إلى بداية جديدة. ومن هنا فإن التغيير الحقيقي لا يبدأ عندما تتغير الظروف، بل عندما تتغير طريقة تفكيرنا في تلك الظروف، وعندما نمتلك الشجاعة الكافية لننظر إلى أنفسنا بصدق، فنراجعها ونتعلم منها ونعيد تشكيلها بصورة أكثر نضجاً ووعياً وإنسانية.
***
د. أكرم عثمان
8-6-2026







