عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

بهاء سوادي: في كلية الطب.. المحاضرة الجيدة لا تفرض الأسئلة بل تنتجها

من المفترض أن تكون المحاضرة فضاءً لطرح المعرفة وبناء الفهم، لا سلسلةً متلاحقة من الأسئلة التي تُلقى على ذهن الطالب. فالمعرفة حين تُقدَّم في سياقٍ مترابط، وتُشرح بتفصيلٍ ودقة؛ تضع الذهن في حالةٍ من الإنصات والتأمل وشيء من التأني وتمنحه الوقت الكافي لكي يفهم، ويحلّل، ويفكّك، ثم يعيد تركيب ما تلقّاه في صورةٍ جديدة من الوعي والمساءلة.

إن استرسال الموضوع بصورةٍ واضحة ومتدرجة لا يُثقل ذهن المتلقي، بل يهيّئه للتفكير التحليلي، ويجعله قادرًا على اكتشاف الروابط بين المعلومات، والتمييز بين ما هو أساسي وما هو ثانوي، ثم صياغة أسئلته الخاصة بما ينسجم مع المعرفة التي تلقّاها. عندئذٍ لا يتحرك الطالب بين معلوماتٍ متفرقة أو متناقضة سببها الاسئلة الكثيرة بل يتحرك داخل منظومة علمية متكاملة، تضيء بعضها بعضًا.

أما حين تُفرض الأسئلة على ذهن المتلقي بصورةٍ متواصلة، فإنها قد تدفعه إلى بذل جهدٍ ذهني استثنائي من أجل الوصول إلى إجابةٍ سريعة. وهو بهذا الجهد قد ينجح في إنتاج جوابٍ مناسب، غير أن هذا النجاح قد يكون مؤقتًا؛ لأن انشغال الذهن بالإجابة العاجلة قد يأتي على حساب استيعاب بقية المعلومات والتفاصيل ثم نسيانها. وهنا يصبح التفكير رهين السؤال، وتغدو المعرفة العلمية وسيلةً عابرة للوصول إلى جواب، بدل أن تكون أفقًا للفهم والتأمل.

السؤال الذي يفرض على الطالب يستدعي إجابة مؤقته، أما المعرفة العلمية العميقة فتُنتج سؤالًا.

حين تتحول المحاضرة إلى مجموعةٍ من الأسئلة المتتابعة، يصبح الأستاذ هو المنتج للأسئلة، ويُختزل دور الطالب في البحث عن الإجابات. لكن حين تكون المحاضرة بناءً معرفيًا متدرجًا، واسترسالًا واعيًا في عرض المعلومات الدقيقة والقيمة، يصبح الطالب شريكًا في إنتاج المعرفة، ويغدو هو نفسه منتجًا للسؤال.

وهذا هو الأثر الأعمق والأهم في عملية التعلّم؛ لأن السؤال الذي يولد من فهم الانسان لا يشبه السؤال الذي يُفرض عليه من الخارج. فالسؤال الذي يصوغه الإنسان ينبثق من رحم افكار الانسان وينبثق من تأملاته العملية والمعرفية. لذلك يكون أكثر التصاقًا بوعيه، وأشد حضورًا في ذاكرته؛ فيصبح من المستحيل نسيانه.  إذ إن الإنسان لا يتذكر السؤال بوصفه معلومةً تلقّاها، بل بوصفه أثرًا او نتاجا من تفكيره وفهمه البنّاء.

إن إنتاج السؤال يعني أن الطالب لم يعد متلقيًا للمعرفة، بل أصبح فاعلًا في بنائها وأشرف على تكوينها ومساءلتها؛ فهو عندما يبادر إلى صياغة السؤال، يمنحه معنى بداخله، ويحتفظ به في ذاكرته قبل أن يطرحه في الواقع. وهكذا يمتزج السؤال بتكوين الإنسان المعرفي والعلمي، ويغدو تعبيرًا عن حاجته إلى الفهم وتعطّشه إلى المعلومه، لا استجابةً لإكراهٍ خارجي.

لذلك لا تكمن قيمة المحاضرة في كثرة الأسئلة التي يطرحها الأستاذ، بل في قدرتها على بناء معرفةٍ حيّة تُوقظ في الطالب فضولًا حقيقيًا، وتفتح أمامه أفقًا للتأمل، وتجعله قادرًا على إنتاج أسئلته بنفسه. فالتعليم الذي يمنح الطالب الإجابة قد يملأ ذاكرته، أما التعليم الذي يمنحه القدرة على إنتاج السؤال، فإنه يحرّر عقله، ويجعله شريكًا في المعرفة، لا مجرد مستودعٍ لها.

***

بهاء سوادي

 

في المثقف اليوم