عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: الفكرة والكلمات!!

العلاقة بين الفكرة والكلمات ذات تعبيرية توجب توضيح الفكرة التي تنوء بها ظهور الكلمات، ولا يجوز الدوران حول الفكرة وتقديمها بأساليب غثيثة وآليات مربكة تصيب القارئ بالدوار.

وهذه بعض الملاحظات التي ربما تنفع:

1- الأكاديمية

الأكاديمي: المهتم بالعلوم حسب منهج علمي دقيق، المنتمي إلى مؤسسة أكاديمية

التفاعل الدائب بين المؤسسات الأكاديمية (الجامعات)، يلفه الغياب في بعض المجتمعات، وتوجد هوة عميقة بين لغة الجامعة والمجتمع.

من المفترض أن يتنور المجتمع الذي فيه جامعة ويتطور وعيه وتزداد معارفه، لا أن يعيش في عزلة وإنفصال عن أروقة الجامعة التي تعمل فيه.

الجامعات نسغ المجتمعات الصاعد، وعليها أن تستعمل لغة يفهمها الجميع، دون أن تتمترس في عوالم المفردات المتصلة بمادة ما.

2- المصطلحات

المصطلح: كلمة أو عبارة تستخدم لتسمية محدودة المفهوم، كل كلمة ذات دلالة معينة.

ينتشر إستخدام المصطلحات في تفاعلاتنا وأكثرها مستوردة وغير أصيلة، وتعني ما تعنيه في بيئتها، ونضفي عليها ما يحلو لنا من الأوصاف فنتوهمها ولا ندركها.

المجتمع لا يحتاج مصطلحات بل كلمات بسيطة تدل على أفعال.

3- الكلمات

المفردات المستخدمة في كتاباتنا وخطاباتنا، غير معاصرة وأكثرها عتيقة وتحتاج إلى توصيف لما تعنيه، ومن الغريب أننا نحاول أن نبث الحياة في مفردات كانت ميتة في حينها، ونحسبها قادرة على الحياة في عصرنا، وكأن اللغة جامدة لا تتطور ولا تتفاعل مع مكانها وزمانها وأجيالها المتوافدة.

4- العبارات الطويلة

الميل إلى إنهاك التخاطب بأنواعه بالعبارات الطويلة التي تشير إلى أن صاحبها لا يعرف ما يريد قوله، أو يعجز عن صب أفكاره بكلمات تبينها بسهولة وسلاسة، في زمنٍ صار "ما قل ودل" من أهم منطلقات بيانه، وأسس بنيانه المعرفي، خصوصا بعد سيادة وسائل التواصل وهيمنة الصورة والمقاطع الفلمية على وعي الناس.

5- الإسهاب

الإسهاب هو إطالة الكلام من دون فائدة، فبدلا من كتابة مئة كلمة يمكن التعبير عن الفكرة ببضعة كلمات، ذات دلالة وقدرة على التنوير والفهم والإدراك.

وأجدادنا الأوائل حذروا كثيرا من الإسهاب وتجدهم في مقدمات كتبهم يعتذرون من القارئ إن هم أطالوا الكلام في مقام لا يستوجبه.

6- الإستعلائية

الإستعلاء: رؤية انفس أعلى من الآخرين

الخطابات ذات عبارات تنم عن الإستعلاء على الناس وإعتبارهم دون القائل فهما ووعيا، وهو إفتراض خاطئ يشير إلى ضعف المتعالي ونضوبه، ومحاولاته التغطية على ما ينقصه بإسقاط ما فيه على الآخرين، وتلك عاهة تفاعلية بين أبناء أي مجتمع تؤدي إلى تداعيات سلبية قاسية.

7- وهم المعرفة

"مَن قال أنا أعلم فهو جاهل"

المعرفة بحر بلا حدود لا يمكن إدراك قاعه، والواحد منا يمثل قطرة في يم الوجود الدفاق، فكيف للقطرة أن تعلم ما في غياهب المحيط؟

العديد من الذين يكتبون يتوهمون المعرفة، ويحسبون ما تخطه أقلامهم هو المُدرَك المطلق، وخاتمة العلم والتمام، وهذا تفاعل فراغي مع عالم مشحون بالأفكار والأحداث المتوالدة من رحم نضوجها، وفيض بلوغها ذروة ما فيها من الطاقات.

8- تجاهل الآخرين

التواصل مع الآخرين يطرح سؤالا حيويا خلاصته، لمن نتوجه؟

لا بد لنا من معرفة الجمهور الذي نخاطبه بوسائل العصر المتاحة لنا، إن جهل الأرضية التي نقف عليها يتسبب بإنهيار قيمة الخطاب، أيا كان نوعه.

فالمطلوب وعي الوسط الذي نريد بذر الأفكار فيه، ولكي تصبح أشجارا وتثمر لابد لها من تربة صالحة ورعاية مناسبة.

9- الإنفعالية

البشر مرهون بإنفعالاته، ومن الصعب على العقل أن يتسيّد ويقود، وهذه العاهة الخلقية لها تداعياتها الخطيرة، ومعطياتها العليلة، التي ينجم عنها تراكم مشكلات وتعقيد حالات وبناء منظومات ذات تفاعلات عدوانية.

فمن السهل على البشر أن يخضع لسوراته الإنفعالية ويتجنب المعطيات العقلية، والتي تحضر بعد فوات الأوان في معظم الأوقات.

فهل أن للإنفعالية مداد نكتب به، ونعبّر عمّا فينا بأساليب متوافقة مع مطموراتنا المجهولة والفاعلة في إدارة دفة وجودنا.

10- الغموض والإبهام

بإسم ما نسميه بالحداثة صار الميل للإبهام والغموض من ضرورات النص الإبداعي، فلكل نص خفاياه ودلالاته وعلى القارئ أن يتفرغ لنبش ما بين السطور وخلفها، وما تعنيه هذه العبارة أو تلك.

والواقع المرير أن العديد من رافعي رايات الحداثة يستنسخون ما عند الآخرين، ويظنون بأنها ستتوافق مع واقعهم الذي يزخر بالمُحدثات على مدى العصور، المترعة بأصالة الإبداع وروعة البيان وحسن البديع المؤثر في النفوس، والمنور للوعي الجمعي.

ترى هل سنكتب بمداد النور، ونتمكن من إطفاء حرائق النار المتأججة في دنيانا؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم