عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: الساقط في الحفرة لا يحفر

من قوانين البقاء وبديهيات التحدي أن الأحياء عندما تسقط في حفرة فأنها لا تحفر، وإنما تجتهد في إبتكار الوسائل والآليات اللازمة للخروج من الحفرة. والساقط في الحفرة قد يكون فردا، مجموعة، فئة، حزبا، أو مجتمعا وربما شعبا وأمةً.

ففي حالة الصراع القائم فوق التراب، كل حالة مؤهلة للسقوط في حفرة، إذا فقدت قدرات الحذر وأسباب الوقاية من التحول إلى ضحية للخداع والتضليل والدفع باتجاه الحفرة.

فالكثير من الحفر تكون مموهة وغير واضحة فيدوس عليها البشر حتى يقع فيها، فيكون هدفا لتساقط كل شائن عليه.

ومعظمنا لعب هذه اللعبة في صباه، حيث كنا نحفر حفرةً صغيرةً نملأها بالماء ونغطيها بالأغصان وجريد النخيل وندثرها بالتراب فنخفيها، ونأخذ أحد الصبية الذي لا يعلم بها ونسير معه بإتجاهها، وقد إنسجم معنا في الكلام وغيره من التفاعلات التي تلهيه وتقلل إنتباهه، ونمضي به إلى حيث يدوس على الحفرة الموهة فتغوص قدمه فيها، ويتعالى ضحكنا ويتصاعد غضبه، وتحصل المشاجرات بيننا والبعض من الصبية كان يضحك معنا، ويدفعنا بأسلوبه إلى مشاركته السقوط في الحفرة.

هذه كانت لعبة صبية في تراب الوطن، مثل غيرها من اللعب والتفاعلات التي نحمل عنها ذكريات جميلة وطيبة.

ومنطوق اللعبة وفكرتها هو أحد قوانين إمتلاك الشعوب والأمم والسيطرة على الأوطان، وذلك بأن يتم إسقاطها في حفرة، كما كنا نوقع بعضنا في الحفر عندما كنا نلعب، وكذلك الدول القوية تلعب والساسة يلعبون وكم منهم سقط في الحفر، وما تعلم الخروج منها أو إسقاط دافعه إليها فيها.

وقد سقط الوطن في حفرة وحفرة، حُفرت له منذ عقود، وأمعن أبناؤه بحفرها، وتواصلوا في الحفر، على غير طبائع الأمور وبديهيات الأصول وإرادة البقاء والتواصل.

وساهمت الكراسي بكل ما أوتيت من طاقات وعلى مدى عقود قاسيات في الإجتهاد بالحفر والغوص العميق في قاع الحُفر، حتى صار الوطن هدفا محصورا في زاوية التدمير والخراب والضياع والفناء. وبعد أن تم الإطباق على الحفرة وأسر الوطن وامتلاك الشعب، تولدت في داخل الحفرة قِوى متنوع أخذت تعمل بجد ونشاط وعدوانية وإندفاع سلبي في الحفر المتواصل والشديد للحفرة، حتى إزداد الظلام وتمكن التراب من دفن الأحياء والغبار من منع وضوح الرؤية، وإختنق الناس وهم لا يزالون يحفرون ولا يتعبون.

وأصبح من الصعب على الذي يحلم بالخروج من الحفرة أن يفكر في صناعة سلّم أو أن يرشد الناس إلى الطريق الصحيح للخلاص من مأزق الحفرة، لأن الجميع لا يمكنه أن يرى بسبب ضغط الحفرة وقوانينها وتفاعلاتها، التي تعمي الأبصار وتقتل العقل والإدراك والتصور الواضح المعقول.

ولهذا نرى أن المجتمع وقع في الحفرة، وصار أسيرا للقوى التي أسقطته فيها، ولا يعرف كيف يعيش خارجها لأنه أُصيب بحالة التقوقع في الحفرة، وإستسلم لإرادة التآكل فيها والتمتع بقوانينها التي تعبّر عن الوجود الراكد المتعفن في ذات المكان.

 وهكذا فالوطن تحول إلى مستنقع، ومضت القوى تتصارع فيه والأحداث تتعاظم وتتأكد، والواقعون في الحفرة يقعون في أية حفرة يحفرونها لبعضهم فيها، فلا مجال إلا للوقوع.

ولكي نتحرر من أسر الحفرة التي وقعنا فيها، علينا أن نجدّ ونجتهد في صناعة السلالم التي تنقذنا من قبضتها التدميرية القاضية. ترى لماذا لا نرعوي ونتوقف عن الحفر؟!!

حَفرْنا حُفرةً فيها وَقَعْنا

ومنْ وجعٍ وإذلالٍ شَبِعْنا

تَساقطَ جَوْهرٌ في قاعِ وَيْلٍ

فتُهنا في مَواطِنها وضِعْنا

تُعللنا النوازلُ بانْجلاءٍ

وفي سَأمٍ لأغْرابٍ تَبِعْنا

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم