عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

سعد عبد المجيد: بطالة الخريجين

بين مسؤولية الدولة ومسؤولية الفرد

تكاد بطالة خريجي الجامعات تكون اليوم واحدة من أكثر القضايا إيلاماً في المجتمع العراقي. وقد تتباين الإحصاءات في تقدير أعداد العاطلين عن العمل، إلا أن حجم المشكلة أصبح أكبر من أن يحتاج إلى أرقام لإثباته، فهي حاضرة في كل بيت تقريباً، وفي أحاديث الأسر، وفي طوابير انتظار التعيين، وفي شعور آلاف الشباب الذين أمضوا سنوات طويلة في الدراسة ثم وجدوا أنفسهم بعد التخرج أمام أبواب موصده.

ولعل المفارقة المؤلمة أن أعداد العاطلين من حملة الشهادات الجامعية أصبحت تفوق أعداد العاطلين من ذوي المؤهلات الأدنى، في الوقت الذي وجد فيه مزوِّرو الشهادات طريقهم إلى الوظائف والمناصب التي لا يستحقونها، في مشهد يبعث على الإحباط واليأس في نفوس الشباب، ويقوّض الثقة بقيمة الجهد العلمي الحقيقي، ويهز الإيمان بمبدأ تكافؤ الفرص والعدالة.

ويزداد هذا المشهد قتامةً حين نلاحظ أن النسبة الأكبر من العاطلين عن العمل هم من خريجي التخصصات الأكثر جذبًا والأعلى تنافسية، والتي تتطلب معدلات دراسية مرتفعة وجهودًا استثنائية للالتحاق بها. وهكذا تتفاقم المشكلة عندما نخسر الطلبة الأكثر كفاءةً وقدرةً، والذين بذلوا جهدًا أكبر في مسيرتهم التعليمية، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف خارج الحياة المهنية. وبهذا أصبح الحصول على فرصة عمل مناسبة يتناسب عكسياً مع القدرات والجهود المبذولة إذ كلما ازداد الجهد المبذول وارتفعت الكفاءة، تقلصت فرص التعيين بدل أن تزداد.

ولا خلاف على أن من واجب الدولة أن تعمل على توفير فرص العمل لجميع مواطنيها، كلٌّ بحسب مؤهلاته وقدراته، سواء أكان من حملة الشهادات الجامعية أم من أصحاب التعليم المحدود. غير أن من الواقعية أيضاً الاعتراف بأن الدولة وحدها لا تستطيع استيعاب مئات الآلاف من الداخلين إلى سوق العمل كل عام، ولا سيما في ظل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع العام، وضعف القطاع الخاص، الذي لا يزال محدوداً في قدرته على خلق فرص عمل حقيقية، أو يفضل أحياناً الخبرة والمهارة على مجرد الشهادة الجامعية. وهذا ما نلمسه في مختلف بلدان العالم وفي شتى التخصصات. ولطالما رددت أن المهارة بلا شهادة خيرٌ من الشهادة بلا مهارة؛ فالشهادة تفتح الباب، أما المهارة فهي التي تثبت الكفاءة وتضمن الاستمرار والنجاح.

وهنا تظهر مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فكثير من الطلبة لم يدركوا إلا بعد التخرج أن اختيارهم للتخصص لم يكن موفقاً، أو أن سنوات الدراسة لم تمنحهم المهارات العملية التي يبحث عنها أصحاب العمل. فأصبحت الوثيقة الجامعية، على أهميتها، غير كافية وحدها للحصول على وظيفة.

وأود أن أوضح أن هذا الحديث لا يشمل جميع خريجي الجامعات العراقية، الحكومية منها أو الأهلية، فلدينا آلاف الخريجين الذين أثبتوا كفاءتهم داخل العراق وخارجه، وبعضهم ينافس خريجي أرقى الجامعات العالمية، وهذا مصدر فخر لنا جميعاً. إنما المقصود شريحة من الخريجين الذين حصلوا على الشهادة، لكنهم لم يكتسبوا المهارات التي تؤهلهم للمنافسة في سوق العمل.

