قرأتُ مقال الكاتب سليمان المعمري وهو يصفق بحرارة للجان التحكيم في الأردن ولبنان لأنها امتلكت من الجرأة والشجاعة ما مكنها من حجب جوائز أدبية، بعد أن اكتشفت أن الأعمال المقدمة لا ترقى إلى مستوى الرداءة حتى، بل إن بعضها – وهذا هو الطريف حقاً – ولد من صلب "شات جي بي تي" مسكين، لم يقرأ في حياته رواية، ولكنه حفظ عن ظهر قلب كل كليشيهات الكتابة العربية المعاصرة. فجاءت النصوص كما قال بيان لجنة الكاتبة سميحة خريس "قوالب لغوية رتيبة وصياغات نمطية افتقدت حيوية الخيال البشري وفرادته". يا للهول! حتى الذكاء الاصطناعي أصابه العدوى، وصار يكتب روايات مملة كأنه عضو في اتحاد الكتاب!
هذه مصيبة تستحق وقفة تأمل، فالآلة التي يفترض أن تتعلم منا صارت تتعلم أسوأ ما فينا، وتحولت إلى مرآة تعكس رداءتنا ببرودة المعدن.
أتفق تماماً مع سليمان المعمري ومع السيدة سميحة خريس، فحجب الجائزة "رسالة ضد الرداءة"، وهو حق أصيل وأخلاقي للجان التحكيم، وربما أكثر نزاهة وشرفا من منحها لعمل ضعيف لأننا دفعنا فلوس الحفلة وقمنا بدعوة المدعوين وملأنا البوفيه، فيجب أن يكون هناك فائز وإلا انقلبت الطاولة على رؤوسنا.
هذا الموقف النبيل من لجان التحكيم في عمان وفي دار الساقي يستحق التحية والتقدير، لأنه يرفض منطق "نفخ العجول" في زمن صرنا نعتقد فيه أن مجرد وجود نص مطبوع أو مكتوب يستحق التصفيق، حتى لو كان هذا النص لا يصلح إلا لتغليف السندوتشات.
ولكن، وبينما أنا أغوص في لذة هذا الموقف الأخلاقي الرفيع، قفز إلى ذهني سؤال مؤلم، يشبه وخز الإبر في ضمير مثقف وماذا عن جوائزنا المصرية العريقة؟ أقصد تحديداً الجائزة الكبرى، جائزة الدولة التقديرية، أو جائزة النيل، أو حتى جوائز التفوق والتشجيعية. هل تمتلك لجاننا هذه الشجاعة الفذة؟ هل حدث، في تاريخ مصر الحديث، أن اجتمعت لجنة تحكيم، ونظرت إلى قوائم المرشحين المرفوعة إليها من الوزارة أو من الجهات السيادية الثقافية!، ثم قالت بوجه عبوس "معذرة يا سادة، هؤلاء الذين رشحتموهم لا يستحقون. نصوصهم هزيلة، ومشاريعهم الفكرية باهتة، وإنجازاتهم عبارة عن مناصب إدارية متراكمة لا علاقة لها بالإبداع. نحن نحجب الجائزة هذه الدورة؟!
أشك، بل أجزم، أن هذا لم يحدث، ولن يحدث، ليس لأن أعمالنا كلها عبقرية، كلا، فنحن أكثر من يعرف الحقيقة المرة، لكن لأن الجائزة في مصر تحولت، في أحيان ليست قليلة، من تكريم للإبداع إلى استحقاق وظيفي، أو مكافأة على الصمت الطويل، أو تتويج لمسيرة (موظف مثقف) لم يزعج أحداً، ولم يكتب حرفاً يهز المياه الراكدة!. إنها أشبه بترقية دورية، أو ميدالية تعلق على صدر من أمضى أربعين عاماً في الروتين الثقافي دون أن يصدر عنه ما يوجب العقاب.
كيف تحجب الجائزة وفي القائمة أسماء مفروضة بحكم الأقدمية والمحسوبية والجغرافيا والولاءات؟! كيف ستواجه اللجنة الموقف الحرج حين يتقدم للجائزة روائي كبير بمعنى كبر السن، وتكون روايته الأخيرة كارثة أدبية، ومع ذلك فإن "اعتبارات الدولة" و"رمزية الاسم" ووجوب "رد الجميل" تحتم منحه الجائزة، وإلا قامت الدنيا ولم تقعد؟!
