عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

مروان الدليمي: من فضلك.. وقّع لي الكتاب الذي لن أشتريه

ثمة مفارقة مؤلمة تتكرر في كثير من حفلات توقيع الكتب في العراق. فالمناسبة التي يفترض أن تكون احتفاءً بالكتاب تتحول، في أحيان كثيرة، إلى مناسبة اجتماعية يكون الكتاب فيها آخر ما يشغل اهتمام بعض الحاضرين. فالمدعوون يلتقطون الصور مع الكاتب، ويتبادلون الأحاديث، ويشربون القهوة، وربما يغادرون وفي أيديهم نسخة موقعة حصلوا عليها مجاناً، بينما يظل السؤال البسيط غائباً: لماذا لا نشتري الكتاب؟ . هذه الظاهرة تبدو للوهلة الأولى مسألة شخصية أو عادة اجتماعية، لكنها في الحقيقة تكشف عن مشكلة أعمق تتعلق بطريقة النظر إلى الثقافة نفسها. فالكتاب في المجتمعات التي تحترم المعرفة ليس هدية مجانية، وإنما منتج فكري له قيمة مادية ورمزية، تماماً كما أن اللوحة الفنية أو التذكرة الموسيقية أو الفيلم السينمائي لها قيمة يدفع الناس ثمنها من دون تردد.

ثمن القهوة... أغلى من ثمن المعرفة!

المفارقة أن الشخص نفسه الذي يتردد في شراء كتاب لا يتجاوز ثمنه بضعة آلاف من الدنانير العراقية، قد ينفق أضعاف هذا المبلغ في الجلسة نفسها على فنجان قهوة، أو وجبة عشاء، أو باقة ورد، أو حتى على أجرة النقل. ولا يرى في ذلك أي تناقض، بينما يبدو دفع ثمن الكتاب أمراً قابلاً للتفاوض أو التجاوز. والأكثر إثارة للدهشة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على عامة الناس، بل نجدها بين كتاب وأساتذة جامعات وأكاديميين ومثقفين يفترض أنهم الأكثر إدراكاً لحجم الجهد الذي يبذله المؤلف. فهم يعرفون أن الكتاب لا يكتب في ليلة واحدة، بل هو حصيلة أشهر أو سنوات من القراءة والبحث والكتابة والمراجعة. كما يعرفون أن الكاتب العراقي، في أغلب الأحيان، لا يحصل على مكافآت مجزية من دور النشر، بل يتحمل بنفسه تكاليف الطباعة والتصميم والتوزيع، أملاً في أن يجد قارئاً حقيقياً، لا مجرد باحث عن نسخة مجانية.

كيف يحتفل العالم بالكتاب؟

لو تأملنا ما يحدث في بلدان أخرى لاكتشفنا الفارق الكبير في الثقافة العامة تجاه الكتاب. في إيطاليا، على سبيل المثال، تتحول حفلات التوقيع في المكتبات الكبرى مثل "فيليترينيلي" و"مونادوري" إلى مناسبات ينتظرها القراء منذ أسابيع. يصطف الناس في طوابير طويلة، لكنهم لا يقفون للحصول على كتاب مجاني، بل لأنهم اشتروا النسخة ويريدون توقيع الكاتب عليها. بل إن بعض المكتبات تشترط إبراز إيصال شراء الكتاب قبل الدخول إلى طابور التوقيع، حتى تضمن أن المناسبة تبقى مرتبطة بالكتاب نفسه، لا بمجرد التقاط صورة مع المؤلف.

وفي فرنسا، حيث يعد الكتاب جزءاً من الحياة اليومية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً. ففي مهرجانات مثل "صالون الكتاب في باريس" أو المهرجانات الأدبية في ليون وستراسبورغ، يأتي القارئ وفي ذهنه هدف واضح: شراء الكتاب، ثم التحاور مع الكاتب، والحصول على توقيعه باعتباره قيمة معنوية تضاف إلى قيمة الكتاب المادية. هناك لا يشعر أحد بأن دفع ثمن الكتاب ينتقص من مكانته، بل يعد مساهمة طبيعية في استمرار الحياة الثقافية.

أما في الهند، ورغم التفاوت الاقتصادي الكبير، فإن مهرجانات الأدب، وعلى رأسها مهرجان جايبور الأدبي، تقدم نموذجاً مختلفاً. آلاف القراء يصطفون أمام أجنحة بيع الكتب، ويخرج كثير منهم بحقائب ممتلئة بالإصدارات الجديدة. إنهم يدركون أن شراء الكتاب ليس مجرد اقتناء ورق مطبوع، بل هو مشاركة في دعم الكاتب والناشر وصناعة النشر بأكملها.