ومن هنا أود أن أوضح أن هدفي ليس توجيه اللوم إلى الشباب، انما مخاطبتهم بلغة الأمل. فالشاب العراقي أثبت، داخل العراق وخارجه، أنه يمتلك الذكاء والقدرة على التعلم وسرعة التأقلم، وأنه عندما تتوافر له البيئة المناسبة يحقق نجاحات لافتة. ولذلك فإن البطالة لا ينبغي أن تُفهم على أنها حكم بالفشل، وإنما هي تحدٍّ يتطلب إعادة النظر في المسار المهني.

لقد تغير عالم اليوم بسرعة كبيرة، وأصبحت المهارات تتغير أسرع من الشهادات. فالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي يعيدان تشكيل سوق العمل، وتختفي وظائف لتظهر أخرى جديدة تحتاج إلى مهارات مختلفة. ومن يكتفي بما تعلمه قبل سنوات قد يجد نفسه خارج المنافسة، بينما يستطيع من يواصل التعلم أن يفتح لنفسه أبواباً جديدة لم تكن موجودة من قبل.

ولهذا فإنني أدعو كل خريج عاطل عن العمل، بل وكل شاب، إلى النظر إلى شهادته على أنها بداية الطريق لا نهايته. فما زالت أمامه فرصة لاكتساب مهارات جديدة من خلال الدورات التدريبية القصيرة، سواء في البرمجة، أو تحليل البيانات، أو الذكاء الاصطناعي، أو اللغات، أو الإدارة، أو التسويق الرقمي، أو الصيانة والتقنيات الحديثة، أو غيرها من التخصصات التي يحتاجها سوق العمل. واليوم أصبحت هذه المهارات متاحة عبر الجامعات، ومراكز التدريب، والمنصات الإلكترونية العالمية، وغالباً بكلفة بسيطة أو مجاناً.

إن إعادة التأهيل المهني في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت ضرورة وليست ترفا ً. والشهادة الجامعية تمنح صاحبها قاعدة معرفية تساعده على اكتساب مهارات جديدة بسرعة أكبر، حتى وإن كانت بعيدة نسبياً عن تخصصه الأصلي.

ولا أعني بذلك إعفاء الدولة من مسؤولياتها، فهي مطالبة بإصلاح منظومة التعليم، وربط مخرجات الجامعات باحتياجات الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتوفير بيئة حقيقية لنمو القطاع الخاص، ومحاربة الفساد والتزوير، ودعم المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال. فهذه مسؤوليات لا يمكن أن يتحملها الفرد وحده. لكن في المقابل، لا ينبغي للخريج أن يجعل مستقبله رهينة انتظار وظيفة قد تأتي أو لا تأتي. فالعالم لم يعد يكتفي بالشهادات الجامعية وحدها، لان سوق العمل يبحث عمن يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التعلم المستمر، أكثر مما يبحث عن الشهادة وحدها.

من المهم ان نعلم ان المستقبل سيكون من نصيب من يطور نفسه باستمرار، ولا يكتفي بتعليق شهادته على الجدار وانتظار فرصة قد لا تصل أبداً. فالشهادة هي بداية الطريق إلى المستقبل، وقيمتها الحقيقية تتجلى فيما يضيفه صاحبها من معرفة ومهارة وخبرة وقدرة على التكيف مع متغيرات العصر. وبينما تبقى الدولة مطالبة بأداء مسؤولياتها في توفير بيئة اقتصادية وتعليمية سليمة، يبقى على الخريج أن يكون شريكاً في صناعة مستقبله، لا مجرد منتظر له. فالأمم لا تنهض بالانتظار، وإنما تنهض بالعمل والإبداع والمبادرة، ومن يجعل التعلم أسلوب حياة سيجد دائماً طريقاً إلى النجاح، حتى وإن تأخر وصول الفرصة. فالفرص لا تُمنح دائماً، بل كثيراً ما تُصنع، ومن يصنع نفسه اليوم، يصنع مستقبله غداً.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

 

في المثقف اليوم