عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: الوطن والمواطنة!!

"وللأوطان في دم كلّ حر

يدٌ سَلفت ودَيْنٌ مُستحَق"

ما هو الوطن وما هي المواطنة؟

مفاهيم لا تمتلك الوضوح الكافي في منظورنا وتصوراتنا؟!!

المواطن لم يهنأ بالوطن بل أشقاه وأصابه بالألم والأحزان.

الوطن الجغرافي والنفسي والروحي أصيب بمقتل.

ومما يُدهش أن الفترة التي حاول النظام السياسي أن يصنع فيها وجودا للوطن ومفهوما للمواطنة، تلاشت وتحزبت وتغربت، وتلتها عقود فقد الوطن فيها مفهومه ومعناه وتغلبت التوجهات الحزبية على التوجهات الوطنية، ولم يعد للبلاد قيمة وطنية وإنما كانت وسيلة أو قاعدة لتحقيق ما هو أبعد من المستحيل، بسبب غياب النظرة الموضوعية والتقدير العلمي، وفقدان القدرة على إيجاد العلاقة السليمة ما بين االوطن والوطنية والمواطنة.

فسادت مفاهيم ضبابية مؤلمة وذهبت موارده لتأمين مصالح الآخرين إذ تطوع بالمساعدات المجانية لهم، وتميّع الوطني وتشخصن إلى درجة غريبة لم تحصل إلا نادرا في التأريخ البشري.

وما عاد الوطن يذكر كوجود جغرافي وكيان إجتماعي يستوعب كل أبنائه، وإنما عبارة عن فرد، إذا تحبه فأنت وطني وبعكسه أنت ضد الوطن، فتحقق موقف سلبي ما بين الوطن الجغرافي والمواطن بسبب الإقران الشديد والمؤثر ما بين الفرد الحاكم والوطن المحكوم أو المملوك. والإقران ما بين الحاكم الفرد والوطن ليس جديدا فقد تكرر مرارا منذ قيام الدولة، وهو ظاهرة نفسية فريدة تستدعي الدراسة والفهم، وربما يكون ذلك لأسباب تأريخية وحضارية معقدة.

إن هذا الإقران الشرطي ما بين الفرد الحاكم والوطن، دفع بالمواطن إلى التعبير عن مشاعر غضبه وحنقه على الفرد بتوجيهها وإزاحتها نحو الوطن.

وهذا من أحد الأسباب الكثيرة التي دفعت إلى التعبير الغاضب بإتجاه البلد بعد التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة، لأنه لم يتمكن من الفصل ما بين الوطن الجغرافي الذي ينتمي إليه والفرد الذي اقترن بالوطن.

ويبدو أن هذا الإقران لا زال مؤثرا بسبب ما يدور من فعاليات تستنهض الذكريات وآليات اللاوعي في أعماق الفرد الذي يعاني من مأزق الإقران ما بين الحاكم والوطن.

وعلينا أن نعي هذه القوة الفاعلة في لا وعينا والتي تلقي بضلالها على سلوكنا وردود أفعالنا وتفاعلاتنا مع المتغيرات من حولنا وتشحنها بطاقات إنفعالية عالية.

إن في أعماقنا اليوم ديناميكيات معقدة من الصراعات والآليات التي ينجم عنها ما لا يخطر على بال، فهناك إقران سلبي ما بين الشخص والوطن والمشاعر المتولدة تجاه الشخص تنقلب على الوطن.

والتذكير بالحالة يؤجج المشاعر السلبية ويدفعها بإتجاه التعبير المضاد للوطن.

فعلى ما يبدو أن هناك إضطراب في السلوك الفردي والجماعي يؤثر في مسيرة الأحداث ورسم خطوات الحياة .

إن المواطن بحاجة إلى وعي هذا الإقران وهذه الإزاحة اللاشعورية لغضبه وتهكمه، وتحويلها إلى وسيلة لمنفعته وليس لإيذائه بالإنتقام من الوطن والمواطن.

وهذا الإقران السلبي تسبب في إزالة معالم تأريخية كثيرة ومهمة، فالأمم والشعوب تعتز بمسيرتها سواء كانت سلبية أو إيجابية، وتوثق مسيرة شعبها وتأريخ وطنها لكي تستفيد من دروس السلبيات، وتمارس ما هو إيجابي ومفيد للوطن الذي هو الوعاء الجغرافي الذي يضمها ويحقق وجودها العزيز، ويقرر مصير أجيالها التي تتفاعل على الأرض.

