روعة القص وثراء الدروس المستنبطة
يحتل القصص القرآني مكانة مدهشة في البناء المعرفي والتربوي للإنسان، إذ لم يرد القصص في القرآن الكريم على سبيل التسلية أو السرد التاريخي المجرد، فحسب، وإنما جاء حاملاً رسائل الهداية، ومشاعل الإيمان، والدروس التي تهذب السلوك، وتبني الإنسان، وتوجه المجتمع نحو قيم الحق، والخير، والعدل.
وقد امتاز القصص القرآني بخصائص فريدة، جعلته يتجاوز حدود الزمان والمكان، فهو يجمع بين جمال البيان، وصدق الحدث، وسمو الغاية، وروعة التصوير الفني، حتى أصبح نموذجاً رفيعاً في فن القص والسرد، يستلهم منه الأدباء، والباحثون في ابداعتهم، أساليب التعبير البليغ، والتأثير العميق، والإقناع التام.
وتتجلى روعة القص القرآني في التنوع الكبير لموضوعات التناول، والشخصيات والأحداث، فمن قصص الأنبياء عليهم السلام نستخلص معاني الصبر والثبات، والدعوة بالحكمة، كما في قصة نوح عليه السلام مع قومه، وقصة إبراهيم عليه السلام في مواجهة الشرك، وقصة موسى عليه السلام في مقاومة الطغيان، وقصة يوسف عليه السلام التي تجسد أسمى معاني العفة، والصبر والتسامح، وحسن التدبير.
ومن الخصائص البلاغية المبهرة في القصص القرآني، تكرار بعض القصص في أكثر من موضع، غير أن هذا التكرار لا يأتي على صورة واحدة مملة، وانما يحمل في كل موضع بعداً جديداً، أو زاوية مختلفة، تخدم السياق والمعنى، الأمر الذي يكشف عن إعجاز بياني فريد لاسلوب القص القرآني، يجمع بين التنوع والوحدة في آن واحد.﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (سورة يوسف: 111)
ولا ريب إن قصص القرآن الكريم ليست حكايات من الماضي، بل هي منهج حياة متجدد، يخاطب الإنسان في كل عصر، ويمنحه البصيرة في مواجهة التحديات، ويزرع فيه الأمل، والثقة واليقين، بأن العاقبة للحق وأهله، وأن الصبر مقرون بالفرج، وأن الظلم مهما طال أمده، إلى زوال.
وفي زمن تتسارع فيه وسائل التأثير، وتتنافس فيه الروايات والأفكار على تشكيل الوعي، يبقى القصص القرآني، منبعاً أصيلاً للتربية والإلهام، ومصدراً ثرياً للقيم الإنسانية والروحية، ودعوة دائمة للتأمل في سنن الله في الكون، والحياة، والإنسان.﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (سورة القصص: 5)
وهكذا يلاحظ أن القرآن الكريم أراد من قصصه، أن تكون جسوراً تربط الماضي بالحاضر، والعبرة بالواقع، والإيمان بالعمل، لتظل هذه القصص نبراساً يضيء دروب البشرية، ومورداً لا ينضب من الحكمة، والرشاد، والهداية، والدروس المستنبطة، على قاعدة (﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة يوسف: 111
***
نايف عبوش








