من بدء التّكوين يبدأُ الإبحار، لستُ عالِماً بالأقدار والمقادير، ولستُ للفنجان قارئاً ولا بصّاراً، لا أفك السّحر ولا أقرأُ الكفّ، بين الفاتحة وخاتمة الكتاب سطورٌ زوارق والكلمات مجاديف، أخطّها بيدي، أُقَلِّبُ أوراق دفاتري، أكتبُ، وكلّ بداية فاتحة، أنقش خطوي على وقع الوجود، وبين أصابعي ينسحب العمر.
رغم أن نيتي صافية، نقية على طول يومي، أكتب تقاريري ضدّي ليلاً وأُقدّمها إليّ للسؤال والحساب، أُحسن الإصغاء إليَّ لكي أولد من جديد، أُشكِّل ذاتي من دون أن أسأل. هكذا هي الحياة، أن تفهم صدقها وخداعها وجدّها وهزلها، لابد أن تضحّي بشيء منك، وأن تنكسر منك أشياء. هل أستأذن قبل أن أكتب تقاريري أم أستأذن قبل أن أُفكّر؟ أم أستأذن قبل أن أسال؟ وهل يصمد اليقين أمام الكتابة أم أن الكتابة يقين لا تحتاج للاستئذان؟
سأبيع حكاياتي، فمن يشتري منّي أخطائي وأحزاني، من يقرأ تقاريري ويفهم ما بين السطور؟ أأكبركم سنّاً أم أكثركم هدوءاً، أم أكثركم إيماناً أم أشدُّكم حزماً، أم أشجكم على السؤال؟ في يدي المفتاح، ما همّني من ينظر من ثقب الباب، أصنع دهشتي وأدخل ذاتي كلّما شعرتُ بالغربة، أرسم خرائطي وأكتب أغنياتي، أكتب حكاياتي تقارير أقدّمها إليّ، وما المحاسبةُ إلاّ صلاةً من أجلي تغسل ما فيَّ من انكساراتٍ وانهزام، ومن هفواتٍ وشغف. أن أقبل نفسي لا يعني العجز أمام العيب، بل أن أمنحها حقها في التندّم والبوح، وجسدي حقه في التعب، وعقلي حقه في السؤال، وأن أستمع لذاتي وهي تمارس العزلة كمحرابٍ لا كمنفى؛ أن أجلس في صمتي أفكّ تشفير الحزن حين يطرق بابي، وأتأمل الغضب حين يستعر في صدري، أرمِّم خرابي الداخلي لأُقدّم للعالم إنساناً، وأسأل نفسي بصوتٍ خفيض: هل فعلا لم يحدث شيء وأنّ الأمر عادي جدّاً؟
كلّنا نؤدّي أدواراً على مقاسات معينة أكثر ممّا نعيش، نسير خطى أقل يقيناً وأكثر شكّاً وريبة، أقلّ صدقاً وأكثر مراوغة وكذباً، أقلّ وعياً وأكثر غباءً وجنونا، نبحث عن أسئلة تهدّئُ ولا تُقنع، نغيّر أسماء الأشياء بأُخرى غريبة، ننتظر من يمدّنا بالسؤال. من ينتظر يطول به الانتظار وينخر الشّكُّ ذاته وذاكرته ويبتلعه النِّسيان، فيبني أوهاماً يحرسها ويدافع عنها. كلّما توقّف بي اليقين أو جادلني الفكر أو خالطني الشّكّ أو ضعفت نيتي، أنصرف إلى الكتابة لأُطفئ وطأة الحيرة، وكلّما تراكمت بداخلي الفوضى وفوق قلبي، أنظّفها بالكتابة، ولو كانت تقارير ضدّي. بداخلي تختلط الصّور، وتتبعثر المعاني، وتأخذني رعشة حين تخطُّ يدي تقاريري، ثم ينتابني الصّحو المؤلم عندما يزول مفعول الكتابة، فأعيد قراءة تقاريري، ثم أُهيّئُ يدي للكتابة من جديد.
عقلي ملآنٌ بالثقوب، أقف شاهداً عليَّ أُرتِّق الثقوب، أحصي أفعالي وحركاتي، كرحى، أيامي تمرّ تطْحن، لا تُبقي ولا تذر، ينفرط الوقت بين يدي سريعاً لا ينتظر ولا يرحم، يتبدّد، يتبخّر، ثم يختفي، وأنا أدوّن وأحصي خسائري كبغل مشدود إلى ناعورة، في دائرة مغلقة يدور ويدور، نقطة بدايته هي نفسها نقطة نهايته. أعيد قراءة تقاريري فيركبني الاستغراب من أين لي بهذه الجرأة وهذا الصّدق في الكتابة؟ أقلّب أوراقي القديمة فأرى فيها صكّ اتهامي حين أحصي حركاتي وسكناتي.
تختلط أوراقي، ويتراكم الكلام على الكلام وتضيق بيّ المسارب والطّرقات، أستنطق يومي قبل التدوين، وعلى البياض أُفرغ خسائري وأرباحي، وأُعلن فَشَلي في إحصاء أرباحي لقلّتها وشحّها، والبياض فاغرٌ فاه يستقبل بنهم غريب ألمي، وأتعجّبُ منّي وأنا أُبكّت ضميري. أجمع تقاريري كَوْمات تخيفني عندما أسترق النظر إليها، أجلد ذاتي أسألها فتحاصرني أفعالي حين أفتح لي محكمة أنا فيها الخصم والحكم، أنا الشاكي والشّاهد، أنا القاضي والجلاّد، أنا المُبحر الذي أضاع بوصلته ويعيد رسم الخريطة كل ليلة، أكتب حقيقتي بحبر الصّدق، أخلع أقنعة النّهار فتظهر حقيقتي، تُخيفني وأكتب كل دقيق وجليل كمراقب لا يعرف فمه الابتسام، لا يُجامل، لا شيء عنده قابل للتّفاوض، فتصير محاكمتي وكل تقرير ضدّي شهادة ميلاد، بل يراودني شكٌّ أن شيئا ما تبنيه هذه التقارير على مهل، لا أتركُ لي نُسخاً أعود إليها، إذ ما فائدة العَوْد أن كنتُ لا أستطيع تغيير حرف أو كلمة؟ فهلا فعلا لم يحدث شيء، وأن الأمر عادي جدّاً؟
هكذا ليلي حين يأذن بالمجيء، «تكتحل عيني بالبياض احْتراماً لأسراره، وسحره وقداسته، إذ فيه، وتحت جُنْحه تهجم الهموم واللذّات والمُتع، وتقع الدّسائس والاعتقالات، وتقام الأعراس» وتكتب التّقارير.
شيء بداخلي يُخيفني ويحثُّني على الكتابة والاعتراف. يتزاحم الحكي في صدري، «فكم يلزمني من الشجاعة والقوة لأقف ضدّي؟ كم يلزمني من الصّبر كي أُفْرج عن كلمات تشتعل بداخلي، تحرقني وما تبقّى منّي؟ كم يلزمني من الصلوات والأمنيات والدعاء ذوات الأجنحة لأطير إلى عالم يمنحني من الصّبر أنهاراً؟ أفتح للكلام بابه، وأُشعل مصابيحي وعيني على التقارير أصيغها، أطرّزها، وأسرج للبوح مراكب الكلام» .
أنا الموقّع بدايته ومنتهاه، أنا الخصم والحكم، الشاهد والمتّهم، أوقّعُ تقاريري بكل بصماتي وأسمائي وأمنياتي وانكساراتي، وأبحث داخلي على ما يمكن أن يُعطّل قدرتي على تذكُّر التفاصيل المخيفة التي تفتح نوافذي لأُطلّ منها عليَّ عارياً شاهداً في ركن حزين مع الوحدة النّاهشة في تفاصيل حياتي، تذكّرني ما نسيت وتقود أصابعي إلى كتابة من، فعلاً، أكون.
***
عبد الهادي عبد المطّلب
الدار البيضاء / المغرب