المعضلة المصرية أعمق من مجرد نص رديء. إنها معضلة نظام ثقافي كامل يقيس قيمة الأديب بعدد سنوات خدمته، لا بوهج أعماله. نظام يخلط بين التكريم والتعويض، فيمنح الجائزة لمن لم يأخذ حقه في الماضي، وكأن الجائزة صدقة على شيخوخة متعبة، لا تتويجاً لإبداع متوهج. في هذا المناخ، يصبح حجب الجائزة ضرباً من الخيال العلمي، أو جريمة لا تغتفر في حق الرموز التي قد تصاب بالصدمة وتعلن الحداد!.
ثم هناك الوجه الآخر للكارثة ماذا لو كان العمل الرديء نفسه مكتوباً بقلم أحد المقربين؟! ماذا لو كانت روايته المليئة بالركاكة والاستعراض الأجوف تحمل توقيع ابنة مسئول كبير، أو زوجة رجل أعمال ممول للأنشطة الثقافية، أو قلم صحفي نافذ يعرف أسرار البيوت؟! هل ستجرؤ لجنة على حجب الجائزة عنه؟ أم أن أعضاءها سيبتلعون ألسنتهم، ويتحول بيانهم الختامي إلى قصيدة مدح في التجريب والجرأة في طرح المسكوت عنه، مع تغيير سريع في تعريف كلمة الإبداع نفسها لتتسع لهذا الهراء؟!
الناقد الأردني إبراهيم خليل الذي قال بضرورة منح الجائزة "بصرف النظر عن مستوى انحطاطها أو جودتها" هو تجسيد حي للمأساة العربية، لكنه في مصر سيكون فيلسوف العصر. فهنا، لدينا عباقرة في تحويل الانحطاط إلى جودة عبر البيانات الصحفية. لدينا قدرة سحرية على صياغة عبارات ملتوية تجعل من العمل التافه مغامرة شكلية، ومن السطحية عذوبة أسلوبية، ومن التفاهة انحيازاً لهموم البسطاء!!. إن حجب الجائزة لدينا ليس مجرد إجراء إداري، هو في تقديري إعلان حرب على منظومة كاملة قوامها النفاق والمجاملات.
ولكن، لعل ما أذهلني حقاً في بيان جائزة سميحة خريس، ويثير الضحك والبكاء معاً، هو جملة "اتكاء المشاركين الملحوظ على أدوات الذكاء الاصطناعي". هنا وصلنا إلى منتهى العبث. نحن في مصر، قد تكون هذه هي الطريقة المثلى لإنقاذ الجوائز، لا لحجبها!
تصوروا معي لو أن لجاننا استخدمت تطبيقاً للذكاء الاصطناعي كـ "حكم خفي" يقرأ النصوص ويحللها، ويقدم تقريراً سرياً يقول: عذراً، هذا النص كتبه إنسان نائم منذ عشرين عاماً، ولا يحتوي على أي خلية إبداعية حية. أنصح بحجب الجائزة فوراً !!. عندها فقط، قد نرى حجباً حقيقياً، لأن الآلة لا تفهم في الواسطة، ولا تخشى غضب المسئولين، ولا تطمع في منصب في لجنة في الدورة القادمة. الآلة ليس لها أبناء أو أصهار أو زملاء دراسة. إنها الحل الوحيد لمواجهة أنسانيتنا المنحطة في لجاننا، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أكثر إنسانية منا، لأنه على الأقل لا يجيد النفاق بعد.
في النهاية، بينما أصفق بحرارة للسيدة سميحة خريس ولدار الساقي وللجانهم التي احترمت نفسها واحترمت الأدب، لا يسعني إلا أن أتساءل بحرقة متى سيولد في مصر مثقفون ومسئولون يجرؤون على قول (لا) في وجه الرداءة المدعومة ؟! متى سنفهم أن قيمة الجائزة ليست في قيمتها المالية، ولا في حفل توزيعها الباذخ، لكن في صرامتها التي تجعل الفوز بها وساماً حقيقياً، لا مجرد شهادة حسن سيرة وسلوك ثقافية؟!
حجب الجائزة إذن ليس فشلاً، هو في رأيي قمة النجاح، ودليل على أن الضمير الأدبي لم يمت تماماً في الأردن ولبنان، بينما نبحث عنه نحن هنا تحت أنقاض المجاملات والبروتوكولات، فلا نجد إلا ظل الذكاء الاصطناعي يسخر منا جميعاً.
***
عبد السلام فاروق








