حين يُذكر التأريخ العراقي المعاصر، يتصدر اسم الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف قائمة المؤرخين الذين كرسوا حياتهم لخدمة المعرفة الوطنية، وتوثيق الذاكرة العراقية بمختلف أبعادها السياسية والفكرية والاجتماعية. ولم يقتصر عطاؤه العلمي على التأريخ الأكاديمي، بل امتد إلى ميدان التراث الشعبي، فغدا أحد أبرز المهتمين بتوثيق الموروث الحضري والريفي، ولاسيما تراث مدينة الموصل وأريافها، ومنها ريف جنوب الموصل (الديرة).
وتكتسب هذه الجهود أهميتها من الخلفية الأكاديمية الرصينة للدكتور العلاف، بوصفه أستاذًا متمرسًا في التاريخ الحديث، الأمر الذي أكسب كتاباته دقة التوثيق، وعمق التحليل، والالتزام بالمنهج العلمي، فجمع بين أمانة المؤرخ وشغف الباحث بقضايا المجتمع وذاكرته الثقافية.
ولم ينظر الدكتور إبراهيم العلاف إلى المدينة والريف بوصفهما فضاءين منفصلين، بل رآهما ركيزتين متكاملتين للهوية العراقية. فالمدينة بما تختزنه من إرث حضاري وثقافي، والريف بما يحمله من أصالة وقيم اجتماعية متوارثة، يشكلان معًا صورة المجتمع العراقي في تنوعه وغناه. ومن هذا المنطلق، حرص على توثيق العادات والتقاليد، والمناسبات الاجتماعية، والمهن القديمة، والأسواق، والمقاهي، والمدارس، والأزياء الشعبية، والأمثال والمأثورات، لتظل شاهدًا حيًا على مراحل مهمة من التاريخ الاجتماعي للعراق.
وقد امتاز بمنهجية علمية جمعت بين الرصانة الأكاديمية وسلاسة العرض، فنجح في تقريب المعرفة التاريخية إلى القارئ العام من دون أن يفقدها دقتها العلمية، كما أسهم في تشجيع الباحثين والكتّاب الشباب على الاهتمام بالموروث الشعبي، بوصفه مصدرًا أصيلًا لفهم المجتمع وتحولاته الثقافية والاجتماعية.
وتبرز قيمة مشروعه التوثيقي للتراث في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتزايد فيه التحديات التي تهدد الموروث الشعبي بالتراجع أو الاندثار. وبذلك فان توثيق التراث ليس مجرد استذكار للماضي، بل هو صيانة للهوية الوطنية، وحفظ للذاكرة الجمعية، وضمان لانتقال القيم والخبرات والتقاليد الأصيلة إلى الأجيال القادمة.
لقد استطاع الدكتور إبراهيم العلاف أن يقيم جسرًا متينًا بين الماضي والحاضر، فجعل من التاريخ علمًا نابضًا بالحياة، ومن التراث الشعبي سجلًا حيًا يعكس روح المجتمع العراقي وتطوره. وبذلك قدم نموذجًا للمؤرخ الذي لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يسعى إلى حفظ تفاصيل الحياة اليومية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الأمم.
ومن هنا، فإن الجهود التي يبذلها الدكتور إبراهيم العلاف في توثيق الموروث الشعبي الحضري والريفي تمثل إسهامًا وطنيًا وثقافيًا بالغ الأهمية، يستحق كل تقدير واعتزاز. فهي جهود تصون الذاكرة الاجتماعية من النسيان، وتحفظ ملامح الهوية العراقية في زمن تتسارع فيه التحولات، لتبقى منجزاته مرجعًا للأجيال، وشاهدًا على وفائه للعلم، وإخلاصه للتراث، وإيمانه بأن الأمم التي تحفظ تراثها هي الأقدر على صون هويتها وصناعة مستقبلها.
***
نايف عبوش