إن المتأمل لما يجري اليوم من أحداث وتطورات يدرك بأن القوى الفاعلة في الحياة هي ضحية هذا الإقران السلبي الذي يدفعها إلى إزاحة مشاعرها السلبية تجاه الوطن وابن الوطن.

لأن الإقران إكتسب صفة " شمولية الإقران" وربطه بكل ما يُذكّر بالفرد ويمت إليه بصلة ما مهما كانت، ونجم عن ذلك العديد من الصياغات التي لا تخدم المواطن وتؤذي الوطن.

إن الإقران الشخصي للوطن وإرتباط معانيه بالنظام السياسي أو الفرد الحاكم والفئة الحاكمة، جعل الوطن حالة غير ثابتة ووجود متغير لا قيمة له إلا بقيمة النظام أو الفرد الحاكم.

فالوطن بالنسبة للمواطن نظام حكم وحزب حاكم وفرد يحكم بالقوة.

وليس من السهل تحويل الوعي إلى حالة الوطن الجغرافي الذي يضم مكوناته ويؤسس لوجودها. وبسبب هذه النظرة فان المواطن لا يكترث بالوطن مثلما يكترث غيره من أبناء الأرض بأوطانهم.

وتراه ينهال على معالم وطنه بكل غضب وقسوة لأنها ليست إلا نظام حكم، وما دام هو في خصام مع نظام الحكم فسيبقى في خصام مع الوطن وسيسعى إلى التخريب.

إنها آليات إزاحة الغضب والرفض من نظام الحكم إلى الوطن الجغرافي الذي هو وطن نظام سياسي أو وطن فرد.

وعندما يغادر الإنسان وطنه يصاب بتأنيب الضمير الشديد حالما يواجه حالة الفعل الوطني، المعبَّر عنها بأساليب متنوعة في البلد الذي يلجأ إليه بسبب جَور الوطن الفردي أو السياسي عليه. وتراه بغتة يدرك بأنه ما كان قد ساهم في دوره بالمواطنة، وما عبّر عن إرادته في تقوية الوطن وإعلاء قيمته ويدرك فجأة إنه كان في وطن سياسي أو شخصي وليس كأي وطن في هذه الأرض، فتتحقق أزمة حادة في أعماقه وحنين دافق إلى أرضه وتتملكه قوة خيالية للعطاء الصحيح، ويرى أنه قد عاش في غياهب الأخطاء والضلالات.

وعندما يعود للتعبير عن وطنيته المتصورة والمقرونة بما رآه وعايشه في أوطان أخرى، يجد نفسه في صراع معقد لأنه قد حقق إقرانا مضاعفا لا يمتلك رصيدا كافيا من مفردات الواقع الذي يؤدي إلى النجاح.

إقران ما بين الوطن والفرد أو النظام الحاكم، وإقران ما بين الوطن والوطن الضبابي المتصور وهو ما نعانيه اليوم.

وهذا الإقران الشرطي ما بين الوطن والفرد يساعدنا على فهم وتفسير الإجهاز السياسي الدموي المتكرر عندنا والذي لم يحصل في دول الجوار.

فهذه القسوة ذات إتجاهين سياسي وفردي بسبب الإقران المتلاحم ما بين الحالتين القائمتين في الوعي الجمعي.

لا تَقرنوا بلادَنا بسيّئٍ

وتَرَشّدوا وتفحّصوا وتدبّروا

لا تّهْزموا عقولَنا وبديعَنا

بحابلٍ ونابلٍ لا تعْثروا

يا سادَتي إنّ العراق رائعٌ

فحاولوا أنْ تَعْرفوا وتُعبّروا

لا تجْعلوا نفوسَكمْ قوّامةً

فتعقّلوا وتوحّدوا وتنوّروا

ماضٍ مضى وقد جرى ما قد جرى

ليوْمنا وقادمٍ فتَحَضّروا

لا تقرنوا بباطلٍ وظالمِ

بلْ قارنوا ومَحّصوا وشاوِروا

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم