تطرح التحولات العميقة في البنية الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة سؤالاً حرجاً حول الجوهر الأخلاقي للقانون. فالفكرة الكلاسيكية التي تأسست عليها العدالة كانت تفترض دائماً وجود علاقة مباشرة ومسؤولة بين الفعل والفاعل أي أن الخطأ يستوجب بالضرورة وجود مخطئ يتحمل تبعاته الأخلاقية والجنائية. إلا أن صعود الكيانات الاحتكارية الكبرى والشركات العابرة للقارات أحدث انشطاراً بنيوياً في هذا المفهوم، ليضعنا أمام معضلة اجتماعية وقانونية بالغة التعقيد، يمكن تسميتها بـ الجرائم بلا مجرمين، حيث تقع الكوارث وتزهق الأرواح دون أن تتمكن المنظومة القانونية من الإشارة إلى فاعل حقيقي يتحمل المسؤولية. الحقيقة أن هذا العجز القانوني ليس عجزاً تقنياً، بل هو نتاج تنظيم اجتماعي واقتصادي تم تصميمه بدقة ليفصل بين السلوك والضمير. في ظل الهياكل الإدارية للشركات الكبرى، تتوزع عملية اتخاذ القرار على شبكة بالغة التعقيد من اللجان، ومجالس الإدارة، والمساهمين، والخبراء التقنيين. فإذا ما تسببت شركة بترول في تدمير بيئة محلية، أو طرحت شركة أدوية عقاراً يودي بحياة الآلاف، يتلاشى الفاعل الأخلاقي تماماً. المدير التنفيذي يحتج بأنه يطبق التوصيات الفنية، وأعضاء مجلس الإدارة يتحججون بمسؤوليتهم القانونية تجاه تعظيم أرباح المساهمين، والمهندس يكتفي بالقول إنه صمم الآلة وفقاً للمعايير القياسية المطلوبة منه. هكذا يتبخر الذنب الفردي في دهاليز البيروقراطية المؤسساتية، وتصبح الكارثة مجرد نتيجة حتمية لنظام صامت لا يملك قلباً ولا ضميراً. والأخطر من ذلك هو الكيفية التي تواجه بها المنظومة القانونية الحديثة هذه المعضلة. فالقانون الاجتماعي والدولي الذي تمت صياغته وتشذيبه تدريجياً تحت ضغط وتأثير القوة المالية للشركات، لم يعد يتعامل مع كوارث الشركات بوصفها خطايا أخلاقية تستوجب الردع الجنائي، بل أعاد تصنيفها في لغة حسابية بحتة. لقد أصبحت القوانين تدرج أرواح البشر وتدمير الطبيعة تحت بند الأعراض الجانبية أو تكاليف التشغيل غير المباشرة. إن الاكتفاء بفرض غرامات مالية على الشركات المخطئة لا يعني عقاباً حقيقياً، بل هو في الواقع ترخيص مقنع لمواصلة العمل إذ يتم إدراج هذه الغرامات سلفاً في حسابات الجدوى الاقتصادية وميزانيات المخاطر، وغالباً ما تكون مغطاة بصيغ تأمين معقدة. هذا يعني ببساطة أن ثمن تدمير حياة الإنسان أصبح قابلاً للتقييم بالمال، وأنه طالما كانت الأرباح المتوقعة تتجاوز قيمة التعويضات المفروضة، فإن الكارثة تظل مقبولة اقتصادياً. إن هذا التحول يعكس تراجعاً مقلقاً في قيمة الإنسان ذاته تحت وطأة سلطان السوق. لقد انتقل المجتمع من مرحلة الاقتصاد الذي يخدم البشر، إلى مرحلة المجتمع الذي يخدم الاقتصاد بالكامل. في هذه المنظومة الباردة، لا يرى متخذو القرار الضحايا بوصفهم كائنات إنسانية لها أحلام وآلام، بل كأرقام مجردة في جداول البيانات. إن استبدال المعايير الأخلاقية الدافئة بصيغ تعاقدية جافة ومميكنة يمثل المأساة الحقيقية لعصرنا حيث تم تحييد المشاعر الإنسانية، وتصوير الجشع بوصفه كفاءة تدبيرية، واللامبالاة بوصفها احترافية إدارية. إن مواجهة ظاهرة الجرائم بلا مجرمين لا تكمن في إصلاح بنود القانون الإداري أو زيادة حجم التعويضات المالية، بل تقتضي استعادة البعد الإنساني المفقود في البنية السوسيولوجية للقانون. إنها تتطلب الكف عن تبرير الكوارث بوصفها أضراراً عرضية ومفهومة في مسيرة التنمية، وإعادة الاعتبار للمسؤولية الأخلاقية المباشرة التي لا يمكن لأي جدار بيروقراطي أو صيغة تأمينية أن تلغيها. فالعدالة الحقيقية لا يمكن أن تبنى على الحسابات الباردة، وإلا تحول العالم بأكمله إلى مجرد هامش ربح وخسارة في تقارير كبار المستثمرين.
***
دكتور أحمد فاتح محمد