وفي كولومبيا، التي عانت لعقود من العنف والصراعات، أصبح معرض بوغوتا الدولي للكتاب رمزاً للتحول الثقافي. فالعائلات تأتي مع أطفالها لشراء الكتب، والكتاب يوقعون مئات النسخ التي اشتراها القراء بالفعل. هناك ينظر إلى اقتناء الكتاب بوصفه استثماراً في المستقبل، وليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه.

الكتاب ليس هدية... حتى في أفقر البلدان

هذه الأمثلة لا تعني أن تلك المجتمعات أكثر ثراءً من العراق دائماً، بل تعني أن الكتاب يحتل فيها مكانة مختلفة في الوعي العام. فالقيمة ليست في القدرة الشرائية وحدها، وإنما في ترتيب الأولويات. فالإنسان قد يكون محدود الدخل، لكنه يخصص جزءاً منه لشراء الكتب لأنه يعتبرها ضرورة ثقافية، لا سلعة كمالية.

في العراق... الصورة أهم من شراء الكتاب

في المقابل، ما زالت بعض حفلات التوقيع في العراق تعاني من اختزال المناسبة في بعدها الاجتماعي. فكثير من الحاضرين يحرصون على التقاط الصور ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم لا يشعرون بالحرج من مطالبة الكاتب بنسخة مجانية. وكأن التوقيع حق مكتسب، وليس ثمرة شراء الكتاب. ولو طبقنا هذا المنطق على مجالات أخرى لبدت المفارقة أكثر وضوحاً. فلا أحد يذهب إلى معرض فني مطالباً الرسام بإهدائه لوحة لأنه حضر الافتتاح. ولا أحد يدخل مطعماً جديداً ويتوقع أن تقدم له الوجبة مجاناً لأنه جاء لتهنئة صاحب المشروع. ولا يطلب أحد من الموسيقي نسخة مجانية من ألبومه لمجرد أنه حضر الحفل. وحده الكاتب يبدو مطالباً بأن يدفع تكاليف التأليف والطباعة، ثم يتنازل أيضاً عن ثمن ما أنتجه.

الكاتب وحده مطالب بالخسارة!

الحقيقة أن هذه العادة تضر بالجميع، وليس بالمؤلف وحده. فهي تضعف سوق الكتاب، وتقلل من قدرة دور النشر على الاستمرار، وتجعل الكاتب أقل قدرة على تمويل أعماله المقبلة. وعندما تصبح مبيعات الكتب محدودة، تتراجع صناعة النشر بأكملها، وتفقد الثقافة أحد أهم شروط بقائها.

الاحترام يبدأ من صندوق الدفع

إن احترام الكاتب لا يكون بالتصفيق الطويل، ولا بالصور التذكارية، ولا بعبارات الإطراء على وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما يبدأ من الاعتراف بأن الكتاب يستحق أن يُشترى. فالنسخة التي يدفع القارئ ثمنها تحمل معنى مختلفاً عن النسخة التي يحصل عليها مجاناً؛ لأنها تعبر عن اقتناع بأن المعرفة لها قيمة، وأن الجهد الفكري يستحق مقابلاً. ولا يعني هذا أن الكاتب لا يهدي كتبه أحياناً. فمن الطبيعي أن يحتفظ بعدد محدود من النسخ لإهدائها إلى الأسرة أو الأصدقاء المقربين أو الشخصيات التي ساهمت في إنجاز العمل، فهذا تقليد ثقافي جميل ومعروف في كل أنحاء العالم. لكن تحويل الإهداء إلى قاعدة عامة، بحيث يتوقع كل من يحضر حفلة التوقيع نسخة مجانية، هو ما يفقد المناسبة معناها الحقيقي.

لننقذ حفلات التوقيع من عادة النسخة المجانية

ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف حفلات التوقيع في العراق. فهي ليست حفلات توزيع كتب، وليست مناسبة للظهور الاجتماعي، بل لقاء بين مؤلف وقارئ، يبدأ بشراء الكتاب، ثم بالحوار حوله، ثم بالتوقيع الذي يمنح النسخة قيمة إنسانية وشخصية لا يمكن شراؤها.

عندما يصبح شراء الكتاب هو السلوك الطبيعي في حفلات التوقيع، سنكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو بناء مجتمع يحترم الثقافة، لا بالكلمات، بل بالممارسة اليومية. فالكتاب الذي لا يجد من يشتريه، حتى في يوم الاحتفال بصدوره، يبعث برسالة مؤلمة مفادها أن الجميع يحب الثقافة نظرياً، لكن قلة فقط مستعدة لأن تتحمل جزءاً بسيطاً من كلفة استمرارها. وتلك ليست أزمة مؤلف واحد، بل أزمة مجتمع بأكمله في علاقته بالمعرفة.

***

مروان ياسين الدليمي

في المثقف اليوم