حكمَ الدولة العثمانية لمدة (46) سنة، (1520 - 1566)، وتسنم الحكم في عمر (26)، وله منجزاته الكبرى وتأثيره على مسيرة الحياة، وكان شاعرا متنورا، ولديه الفقهاء والمستشارين الذين يبررون له ما بقوم به من أفعال، فلكل عمل أقدم عليه هناك فقيه يسوّغ له الفعل مهما كان خطيرا.
قتل إبنه مصطفى سنة 1553 وهو صاحب خبرة إدارية وقيادية متميزة، وطموحات لنشر الإسلام في أوربا وخططه جاهزة لهذا الأمر، وكانت أوربا مرعوبة منه.
في 1559 حصل صراع عسكري بين أولاده بايزيد وسليم الثاني على ولاية العرش، بايزيد كان مع الدولة الصفوية، وحدث الصراع في قونيا وإنتصر سليم الثاني، وفر بايزيد إلى إيران مع عائلته خوفا من أبيه وأخيه، وبعد إتفاق بين الدولتين تم تسليم بايزيد لفرقة إعدام قضت عليه وعلى أولاده الأربعة في إيران.
في سنة 1556 قتل إبراهيم الصدر الأعظم وصديقه الأثير وزوج أخته المحبوبة، وتفاعل مع زوج إبنته المقربة إليه بقسوة ومرارة ثم لين .
هذه سلوكيات موثقة ولها تأثيراتها الخطيرة على الدولة العثمانية، فمقتل ولي العهد مصطفى كان من أفظع الأخطاء التي أودت بمصير الدولة وحطمت كيانها وأبهجت أعداءها، وهي تعبير عن إرادة الكرسي، وتخبرنا بأن الكراسي تصنع بشرا من حجر، وتفرغه من المشاعر والعواطف، فهذا السلطان الشاعر متجمد المشاعر، ويصعب تفسير سلوكه المتأرجح بين الشعر والكرسي.
ويبدو أن للكرسي مناهجه، فالجالس عليه غيره قبل أن يتمكن منه، فالكراسي منبع المآسي، ومنطلق التداعيات الأليمة التي تعصف بالبشر.
هذا سليمان القانوني الشهير بسلوكياته المتناقضة الغريبة عنه كإنسان وشاعر يقتل أبناءه وأحفاده وصديقه الأثير وصدره الأعظم.
فيذود عن الكرسي ولا يرى أنه لا يدوم وعليه أن لا يكون عبدا له، وأن يلوي عنقه ويعبّر عن القيم السامية ويكون قدوة حسنة ذات معنى إنساني رحيم.
مسيرة حكم سليمان القانوني تختصر علاقة البشر بالكرسي، وتجعله عبدا أسيرا لما يتوهمه من سلطان، فلا العقائد ولا المبادئ ولا القيم تصمد أمام إرادة الكرسي، فالبشر قبل الكرسي غيره وهو في الكرسي، وتلك عجيبة سلوكية متكررة منذ الأزل، وما نجى منها إلا ما ندر، وستتواصل حتى يوم المحشر، فمن يسأل الإمارة، تحرقه الخسارة!!
تبصّرْ أنتَ مُرتَهنٌ مُبادُ
وذا الكرسيُّ صَيّادٌ يُصادُ
*
تحاورُنا الخطايا كلّ يومٍ
ويَسْألنا التصارعُ والحِدادُ
*
لماذا مَن تولاّها تَمادى
وأفْسَدَهُ التحزّبُ والعِنادُ
*
وأذهلهُ وقوعٌ في صِراطٍ
ويوهِمُهُ التَسامقُ والسِيادُ
*
كأنّ نُهى الخَلائقِ مُسْتباحٌ
يُصادِرُهُ التعَمّمُ والفسادُ
*
بَرايا في مَناقبها عَجيبٌ
مُتوَّجَة بباءاتٍ تكادُ
*
رَغيبُ النَفسِ مَطبوعٌ بنَهْمٍ
وإنّ نُزوعَها هَدَفٌ عِتادُ
*
على جُرُفِ المَنايا اسْتَناحَتْ
قلوبٌ نبْضُها همٌّ يُعادُ
*
أ تَبْكي أمّةٌ وأدَتْ أباها
فقاسَتْ مِنْ مَدامِعِها الجِيادُ
***
د. صادق السامرائي







