عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ثامر الحاج أمين: الكرامة تاج الإنسان

في ثقافتنا العامة ومنظومتنا الأخلاقية، تُعَدُّ الكرامة لدى الفرد والمجتمع قيمةً إنسانيةً رفيعةً، ومبدأً نبيلاً ينبغي التمسك به وصونه من الإهانة والانتقاص. فقد قامت في تاريخنا القديم حروبٌ بين القبائل، وكذلك بين الدول، بسبب التعرض لكرامتها ومحاولة النيل منها، وحتى الخصومات بين الأفراد كثيرًا ما كانت الكرامة أحد أسباب نشوبها واشتعالها، انطلاقًا من المبدأ القائل: "من لم يصن نفسه ابتذله غيره"

ومن خلال الكرامة، والتعامل مع الآخرين بطريقة أخلاقية تحفظ للإنسان قدره، يكتسب الفرد، كما تكتسب المجتمعات، احترام الآخرين وتقديرهم.

وتراثنا العربي زاخر بالأشعار والأمثال التي أظهرت مدى اعتزاز العرب بأنفسهم، وحرصهم على صون كرامتهم، ونفورهم من الذل والهوان. فما تزال صرخة عنترة بن شداد تتردد في الوجدان العربي، حين قال:

لا تسقني ماءَ الحياةِ بذلّةٍ

بل فاسقني بالعزِّ كأسَ الحنظلِ

وبعده جاء الشاعر محمد مهدي الجواهري ليؤكد قيمة الكرامة، قائلًا:

ومن لم يجدْ إلا ذُعافَ مذلّةٍ ورودًا

فموتُ العزِّ مورِدُه عذبُ

وما هذه الصيحات إلا تعبيرٌ عن رفض سلطة القهر والإذلال، والاستعداد لتقديم الموت على حياةٍ تُعاش في ظل الذل؛ فالكرامة ترتبط بالإباء، ورفض الانكسار، وعدم القبول بالعيش مهانًا، وهي من أبرز سمات الأحرار.

وقد برزت هذه القيم بوضوح في مواضع عديدة من تراثنا العربي ، فالشاعر أبو الحسن الجرجاني يحذّر من أن يُذلّ الإنسان نفسه، ويدعوه إلى التحلي بالإباء وصون كرامة النفس، فيقول:

أرى الناسَ من داناهُمُ هانَ عندهمُ

ومن أكرمتْه عزةُ النفسِ أُكرِما

فما أراده الجرجاني في قوله إن الإنسان الذي لا يحترم نفسه، ولا يعرف قدرها، لا ينتظر من الآخرين أن يحترموه، ومن يُهِن نفسه طوعًا، فقد مهّد الطريق للهوان.

كما جاءت أمثال العامة محذّرةً من الركون إلى الذل والتنازل عن الكرامة، ومن ذلك قولهم: (من صيّر نفسه نخالةً أكلته الدجاج)، وعند المصريين يُقال بمعنى قريب: (اللي يجعل نفسه نخالة تبعثره الفراخ). وكذلك المثل: (من جعل نفسه شاةً دقّ عنقه الذئب)، وهو قريب مما أورده الثعالبي في كتابه "خاص الخاص" : (من لم يكن ذئبًا أكلته الذئاب)، في إشارة إلى أن الظلم كثيرًا ما يتمادى على من يستسلم له ولا يدفعه عن نفسه.

ومن الأمثال الدالة على المعنى نفسه أيضًا: (من نام على قارعة الطريق دقّته الحوافر دقًّا)، فمَن يضع نفسه في موضع الهوان، أو يسمح للآخرين بالتجاوز على كرامته، لا ينبغي له أن يستغرب حين يصبح عرضةً للاستخفاف والاستغلال.

ففي الوقت الذي نقرأ فيه أن حروبًا قامت بين الدول بسبب محاولة التعدي على كرامتها، ونرى في تراثنا أمثلةً كثيرةً على استعداد الإنسان للموت دفاعًا عن عزته، نرى اليوم، وللأسف، من يفرّط بكرامته، ويضحي بها لأتفه الأسباب وأرخص المغريات.

ولعلّ المفارقة المؤلمة أن الإنسان الذي كان أسلافه يرون الموت أهون من حياة الذل، أصبح بعض أبنائه اليوم يقبلون الهوان طمعًا في منفعة عابرة، أو مكسبٍ زائل، أو موقعٍ لا يدوم. فالمال يُعوَّض، والمكانة قد تتبدل، والمناصب تزول، أما كرامة الإنسان، فإذا أضاعها بيده، فمن الصعب أن يستعيدها كما كانت.

فالكرامة ليست ترفًا أخلاقيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة، وإنما هي موقفٌ وسلوك، وحين يصون الإنسان كرامته فإنه في الحقيقة يصون إنسانيته قبل كل شيء.

***

ثامر الحاج أمين

في المثقف اليوم